IMLebanon

زيارة باسيل لسوريا: مغامرة محسوبة؟

كتبت هيام القصيفي في صحيفة “الأخبار”:

كلام كثير عن زيارة وزير الخارجية جبران باسيل لدمشق. لكن بين الضغط الاميركي المتزايد ضد تفعيل العلاقة مع دمشق، ومتطلبات مرحلة سياسية تحفل بترشيحات رئاسية مبكرة، أيهما سيكون أكثر تأثيراً على قرار الزيارة؟

من يعرف الوزير جبران باسيل يقُل إنه إذا رغب في زيارة سوريا، فسيكون لديه من الجرأة ما يكفي للاعلان بوضوح انه سيزورها ويفند اسباب الزيارة وضروراتها.

ورغم ان باسيل لم يحدد اي موعد لزيارته المفترضة، وحتى ان ثمة نفياً لها، الا ان الحدث تحول مادة اولى في النقاش السياسي، وبات متقدماً على مشاورات تأليف الحكومة.

لا يمكن ان تكون زيارة باسيل منزهة عن كامل المتغيرات التي تحيط بسوريا، لا سيما لجهة المواقف المقربة من النظام السوري والمتحدثة عن فوزه على خصومه. لكنها ايضاً ليست بعيدة عن كل ما يجري من تحولات داخلية، خصوصاً انها تأتي وسط تدرج مواقف باسيل من سوريا، وفي ظل نصف الولاية الثانية للرئيس ميشال عون، مع ما يعني ذلك من سجال حول مستقبل باسيل الرئاسي.

حين انفجرت قضية زيارة وزراء في حكومة الرئيس سعد الحريري لدمشق في آب الماضي، حيّد التيار الوطني نفسه عن الذهاب «رسمياً» الى سوريا، وظلت زيارة وزير العهد بيار رفول لدمشق بين السرية والعلنية، من دون ان يرفض باسيل مبدأ الزيارات بالمطلق. هو قال حينها إنه لا احد يطلب من الرئيس سعد الحريري زيارة سوريا، لافتاً في الوقت نفسه الى وجود سفير لبناني في دمشق، وإلى ان العلاقات قائمة في شكل طبيعي، كما تحدث عن التنسيق الامني. وحين سئل عن احتمال زيارته سوريا قال: كل امر يأتي في وقته وما هو لمصلحة لبنان نقوم به.

اليوم تختلف المعادلة عن المرحلة السابقة، وتختلف حتماً عن المرحلة التي سلك فيها العماد ميشال عون درب دمشق لأول مرة في ايلول عام 2008. لكن بقدر ما كانت تحديات عون في تلك المرحلة كبيرة، وهو يخطو في اتجاه دمشق خطوات واثقة، رغم كل الانتقادات التي تعرض، ولا سيما بعد مرحلة عام 2005 مع كل ما تعنيه، الا انه واصل انفتاحه على سوريا وفق مقولته التي بات يعتمدها باسيل بأن مرحلة الخصومة مع دمشق انتهت مع خروج الجيش السوري من لبنان. مع بداية الحرب في سوريا، ظل عون على تفاؤله وثباته على موقفه من فوز النظام السوري على الجماعات الارهابية. ومع تفجر مشكلة النازحين السوريين، تصدر اولويات عون وباسيل بند اساسي يتعلق بكيفية ادارة هذا الملف، والضغط لاعادة النازحين الى بلادهم. واذا كان هذا الموضوع استأثر بردّ فعل مضاد على باسيل، قبل ان يصبح عون رئيساً للجمهورية وبعد ذلك، الا أن مسار تطورات سوريا جعل باسيل لا يقدم على خطوة «فاقعة» من نوع زيارة دمشق، ولو انه التقى وزير خارجيتها وليد المعلم، ويلتقي سفيرها في لبنان علي عبد الكريم علي.

خصوم باسيل يشيرون الى مواقفه المتأرجحة، بين مطالبته بلوحة جلاء الجيش السوري، الى مواقفه منها في مؤتمر القمة الاقتصادية العربية ومؤتمر دافوس، في الوقت الذي بدأ فيه الكلام العلني عن احتمال قيامه بالزيارة، ومن الذي يقوم بها وزير الخارجية ام التيار الوطني الحر بخلفيته وقاعدته الشعبية، وتأثيرات ذلك داخلياً، علماً بأن باسيل لا يتوقف كثيراً عند مراعاة خاطر الرئيس المكلف سعد الحريري في هذه النقطة.

تأتي هذه الاجواء، في ظل محطتين اساسيتين، الاولى زيارة مساعد وزير الخارجية الاميركي لشؤون الشرق الاوسط دايفيد هيل وحرصه على تكرار دعوته الى عدم «التطبيع» مع سوريا وعدم الذهاب اليها، لا للإعمار ولا لغيره، والثاني اقرار مجلس النواب الاميركي مشروع قانون جديد لفرض عقوبات على النظام السوري، ويمكن من خلاله للرئيس الاميركي فرض عقوبات جديدة على كل من يدعم هذا النظام اقتصادياً ويتعامل معه.

فإذا كانت زيارة باسيل لسوريا تحمل وجهين مزدوجين، تفعيل العلاقات تمهيداً للاعمار، أو تحسين شروط التعامل وتعزيز وضعيته كمرشح رئاسي، فكيف يمكن وفق ذلك تجاوز الدور الاميركي، علماً بأن نظرة الاميركيين الى العهد والتيار الوطني لم تتحسن ولم تتطور الى مستوى علاقات طبيعية، وهي لا تزال محصورة بتعامل ديبلوماسي محدود في المكان والزمان. والذهاب الى دمشق، في ظل اعادة الاميركيين جدولة وجودهم وضغوطهم على إيران وسوريا، يعني ان العهد ووزيره كرّسا وضع لبنان في ساحة واحدة مع سوريا، في حملة المواجهة الجديدة، علماً بأنهما حاولا اكثر من مرة التماهي مع فكرة تحييد لبنان، من دون رسم حدود فاصلة كما هي حال قوى 14 آذار سابقاً، وبقيا يحملان العصا من الوسط. لكن مع بدء الترويج لحملة اعمار سوريا والاحاطة بمجريات القمة وتداعياتها، صار للكلام عن سوريا هدف آخر، وبعد مختلف. والاستمرار في تحقيق توازن دقيق، بات يفرض مجريات تعامل مختلفة؛ فلا تصبح الزيارة مغامرة غير محسوبة النتائج، لان كل حركة من هذا النوع من الآن فصاعداً ستكون تحت المجهر اميركياً وخليجياً، الا اذا كان الهدف مجرد اشاعة جو اطمئنان موجه نحو فريق 8 آذار ومَن هم خلفه إقليمياً، فتكون الزيارة قد حققت هدفها ولو لم تحصل، وكل ذلك يصب في خانة النقاط.