IMLebanon

حكومة النساء في مواجهة “حكومة” حزب الله

كتبت صابرة دوح في صحيفة “العرب” اللندنية

شكل حضور أربع سيدات في الحكومة اللبنانية الجديدة، إنجازا جديدا يضاف إلى رصيد المرأة اللبنانية، كما رئيس الحكومة سعد الحريري الذي نجح في أن يوجه بعض الاهتمام عن انتقاده لتشكيل حكومة تحسب على حزب الله، نحو السبق اللبناني، وأيضا العربي، في تعيين وزيرة في حقيبة الداخلية، وأيضا تعد سابقة في تاريخ الحكومات في لبنان أن تعين امرأة على رأس وزارة الطاقة.

ولاقت خطوة تمكين المرأة من أربع حقائب وزارية للمرة الأولى، ترحيبا لافتا من منظمات حقوقية وحملات داعمة لتعزيز حضور المرأة في الحياة السياسية، آملة أن تكون مقدمة لمشاركة نسائية أكبر. ولطالما مثّل الحضور النسوي الضعيف إحدى الثغرات الكبرى في الساحة السياسية اللبنانية طيلة العقود الماضية، رغم أن المرأة في لبنان أثبتت جدارتها في العديد من المجالات، وهناك نساء رائدات في الثقافة والعلوم وإدارة الأعمال.

وفي ظل التحولات التي يشهدها المجتمع اللبناني بدا أن النظرة التي ترى أن المرأة قاصرة عن الفعل السياسي آخذة في التغير، مع إيمان قوى سياسية بقدرتها على ممارسة الفعل السياسي، كما أن المرأة اللبنانية نفسها باتت تستشعر ثقة أكبر، على ضوء الفشل الذريع لـ”النخبة الذكورية” في إدارة شؤون البلاد وطغيان خطاب العنف والطائفية.

ويحسب لتيار المستقبل بقيادة رئيس الوزراء سعد الحريري اهتمامه بدعم حظوظ المرأة بالمشاركة في الحياة السياسية، وأظهر التيار السني رغبة في تحسين التمثيل النسوي حيث كان من أشد المدافعين عن اعتماد كوتة نسائية في البرلمان خلال النقاش حول صيغة قانون انتخابي جديد (تم إقراره عام 2017)، وحرص التيار في الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي جرت في مايو الماضي على زيادة عدد المترشحات عنه، لتتمكن ثلاث نساء من المستقبل -من مجموع ستة نساء- من الوصول إلى قبة البرلمان في سابقة هي الأولى من نوعها.

ويكرس هذا التوجه تيار المستقبل بالرهان على دور المرأة من خلال منحها حقيبتين من خمس حقائب حصل عليها في الحكومة الجديدة. ومنح التيار ريا حفار الحسن، حقيبة الداخلية التي كانت في الحكومة السابقة لنهاد المشنوق. وهذه المرة الثانية التي يختار فيها الحريري الحسن لتمثيله في الحكومة، بعدما تولت حقيبة المالية في أول حكومة شكلها بين عامي 2009 و2011.

وتقول أوساط سياسية مقربة من المستقبل إن تمكين ريا حفار الحسن (52 سنة) من حقيبة الداخلية التي تكتسي أهمية خاصة في بلد مثل لبنان، لم يكن اعتباطيا أو خطوة غير مدروسة، بالنظر إلى سجل هذه المرأة التي أثبتت من خلال المناصب التي تقلدتها على مدار السنوات الماضية قدرة كبيرة على الإقناع.

وعملت الحسن المنحدرة من مدينة طرابلس شمال لبنان، وهي أم لثلاث فتيات، منذ مطلع التسعينات، في القطاع المصرفي وكمستشارة في عدة وزارات بينها المالية والاقتصاد.

وتم تعيينها عام 2015 رئيسة لمجلس إدارة والمديرة العامة للمنطقة الاقتصادية الخاصة في مدينة طرابلس. وتحمل الحسن درجة ماجستير في إدارة الأعمال من جامعة جورج واشنطن في الولايات المتحدة.

وآلت الحقيبة الثانية للمستقبل والمتمثلة في وزارة الدولة لشؤون التأهيل الاقتصادي والاجتماعي للشباب والمرأة إلى فيوليت خيرالله الصفدي (37 عاما) وهي زوجة رجل الأعمال والوزير والنائب السابق محمد الصفدي، وسبق أن خاضت عدة تجارب إعلامية ساهمت في نحت شخصيتها القوية.

