دبلوماسية هيل: مواجهة تحت مظلة “ربط النزاع”

كتبت رلى موفق في صحيفة “اللواء”:

السؤال المحوري يتعلق بدور «حزب الله»  في ظل انتهاج سياسة تغيير قواعد اللعبة؟

يُراقب الفريق السياسي المحسوب على المحور السوري – الإيراني بدقة مفاعيل كلام مساعد وزير الخارجية الأميركية للشؤون السياسية ديفيد هيل الذي أطلقه من أمام «بيت الوسط» في أعقاب لقاءاته مع المسؤولين اللبنانيين. لا تكهنات حول توقيت الزيارة كونها تأتي في إطار جولة وزير الخارجية مايك بومبيو إلى المنطقة، الذي أوكل أمره لنائبه، ولا التباس في عنوانها المتعلق بـ «مناقشة الاستراتيجية الإقليمية للولايات المتحدة حيال الشرق الأوسط والتصدي لأجندة إيران وطموحاتها وأنشطتها الخبيثة».

هيل نقل حزم الإدارة الأميركية بالمضي باستراتيجيتها المعني بها لبنان لسببين رئيسيين: الأول يعود إلى أن تحقيق شرق أوسط مستقر ومزدهر كهدف أساسي يتطلب لبناناً آمناً ومستقراً، فيما يرتبط السبب الثاني بوجود «حزب الله»، حيث أن مواجهة أنشطة إيران تطال  أنشطة «الحزب» كأحد  المنظمات الإرهابية بالوكالة. وهذا الحزم يتطلب من لبنان الرسمي، قيادات ومؤسسات، التعامل بجدّية مع قرارات دونالد ترامب الذي تختلف طريقة عمله عن سلفه باراك أوباما. والجدّية هنا، في فَهْم من التقوا هيل، ومَن هم على إطلاع على نظرة الإدارة الأميركية  إلى الواقع اللبناني، ترتبط بالتقيّد بمضامين القوانين والقرارات التي تصدر وعدم محاولة الالتفاف عليها، سواء تلك المتعلقة بالعقوبات على إيران أو على «حزب الله».

ورغم خلو اللغة التي استخدمها هيل من الدبلوماسية، ورغم فجاجة التوصيف ومباشرة الاستهداف، فإن الانطباع على ضفة هيل بأن استراتيجية ترامب لا تزال ترتكز بالدرجة الأولى على استخدام الضغط الاقتصادي كأداة للوصول إلى أهدافها، وهي غالباً أكثر فعالية وأقل كلفة وخطر من الضغط العسكري، لكن نجاحها رهن التزام الأطراف المعنية بها، والتشدد في محاسبة المتخلفين من الدول والحكومات والأفراد والكيانات والشركات.

لم يخرج مَن التقى الموفد الأميركي بانطباع أن ثمّة تغييراً أساسياً حيال التعامل الأميركي مع لبنان. فالموقف رغم اللهجة التصعيدية لا يزال تحت سقف «ربط النزاع» الذي يعيش لبنان في ظلّه منذ تأليف حكومة الرئيس تمّام سلام عام 2014. ربط النزاع هذا هو ربط نزاع أميركي – إيراني ينسحب على حلفاء الطرفين سواء الإقليميين أو الدوليين. وفي إطاره حصلت التسوية الرئاسية التي أتت بالعماد ميشال عون رئيساً للجمهورية، وأعادت سعد الحريري إلى الرئاسة الثالثة، وجرت الانتخابات النيابية التي كان المجتمع الدولي يضغط باتجاهها في إطار الحفاظ على انتظام عمل المؤسسات الدستورية.

لكن الوقائع التي سُجّلت خلال سنوات «التعايش»، وما رافق إنجاز قانون الانتخابات النيابية الذي أحدث خللاً فاضحاً في موازين القوى السياسية، وما تلاه من تعقيدات في عملية تأليف الحكومة، آل إلى اقتناع بأن «حزب الله» يستفيد من «ربط النزاع» القائم لتعزيز نفوذه داخلياً، وتصليب الأرضية السياسية التي تؤمّن له مزيداً من الإمساك بالقرار اللبناني في حرب النفوذ الدائرة في المنطقة.

في رأي متابعين أن السؤال المحوري يتعلق راهناً بالدور الذي يلعبه «حزب الله» في لبنان، في ظل انتهاجه سياسة تغيير قواعد اللعبة، وبالأهداف الكامنة وراءه، والتي لا يمكن إدراجها إلا في سياق فرض مزيد من الهيمنة وصولاً إلى الهيمنة الكاملة على الدولة.

فإزاء المسار الانحداري للقوى السياسية المناهضة لـ «حزب الله» وضعفها، يعمل «الحزب» على القضم التدريجي وعلى وتكريس معادلات جديدة، على غرار تعاطيه مع وزارة الصحة التي أصرّ عليها غير آبه بما سيخلّفه توليه لها من اصطدام مع المجتمع الدولي ووقف المساعدات المخصصة لها وعبرها إلى لبنان.

الرسالة التي أراد هيل إيصالها إلى «حزب الله» بالمباشر مفادها أن واشنطن لن تُسلّم بسياسة الإخلال بقواعد اللعبة، وبالتالي فإن ثمّة خطوطاً حمر لا يمكن للحزب تجاوزها، ولا بدّ تالياً من العودة إلى مندرجات «ربط النزاع» والالتزام بها. والطريق إلى ذلك هو بوقف «الحلفاء» تقديم مزيد من التنازلات التي لن تؤول إلى حماية البلد، بل إلى دفعه أكثر نحو السقوط الكليّ في الفلك الإيراني، ما يُعرّضه للانكشاف.

فالمسؤول الأميركي يُدرك بعمق واقع حلفاء بلاده وأن لا قوة لديهم ولا رغبة في خوض غمار أي مواجهة، وهو لم يأتِ ليحثهم على التصعيد بل على الثبات حيث هم ليس أكثر، أقله في المرحلة الراهنة، ولو تطلب الأمر إحياء حكومة تصريف الأعمال، فذلك أفضل من حكومة تكرّس خسائرهم من جهة، وأرباح «حزب الله» ومَن يمثل من جهة ثانية!.