الدولة فقط … و«سليمان الأول»

كتب نجيب سليم زوين في صحيفة “اللواء”:

يمر لبنان اليوم في أدق مرحلة في تاريخه المعاصر… فهذا الوطن، الذي استحق لقب الوطن – الرسالة نتيجة نضال ابنائه وايمانهم بدورهم الحضاري الثقافي المتنوع، يتحول اليوم، وعلى يد مجموعة من ابنائه، الى اطار لصورة لا تشبهه مطلقا، يتحول الى مجتمع فاقد لقيم العدالة والسلام والانسانية لمصلحة الحقد والموت والدم.

واثر التحولات الجذرية في مواقف بعض الفرقاء وانتقالهم من موقع الى آخر، واثر مهادنة البعض لموقع الخلل الاساسي المتمثل بالخطر المحدق على الدولة من تعاظم وجود الدويلات، لحجج واهية مختلفة من اقتصادية وانمائية او للحفاظ على السلم الاهلي والسلام الداخلي والعيش المشترك، متناسين ان ما يبنى على الرمال يتناثر مع اول نسمة لا مع اول عاصفة.

فلا سلام ولا طمأنينة الا بقيام الدولة ذات السيادة المطلقة والوحيدة على كامل التراب اللبناني وما عدا ذلك ليس سوى استنباط اسباب وأعذار اثبتت الايام عقمها وعدم صلاحيتها.

فكان علينا، نحن الذين لا ننتمي الى احزاب او تكتلات او تيارات تقليدية، الاختيار بين استمرار النضال لاعادة بناء الدولة السيدة، دولة المؤسسات الدستورية، او الاستسلام لدولة «صندوق البريد»، دولة الساحة والحروب الدائمة.

< لاننا نرفض استمرار الفساد والهدر واستباحة الاموال العامة، والنزف القاتل في قطاع الكهرباء وغيره وتهديد المواطن بلقمة عيشه وايصاله الى حدود الفقر والعوز.

< ولاننا نرفض التلوث البيئي القاتل واستمرار تجهيل الفاعل وغض الطرف عن المسيء الى صحة المواطن.

< ولاننا نرفض ان تستمر مؤسساتنا التربوية تخرّج عاطلين عن العمل، كما نرفض تحويل ابنائنا وقودا خدمة لمشاريع خارجية.

< ولاننا نرفض الاحتكام الى العنف وتواجد السلاح خارج القوى العسكرية والامنية الدستورية والخضوع لمشيئة مجموعات مسلحة خارجة عن القانون تتحكم بمصير الوطن والمواطن.

< ومن إيماننا المطلق بالحرية والديمقراطية واحترام مبادئ حقوق الانسان وتطبيق القوانين دون استنسابية.

< ومن إيماننا بالعيش معا والحفاظ على تعددية اسهمت في تكوين الشخصية اللبنانية الفذة وأرست أسس رسالة لبنان الحضارية، وبالانفتاح والتفاعل مع المجتمع الدولي والالتزام بالقرارات الدولية كافة.

لهذه الأسباب ولغيرها كان اللقاء طبيعيا مع فخامة الرئيس ميشال سليمان الذي لقي، ابان ولايته، معارضة شرسة من المتضررين من قيام الدولة النزيهة والقادرة الذين حالوا دون تمكنه من تحقيق كافة مشاريعه وافكاره…

وكانت ولادة «لقاء الجمهورية» ليشكل اطارا للعمل لتحقيق هذه الاهداف، فاللقاء ليس حزبا بل مكانا يلتقي فيه اناس مستقلون، يشكلون بتعدديتهم الثقافية والمناطقية والمذهبية صورة عن وطن – الرسالة، يتمتعون بالمصداقية والمعرفة وبحس المسؤولية الوطنية همهم الاول والاخير قيام الدولة وتأمين مستقبل افضل وواعد لأبنائنا واحفادنا.

كثيرة هي الأسباب التي تجمعنا بالرئيس سليمان منها:

< انه اول رئيس سيادي منتخب، بعد التحرير وخروج آخر جندي سوري محتل، لم يتلون ولم يهادن على حساب الدستور والقانون.

< لم يسع الى الرئاسة بل «جاءته» اثر احداث اليمة هددت الكيان.

< لم يعقد اية صفقة او تفاهم ثنائي مع اي فريق بل انتخب بالاجماع نتيجة لتفاهمات بين المتصارعين انفسهم.

< أعاد للبنان صورته الحضارية وأعاده الى موقعه الطبيعي في المحافل الدولية.

< خلال ولايته اعتبر الجميع عائلته الكبرى ولم يستنجد مطلقا بعائلته الصغرى بل احاط نفسه بذوي الخبرة والكفاءة.

< استطاع من موقعه الدستوري القوي ان يحقق ما عجز عنه الكثيرون وما حلم به الكثيرون: انه «اعلان بعبدا» بهدف تحييد لبنان عن الصراعات العربية، هذه الوثيقة التاريخية والوحيدة اللبنانية المنشأ والهوية. اعترفت بها الامم المتحدة والمجموعة الاوروبية وجامعة الدول العربية رغم تنكر بعضهم لها و«لحس» توقيعهم.. فيوضاس باع المسيح بثلاثين من الفضة وهؤلاء ضحوا بالوطن على مذبح المصالح الشخصية والخارجية.

< استعاد اهتمام العالم بلبنان من خلال انشاء مجموعة الدعم الدولية للبنان  ISG والمبنية على «اعلان بعبدا».

< ويوم كان قائدا للجيش حطم الخطوط الحمر التي حاول البعض وضعها امام القوى العسكرية، فكما انتصر على الارهاب في الضنية ونهر البارد انتصر للحق وللحرية وأمّن للشعب الحماية ليعبّر عن ذاته في 14 آذار 2005.

شبّهه البعض بالرئيس فؤاد شهاب لانه جاء الى الحكم اثر احداث اليمة ولكن غاب عن بال هؤلاء ان الظروف لا تتشابه والمتغيرات كثيرة ويبقى اهمها ان الرئيس شهاب واجه خصما قويا وزعيما وقائدا عربيا كبيرا، والذي رغم الخصومة كان يتحلى بالاخلاق والرجولة والقيم العربية الاصيلة ويحترم المواثيق والاعراف والخصومة الشريفة عكس ما واجه الرئيس ميشال سليمان.

اما لقاء الجمهورية فهو الموقع الذي تلاقى فيه، ليس محبي الرئيس سليمان فقط، بل مؤيدي الخط الذي مثله فخامته خلال مسيرته الوطنية حيث يستمر النضال لاسترجاع الدولة من «الخارجين على الدولة» ولتحقيق ما نصبو اليه من حياة كريمة.

فلا تجوز اللامبالاة عندما يكون مستقبل الوطن في خطر والفوضى تهدد الانتظام العام، ولا يجوز السكوت عندما تتعالى اصوات الفاجرين والخارجين عن القانون، ولا مكان للمهادنة عندما يهدد السلاح اللاشرعي، ايا كانت مسمياته او توصيفاته، مستقبل ابنائنا، ولا يحق للشرفاء السماح للفاسدين والمفسدين والانتهازيين باستباحة مقدرات البلاد.

إن العبث بحياة المواطن وصحته وبيئته واقتصاده وحريته وكرامته خط احمر… والسلام.