شقير يتخلّى عن صفته الوزارية: استنهاض الاقتصاد بحملة تسويقية!

النقاش حول مقاربة أزمة النزوح السوري، بين عاملٍ على عودتهم الآمنة إلى بلدهم، ومُنفذ لسياسة «المجتمع الدولي» في إبقائهم في لبنان، مُستمر. وبعد البلبلة التي خلقها وزراء القوات اللبنانية في جلسة مجلس الوزراء الخميس، أيّد الكاردينال بشارة الراعي موقف الرئيس ميشال عون بعودة النازحين إلى سوريا.

أشار خبر منشور على موقع «الوكالة الوطنية للإعلام» إلى أنّ الرئيس ميشال عون استقبل أمس رئيس اتحاد غرف التجارة والصناعة والزراعة في لبنان (هو نفسه وزير الاتصالات) محمد شقير، ورئيس جمعية تجار بيروت نقولا شماس، ورئيس مجلس إدارة بنك لبنان والمهجر سعد الأزهري. زيارة الثلاثي تهدف إلى إطلاع عون على «مبادرة تهدف إلى المساهمة في تنشيط الدورة الاقتصادية ضمن الحملة الوطنية لاستنهاض الاقتصاد اللبناني». وتهدف المبادرة، كما جاء في الخبر الرسمي، إلى «استحداث فرص عمل في القطاعات الإنتاجية، وترتكز على الشؤون التجارية والسياحية والصناعية والقوى العاملة اللبنانية. وتُعيد «لبننة» الاقتصاد الوطني وتواكب البرامج الحكومية المطروحة وتتكامل معها في تناغم مُنتج بين القطاعين العام والخاص».

الخبر، بسطوره القليلة، ينطوي على الكثير من التناقضات. فشقير، الذي يُفترض به أن يتصرّف كوزير في الحكومة اللبنانية، يُقرّر أن يخلع عنه رداءه الوزاري، ويتوجه إلى القصر الجمهوري كمُمثل لأحد القطاعات الخاصة في البلد، للتسويق لأمرٍ يعنيهم بمعزل عن سياسة الدولة الاقتصادية. أما الشماس، وهو خير مُمثّل لفئة الواحد في المئة الأغنى بين اللبنانيين، خاض حرباً طبقية بوجه المواطنين، خلال التحركات الاحتجاجية في الـ2015، مواجهاً أي محاولة لتحسين ظروف الناس المعيشية، ومؤيداً لتعديل أو إلغاء سلسلة الرتب والرواتب. لا يهمّ شماس، سوى أن لا يكون «التجار في خطر»، ولا «يثور» سوى حين يشعر بأنّ القطاع الذي يُمثله بخطر. في حين أنّ سعد الأزهري، هو جزءٌ من «حزب المصارف الحاكم»، الذي يُحقّق أموالاً طائلة على حساب الخزينة العامة وذوي الدخل المتوسط والمحدود.

ثلاثي شقير – شماس – الأزهري، شركاء مصلحة في الحفاظ على النموذج الاقتصادي اللبناني المعتمد، الذي بلغ الذروة في الكشف عن مدى هشاشته وانعكاساته السلبية على مؤسسات البلد ومعيشة المواطنين فيه. يأتون اليوم لطرح مبادرة تهدف إلى «تعزيز التجارة الداخلية»، ما يعكس نظرة قاصرة لمكمن الخلل وأصل المشكلة في البلد. فالأزمة ليست في أنّ اللبنانيين لا يستهلكون في السوق المحلّية، بل في النموذج الاقتصادي المُعتمد، الذي يحصر النموّ بفئة مُعينة من الناس، ويعتاش في الأساس على الموارد المالية الخارجية، من دون إقامة أي اعتبار لكلّ قطاعات الإنتاج المحلّي.

وفي كلّ مناسبة، يُكرّر الرئيس عون ضرورة الانتقال من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد المُنتج، مُعتبراً أنّه من دون ذلك يبقى الاستقلال ناقصاً. فكيف يتوقع حُماة النموذج الاقتصادي من اللبنانيين أن يصرفوا مالهم في السوق المحلية، حيث تغيب المنافسة ويحلّ مكانها «الاحتكار» بين عددٍ قليل من الشركات الكبرى، التي تتحكم بالسوق والخدمات وأسعارها؟ كيف يريدون «استحداث فرص عمل في القطاعات الإنتاجية»، فيما تسجّل الفوائد أرقاماً عالية لا تتزحزح إلا صعوداً؟ وماذا تعني كلمة «لبننة الاقتصاد الوطني» في ظل كون الشريحة التي يتحدّث باسمها شقير مبنية حول «أعمال» هي كناية عن وكالات تمثيل لمصالح شركات كبرى حول العالم، يستورد لبنان منها بأكثر من 15 مليار دولار سنوياً؟ يبقى أن «الزبدة» في البيان تقبع في عبارته الأخيرة التي تتحدّث عن أنّ مبادرة الثلاثي تبغى التكامل مع البرامج الحكومية المطروحة «في تناغم مُنتج بين القطاعين العام والخاص». فالبلاد مقبلة على موجة من الخصخصة تحت عنوان «الشراكة بين القطاعين العام والخاص». وعلى هذا العنوان ينصب اهتمام أصحاب رؤوس الأموال.

