IMLebanon

خليج “مار جرجس ــ الخضر”: “التعايش” بالإكراه

كتبت رلى إبراهيم في صحيفة “الأخبار”:

“خليج مار جرجس” أم خليج «الزيتونة باي»؟ الخلاف يعود إلى سنوات قليلة، لكنه لم يظهر إلى العلن إلا منذ نحو أسبوعين، مع تعليق محافظ بيروت لافتات إرشادية تعيد إلى الخليج البيروتي تسميته التاريخية: خليج مار جرجس. خطوة المحافظ جديرة بالشكر، فهي تعيد إلى بيروت القليل من هويتها التاريخية، من خلال استعادة الأسماء – الذاكرة التي محتها «سوليدير»، حتى بات وسط المدينة يُعرف باسم شركة! مجلس بلدية بيروت الغارق – للعام الثالث على التوالي – في فشله، وجد في هذه الخطوة سبباً لتضييع وقت إضافي من ولايته. بعض أعضائه استنفروا، على خلفية مذهبية، وجهل تام بتاريخ مدينتهم، للحفاظ على الهوية التجارية («الاستيلائية» على الحيّز العام) للواجهة البحرية للمدينة. اعترضوا على التسمية، وقرروا ممارسة هواية «التعايش» الطائفي الكاذب، مطالبين بإضافة عبارة «الخضر عليه السلام» إلى عبارة «مار جرجس» على اللافتات! في المقابل، خرج المطران إلياس عودة لـ«يفتي» بأن اعتداءً على المسيحيين وقع يوم سُمِّي خليج القديس جاورجيوس، باسم «الزيتونة» المرتبط ببيوت الدعارة في بيروت ما قبل الحرب الأهلية. نشب سجال غير مباشر بين الطرفين، تحت رايات مذهبية، إحدى نتائجه رفع جدار يحول دون إعادة البحث في ما جرى للعاصمة بعد الحرب، يوم اعتُدي عليها، لا على طائفة بعينها من أبنائها. ثمة خليج اسمه، عبر التاريخ، خليج مار جرجس، قررت شركة تجارية محوه، بصورة همجية، لتستبدل به اسماً مسخاً (لا أحد يعلم لماذا يُكتب الاسم «زيتوناي باي»). وبصرف النظر عن نيات المحافظ، يُصرّ بعض أبناء الشركة التجارية على تشويه تاريخ المدينة التي يزعمون تمثيلها. الخليج اسمه «مار جرجس». أعيدوا إلى المدينة ذاكرتها وأسماءها!

منذ نحو أسبوعين، ظهرت لافتات إرشادية في الشوارع المؤدية إلى ما يُسمى مشروع الـ«زيتونة باي»، تحمل اسم «خليج مار جرجس». وُضعَت تلك اللافتات بقرار من محافظ بيروت زياد شبيب، من منطلق «إعادة تسمية هذا الخليج إلى ما كانت عليه سابقاً قبل أن يفتتح مشروع الزيتونة ويُعتمد اسمه»، وفق مصادر بلدية بيروت. طبعاً، أمر مماثل لا يمكن أن يمرّ مرور الكرام في عاصمة «التعايش المسيحي – الإسلامي». لذلك، هبّ بعض أعضاء المجلس البلدي المنتمين إلى الطائفة الإسلامية، بمن فيهم رئيس البلدية جمال عيتاني (نفى لاحقاً أي صلة له بالموضوع) بمساندة أحزابهم السياسية، للمطالبة بإسقاط التعايش على اللافتة، عبر إضافة عبارة «الخضر عليه السلام» إلى عبارة «مار جرجس»، ذلك لأن شخصية «مار جرجس عند المسيحيين هي نفسها شخصية الخضر عند المسلمين»، وبالتالي ما المانع من إجراء تعديل صغير على اللافتة الإرشادية كـ«بادرة حسن نية تساوي بين الطائفتين»؟
لم يدم الاقتراح طويلاً، وهو بالمناسبة حصل في الصالونات المغلقة، لا رسمياً. قطع متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذوكس المطران الياس عودة الطريق على «يلي بيتفلسفوا بالتساوي والسماح» كما سماهم في عظة له، طالباً من مستمعيه ألا يصدقوهم: «هول يلي سموه خليج الزيتونة بيعرفوا بيروت أكتر مني بس بيسموه الزيتونة حتى لو اسمه اسم قديس. هودي بيعملوا سياسيين على راسنا وعلى ضهرنا»، قبل أن يرفع نبرة صوته مهدداً: «إذا بيتغير هالاسم رح يشوفوا شو رح نعمل. اسمو خليج القديس جاورجيوس (…) لا خليج الدعارة، والذين يحيون بقرب الدعارة». هو تهديد قد يصل إلى حدّ إشعال معركة قد تبدأ هذه المرة من اللافتة. يبدو المطران جاداً في ما يقوله، إذ يضيف في العظة: «أصحابنا لي سموها الزيتونة ما بيعرفوا تاريخ بيروت أو رادوا يعملو هالشي نكاية بالمسيحيين. يغيروا اسم مار جرجس ليصير خليج الزيتونة»، مذكّراً بأن أحد شوارع العاصمة قبل الحرب، وكان يُدعى «الزيتونة»، كان معروفاً ببيوت الدعارة التي فيه.

