IMLebanon

الحراك الشعبي مُستمر: يسقط حكم المصارف!

كتبت ليا القزي في “الاخبار”:

تظاهرة جديدة نظّمها، أمس، «الحراك الشعبي للإنقاذ» في بيروت. هي خطوة تُضاف إلى التحركات السابقة، في مسار المعركة مع قوى السلطة، ومواجهة الأزمة الاقتصادية، وتجنيب المواطنين تبعاتها الكارثية. عنوان أمس كان «لا ثقة» بالحكومة، مع رفع مطلبين رئيسيين: تعديل النظام الضريبي وحماية البيئة

منذ أن أصبح كيلو الرزّ بليرة ونصف ليرة، والأربع بيضات بليرة واحدة، والمواطن محمد إبراهيم المقداد ينزل إلى الشارع للتظاهر. يُشارك من دون أن يُقيم اعتباراً للجهة الداعية، «أتظاهر مع أي حزب يُطالب بحقوق الناس ومفهوم المواطنية». نصّب نفسه أمس مُتحدّثاً باسم «اتحاد العاطلين عن العمل والصرف التعسفي وضحايا المحسوبية»، هو الذي مضت «4 أشهر من دون أن أتلّقى راتبي». حمل لافتته المكتوب عليها: «لا ثقة وثرواتكم من تعبنا وحقوقنا»، وتوجّه إلى ساحة بشارة الخوري في بيروت، للمشاركة في التظاهرة التي دعت إليها «مجموعات مدنية» (بيروت مدينتي، المرصد الشعبي لمحاربة الفساد، حراك المتن الأعلى، تيار المجتمع المدني…) والأحزاب المعارضة للسلطة (الحزب الشيوعي، التنظيم الشعبي الناصري، الحزب الديموقراطي الشعبي، حزب الطليعة)، تحت اسم «الحراك الشعبي للإنقاذ». مسيرة المقداد بدأت منذ سنوات، و«مُستمّر فيها اليوم من أجل أولادي». الخطأ، بالنسبة إليه، هو أن «نبقى في بيوتنا ونقول إنّ الحراك لا يُقدّم ولا يؤخّر. مرّة بعد مرّة، سيزيد الوعي لدى الناس، وخاصة في هذا الظرف ووجود مؤتمر سيدر الذي سيتسبّب بفرض المزيد من الضرائب علينا».

محمد إبراهيم المقداد، هو واحدٌ من «ضحايا» السياسات الاقتصادية المُتبعة منذ سنوات، وينتمي إلى الفئة التي تريد الدولة تحميلها وحدها نتائج الأزمتين المالية والاقتصادية، مقابل الاستمرار في حماية مصالح كبار المودعين والهيئات الاقتصادية والمصارف. المعركة «السياسية» الحقيقية تكمن هنا: في كيفية مقاربة الأزمة الاقتصادية وإيجاد المخارج لها، بين من يريد ترتيب المزيد من الديون على الفئات المهمشة وذوي الدخل المتوسط والمحدود، ويمنع خفض كلفة الدين العام، وتطبيق مفهوم العدالة الاجتماعية من خلال فرض الضرائب التصاعدية، وبين من تحسّس خطورة ما يحصل ويطرح إجراءات بديلة كفيلة بحماية حقوق المواطنين وأموال تقاعدهم، وصياغة سياسات ضريبية ومالية جديدة لمصلحة الناس. عنوان الصراع الواضح، ساهم في تحديد مسار تظاهرة يوم الأحد، فانطلقت ظهراً من ساحة بشارة الخوري، مروراً بجمعية المصارف والبنك الدولي، وصولاً إلى ساحة رياض الصلح. الشعارات المرفوعة تدور حول فكرة أساسية: «لا ثقة». لا ثقة «بسياساتكم وتوجهاتكم التي أوصلتنا إلى ما دون خط الفقر». لا ثقة «لحكومة الفساد». وعلى أحد جدران العاصمة، كُتب «يسقط حكم المصارف». بين المتظاهرين، كان هناك سيدتان لا ترفعان شعارات اقتصادية، بل مطالبة بالعفو العام لسجناء رومية. تقول والدة أحد السجناء إنّ ابنها في السجن منذ سنتين ونصف سنة بتهمة تدخين سيجارة حشيشة، «السجناء يُقطبون شفاههم احتجاجاً على أوضاعهم، ونحن لا نملك المال لنُقدمه لهم».