«براءة اختراع» حملة استنهاض الاقتصاد الوطني، هي لشقير الذي قال لـ«الأخبار» إنّ الهدف من الزيارة إلى بعبدا، «كان الحصول على رعاية الرئيس على الحملة التي كانت الهيئات تُحضّر لها منذ بضعة أشهر. الفكرة كانت فكرتي بأن نُنفذ حملة تسويقية لتحفيز اللبنانيين على الإنفاق في لبنان وليس خارجه، بما ينعكس إيجاباً على حركة التجارة المحلية وعلى تعزيز العملة الوطنية». فبحسب رئيس اتحاد غرف التجارة والصناعة والزراعة، «تُشير الدراسات التي أجريناها، إلى أنّ اللبنانيين ينفقون في الخارج أكثر من 1.2 مليار دولار سنوياً، وهذا الأمر ينعكس سلباً على التجارة الداخلية وعلى السيولة المحلية».

أما عن مشاركته في الوفد الاقتصادي، وهو أصبح وزيراً في الحكومة يقبض راتبه من الضرائب التي يدفعها المواطنون، يقول شقير إنّ «الهيئات طوّرت الفكرة ووسّعتها. تمنّوا علي الحضور معهم في زيارة رئيس الجمهورية كواحد من الهيئات، لذا أبلغت الرئيس بأنّ حضوري مع الوفد ليس كوزير في الحكومة». أما نقولا شماس، فحضر «لأنّه الجهة المعنية»، في حين أنّ مشاركة رئيس مجلس إدارة بلوم بنك سعد الأزهري، «فتنسجم مع طبيعة المشروع التي تتضمن تسويقية تروّج للبنان، سيموّلها بلوم بنك». ربما فات شقير في حديثه عن تعزيز الاستهلاك الداخلي (وهو أمر إيجابي طبعاً) وتعزيز الليرة، أن غالبية ما ينفقه اللبنانيون في الداخل يتحوّل مباشرة إلى طلب على الدولار لتمويل الاستيراد، وأن الاقتصاد لا يُبنى بحملة دعائية!

بعيداً عن الملّف الاقتصادي، زار بعبدا أمس البطريرك الماروني الكاردينال بشارة الراعي، في رسالة دعم واضحة لرئيس الجمهورية، بعد النقاش المُحتدم خلال جلسة مجلس الوزراء يوم الخميس، بين عون من جهة، والقوات اللبنانية من جهة أخرى. فقال الراعي بعد اللقاء إنّ «موقفه (عون) في مجلس الوزراء كان مشرّفاً، وإذا لم يكن رئيس الجمهورية من يحمي الدستور، فلا أحد غيره باستطاعته ذلك». الدعم الثاني، قدّمه الراعي لموقف عون من أزمة النازحين السوريين، فدعا إلى «وجوب فصل الشأن السياسي عن مسألة عودة النازحين. إنّ ما قام به فخامة الرئيس ممتاز جداً. هو لم يتكلم في كيفية القيام بعلاقات أو بسياسة مع سوريا، بل أتى ليقول إنّ فوق رأسنا مليوناً و700 ألف نازح سوري، لا يمكن للبنان تحمل عبء كهذا، فتعالوا نعمل على حلّ هذا الموضوع».

وفي هذا الإطار، اعتبر نائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم أنّه «يوجد قرار دولي، ترعاه أميركا، يمنع عودة النازحين السوريين إلى سوريا ليقولوا للعالم أنّ سوريا غير مستقرة، وأنها لا يمكن أن تعود إلى واقعها الطبيعي والدليل وجود النازحين في لبنان». وأضاف أنّ الولايات المتحدة «بكلّ إجراءاتها في مسألة النازحين، وغيرها، تُخرّب على لبنان وتريد بقاءه بالحدّ الأدنى من القدرة التي لا تُمكّنه من أن يستقل بنفسه»، مُتهماً من يُعرقل عودة النازحين «بالتبعية للقرار الأميركي الذي يقول ممنوع العودة، أما التنظير فليس هناك أي مبرر أو دليل مقنع… فالدستور يتحدث عن علاقات مميزة مع سوريا، ومصلحة لبنان أن يعود النازحون إلى بلدهم. هل يحق للأوروبي أن يبني علاقات مع سوريا وأن تفتح الإمارات سفارة في سوريا ويحق للبحرين أن تقول أنّ سفارتها لم تغادر سوريا؟ كل هؤلاء يحق لهم ونحن لا يحق لنا؟». وجدّد قاسم القول إنّ «مصلحتنا الاقتصادية أن تفتح الطريق بيننا وبينهم (سوريا)، ومصلحتنا السياسية أن نكون معهم لمواجهة التحديات».