ودرست خيرالله الصفدي إدارة الأعمال الدولية في جامعة سيدة اللويزة، وتتابع حاليا دراسات عليا في اختصاص العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة ذاتها. وتشغل منذ عام 2010 منصب المدير التنفيذي لـ”مجموعة الصفدي القابضة”، وتترأس عددا من الجمعيات المحلية والخيرية في مدينة طرابلس في شمال لبنان. وهي من أعضاء الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية.

وشكلت خطوة الحريري بتمكين المرأة من العمل الحكومي دفعة قوية لبعض القوى السياسية للاقتداء بها على غرار حزب القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر (مسيحيين) حيث خصص كل منهما حقيبة للمرأة من ضمن حصته.

وتعد المرأة في حزب القوات اللبنانية فاعلة وبقوة، حيث تتولى شانتال سركيس منذ عام 2016 الأمانة العامة للحزب، كأول امرأة في هذا المنصب على صعيد لبنان، فضلا عن الحضور الدائم لستريدا جعجع في البرلمان اللبناني، بيد أنه يعيب البعض على الحزب غياب المرأة القواتية عن الحكومة.

وبدا أنه بتعيين مي شدياق وزيرة دولة لشؤون التنمية الإدارية، يتدارك هذا التقصير. وشدياق (56 عاما) صحافية معروفة بمواقفها السياسية المناهضة لوجود النظام السوري في لبنان سابقا ولتدخله في السياسة اللبنانية راهنا. كما تعرف بمواقفها المنتقدة بشدة لحزب الله.

وتعرضت شدياق التي أطلت لسنوات طويلة عبر الشاشة كمقدمة أخبار ومحاورة سياسية، لمحاولة اغتيال عبر تفجير سيارتها في سبتمبر 2005، وبُترت يدها وساقها وخضعت لعمليات جراحية كثيرة من بعدها.

ووقعت محاولة اغتيالها ضمن سلسلة من التفجيرات والاغتيالات أودت بعدد من السياسيين والإعلاميين، أبرزهم رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري والسياسي والإعلامي جبران تويني، والصحافي سمير قصير.

وترأس شدياق -وهي أستاذة جامعية منذ عام 1997- حاليا مؤسسة تحمل اسمها وتعنى بالتدريب والأبحاث والتربية حول الإعلام والديمقراطية. ونالت جوائز عالمية عدة، واختارها معهد الصحافة الدولي عام 2010 “بطلة حرية الصحافة في العالم”.

ومنح التيار الوطني الحر حقيبة للمرأة من مجموع 10 حقائب وزارية إذا ما تم احتساب الحقائب التي حصل عليها رئيس الجمهورية العماد ميشال عون.

ومكن التيار ندى بستاني خوري، المقربة من رئيسه وزير الخارجية جبران باسيل، وصهر الرئيس عون، من حقيبة الطاقة والمياه التي تعد حقيبة رئيسية.

وتنحدر بستاني (36 عاما) -وهي أم لطفلة- من منطقة كسروان شمال بيروت. وتولت منذ عام 2010 مهام مستشارة وزير الطاقة والمياه، وهو المنصب الذي تعاقب عليه وزراء من التيار الوطني الحر بينهم باسيل، في سياق مساعيه لتحويله إلى عرف.

وتحمل إجازة في الاقتصاد من جامعة القديس يوسف وتابعت دراساتها العليا في المدرسة العليا للتجارة في باريس، وعملت -بحسب سيرتها الذاتية- لمدة أربع سنوات في الاستراتيجيات المالية والعملية لإعادة هيكلة عدد من الشركات الدولية.

في المقابل أبقت باقي القوى السياسية المشاركة في الحكومة، ومنها تلك المحسوبة على الخط التقدمي الحداثي، على الطبيعة الذكورية في حصتها الحكومية على غرار الحزب التقدمي الاشتراكي الذي يتزعمه وليد جنبلاط. وخلت حصة الثنائي الشيعي حزب الله وحركة أمل من أي حضور نسائي.

ويرى كثيرون أن الإنجاز الحكومي الذي حصدته المرأة اللبنانية، يبقى خطوة في طريق طويل وشاق لفرض نفسها كرقم صعب في المعادلة السياسية اللبنانية، في ظل إحصائيات تقول إنها لا تزال في مراتب متأخرة عالميا على مستوى التمثيل السياسي. وتقول الناشطة الحقوقية جمانة مرعي في تغريدة لها على تويتر عقب الإعلان عن تشكيل الحكومة ” الطريق طويل لانتزاع إرادة سياسية حقيقية للمساواة بين الجنسين”.