لم يسِر المتظاهرون أمس على إيقاعٍ واحد، فبدا أنّ التظاهرة مُنقسمة إلى ثلاثة أقسام، وثلاثة «صف أول». في المقدمة، كان حاملو اللافتات وعدد من المشاركين الذين لم ينتظروا «صفارة الانطلاق»، خلفهم «صفّ أول» مكون من يساريين قدامى وشخصيات تدور في فلك قوى الثامن آذار. في الوسط، كان الأمين العام السابق لـ«الشيوعي» الدكتور خالد حدادة، جنباً إلى جنب مع ممثلي الاتحاد الوطني لنقابات العمال والمستخدمين في لبنان. أما «الصف الأول» الأخير، فجمع النائب أسامة سعد والأمين العام لـ«الشيوعي» حنا غريب، وغيرهما من المسؤولين. عدم تجمّع المشاركين بطريقة منظمة وتشتتهم يُصعّب تقدير عددهم. ولكن أكثر من شخص بين المنظمين يقول إنّ العدد كان أدنى من التظاهرة الحاشدة، التي نُظّمت في 20 كانون الثاني. المشهد يوحي بأنّ المنظمين ما زالوا غير قادرين على توسيع «بيكار» عملهم، ولا قدرة لهم على إقناع فئات لا تدور في فلكهم بجدوى المشاركة في الحركة الاحتجاجية. أغلبية المشاركين هم من «أهل البيت»، أي الجمهور التقليدي للأحزاب والقوى غير الحزبية. حتى في صفوف هؤلاء، لم يكن التحشيد في المناطق كبيراً هذه المرّة. بين المُنظمين من يُعيد السبب إلى «سوء الأحوال الجوية في اليومين الماضيين». آخرون يعتبرون أنّ رفع الأعلام الحزبية (رُفعت أعلام الحزب الشيوعي، والتنظيم الشعبي الناصري، وحزب الطليعة، والحزب السوري القومي الاجتماعي الذي شارك مناصرون له بقرار فردي وليس بتعميم حزبي) «يؤثّر سلباً على تجاوب الناس مع الحراك». وهناك رأي ثالث، يتحدّث عن المزاج الشعبي غير المُنظم، «الذي يميل نحو إعطاء الحكومة فرصة، ولا يعتبر نفسه معنياً بما يحصل».

يقول عضو اللجنة المركزية في «الشيوعي» عربي العنداري إنّه «نفهم أنّنا في معركة طويلة، والمسار تراكمي له علاقة بمخاطبة الناس، ومنسوب المواجهة سيتصاعد مع بدء الحكومة بالعمل، وينتشر مناطقياً وقطاعياً». التصويب يجب أن يكون «على مكامن الخطر، ومنع قوى السلطة من اتخاذ الخيارات المجحفة». من خلال التظاهرات والحراك المناطقي، «نُثبت أننا مُثابرون، مع الاستمرار في تنظيم اللقاءات والندوات والاجتماعات». من جهته، يتحدّث الناشط في المرصد الشعبي لمحاربة الفساد، واصف الحركة بدايةً عن أسلوب جديد في التنظيم يقيهم «الوقوع في أخطاء المرحلة السابقة، وهو لامركزية التحرك، والعمل على القطاعات، من أجل المراكمة وبناء شيء ثابت». يشرح الحركة أنّه «بلحظة تاريخية سيحصل الانفجار، كما جرى في الـ 2015. وهذا الأمر غير مرتبط بعملية ميكانيكية أو بإرادة أحد منا، بل بالمزاج الشعبي». من هنا، تظهر أهمية التظاهرات والوقفات الاحتجاجية في المناطق، «حتى يكون هناك أرضية صلبة ومجموعة قادرة على توجيه الحراك، فلا يكون عبثياً». المطلوب، بحسب الحركة، «أن لا يبقى الحراك فئوياً محصوراً بالمجموعات والأحزاب، بل يتحول إلى حراك شعبي».

تُعتبر التظاهرات إحدى وسائل التعبير عن حالة اعتراضية ما، والإضاءة حول مشكلة يُعانيها الناس. أتى «الحراك الشعبي للإنقاذ»، واضعاً ورقة اقتصادية تُشكّل خريطة طريق للمرحلة المقبلة، وبديلاً من السياسات المتبعة حالياً، داعياً الناس إلى المشاركة في التحركات المناطقية والتظاهرات المركزية. كان يُفترض أمام الأزمة الحقيقية التي يمرّ بها البلد، أن يشعر المواطنون من أبناء الفئات المهمشة والوسطى، بأنّهم معنيون مباشرةً بالمعركة. حتى الساعة، لم يتحقّق ذلك، وبقي تأثير الحراك في الشارع محدوداً. معظم المواطنين ضاقوا ذرعاً بعدم تأمين حقوقهم. يُعبرون عن ذلك في أحاديثهم وعلى وسائل التواصل الاجتماعي. على الرغم من ذلك، لا يزال الخطاب الطائفي هو المُسيطر، والأداة الأسهل لتجييش الناس. أما «الدولة»، فـ«مُطمئنة» إلى أنّ من يتظاهر سيعود إلى منزله بعد ساعة أو ساعتين، من دون أن يُشكّل تهديداً لها. من هنا، يُطرح السؤال عن جدوى هذه التظاهرات، وضرورة إيجاد أساليب مواجهة غير تقليدية، لتحقيق خرق ما. يردّ النائب أسامة سعد، أولاً بأنّ عنوان تظاهرة أمس هو «لا ثقة، وتحمل رسالة إدانة للطبقة الحاكمة، والاعتراض على المسّ بالحقوق والمكتسبات». ثانياً، «لا نسعى فقط للاحتجاج على الحكومة، بل يجب أن نعمل على تعديل الاستراتيجية، وفتح آفاق جديدة للوصول إلى أوسع شريحة، باتجاه إنشاء كتلة شعبية وطنية، وصولاً إلى الدولة المدنية ــــ العصرية». التظاهرات أو الاعتصامات «هي للضغط والمثابرة، والمطالبة بحقوق أساسية محجوبة عن الناس».

تعديل النظام الضريبي

ألقى رئيس رابطة موظفي الإدارة العامة السابق الدكتور محمود حيدر، كلمة باسم «الحراك الشعبي للإنقاذ»، مُعلناً أنّه «لا ثقة لحكومة سيدر لأنها تعني زيادة الضرائب غير المباشرة على اللبنانيين وتعني المزيد من إفقارهم». وتوجّه إلى السلطة الحاكمة، بالقول: «تريدون المال؟ المال معكم فادفعوه. أخضعوا الفوائد على الودائع المصرفية لضريبة تصاعدية تصل إلى 15% على كبار المودعين. ارفعوا الضريبة على الأرباح إلى 35%. اقتطعوا ثلث أرباح المصارف من الفوائد على ديونها لخزينة الدولة لخمس سنوات. أوقفوا كلّ أشكال الإعفاءات الضريبية. الغوا الفوائد على سندات الخزينة العائدة لمصرف لبنان. كافحوا التهرب الضريبي وأوقفوا مزاريب الهدر والفساد في المرافق العامة. استرجعوا أموال الهندسات المالية». وأشار حيدر إلى أنّ المدخل لتحقيق مطالب العمال والأجراء وسائر القطاعات، هو «التوحد حول مطلب تعديل النظام الضريبي، الذي يصب في إلغاء النمط الاقتصادي الريعي الذي أفقر اللبنانيين». أما المطلب الثاني، فهو «حماية البيئة وحماية صحة اللبنانيين».