يقول بعض الأعضاء إن السبب الرئيسي لعدم إنجاز أي مشروع هو أداء المحافظ

هكذا أعلنها المطران عودة حرباً، وما زالت ترددات كلامه تثير ردود الفعل داخل البلدية وخارجها. في البلدية، يتسلح البعض بالناحية القانونية التي تحصر صلاحية تسمية الشوارع بالمجلس البلدي، فيما يبرر مؤيدو قرار شبيب الموضوع من ناحية أن ما وُضِع لافتات إرشادية لا غير، وأن تسمية «خليج مار جرجس» تاريخية، وتظهر في وثائق القرن التاسع عشر، والمحافظ لم يصدر قراراً جديداً. وحتى الساعة، لا يزال القرار ينام على جمر، بانتظار الجولة الثانية من الحرب. وقد آثر المطران خلال العظة إعطاء المحافظ جرعة دعم معنوية كبيرة عبر الإشادة بقراره وحسن إدارته. فعلياً، إعادة أسماء شوارع بيروت التاريخية أمر جيّد ومطلوب، لكن السؤال هنا عن توقيت قرار المحافظ وعمّا حال دون وضعه هذه اللافتات عند إطلاق تسمية «الزيتونة باي» على الخليج منذ سنوات. هل تدخل هذه الخطوة ضمن الخطوات الأخيرة التي يقوم بها شبيب لإعادة ترميم صورته أمام الرأي العام، ولا سيما بعد فضيحة مجرور «إيدن باي ريزورت»، وقبلها التعديات على الشاطئ العام؟ فشبيب انطلق منذ فترة في جولة على الأحزاب، ولا سيما التيار الوطني الحر، من أجل توفير غطاء له بعد مغادرة وزير الداخلية نهاد المشنوق لوزارة الداخلية، علماً أن علاقة الرجلين لم تكن على ما يرام في الأيام الأخيرة من عمر الحكومة السابقة. وفي الأصل، عادة ما يتظلل محافظ مدينة بيروت بالمطران عودة، إذ لا يمكن أن يصل إلى ذلك المنصب من دون مباركته. لكن ذلك لا يغنيه عن ضرورة تحصين نفسه سياسياً. وآتت الزيارة للتيار الوطني الحر ثمارها، حيث طلب منه مسؤولون في التيار، على ما تقول مصادر عونية، التقيّد بالقانون في الفترة المقبلة لكسب غطائهم. وأوعزوا إليه الطلب من لجنة الأشغال العامة النيابية تحديد موعد له، لإطلاع النواب على كامل تفاصيل مشروع «الإيدن باي ريزورت» والإجابة عن أسئلتهم.

أسطوانة المحافظ ورئيس المجلس
الخلاف على الصلاحيات بين رئيس المجلس البلدي لبيروت ومحافظها ليس جديداً، بل يتكرر في كل ولاية. هي الأسطوانة ذاتها، تبدأ بانسجام تام لتتحول إلى عداوة بعد أشهر قليلة. ويصدف أن لبيروت وضعاً خاصاً، حيث تناط الصلاحيات التنفيذية بيد المحافظ، فيما يحظى المجلس البلدي بدور تقريري. من هذا المنطلق، يصبح بإمكان المحافظ عرقلة قرارات المجلس متى أراد، وتسهيل أموره حين يشاء أيضاً. طبعاً، المحافظ شبيب ورئيس المجلس البلدي جمال عيتاني لا يشذان عن تلك القاعدة البيروتية. بعض أعضاء المجلس المقربين من عيتاني يبررون عدم تنفيذ البلدية لأي مشروع في العام الماضي بـ«بطء المحافظ والاختلاف في طريقة العمل بينه وبين رئيس البلدية. يؤدي ذلك في معظم الأحيان إلى تأخير دفاتر الشروط الخاصة بالمشاريع، التي يطلب المحافظ من الاستشاريين أو المهندسين إعدادها، بحيث لا يخرج أي دفتر شروط من المحافظة قبل 6 أشهر، ليصل بعدها إلى المجلس البلدي حيث يخضع لتعديلات ويعاد إلى المحافظ للموافقة عليه.

تضارب الصلاحيات بين السلطتين التنفيذية والتقريرية، بات شمّاعة يعلّق عليها رئيس المجلس فشله

عندها يُدخل المحافظ تعديلات أخرى ويرسلها إلى المجلس مجدداً. وهكذا دواليك». بناءً على ما سبق، يتقاذف كل من عيتاني وشبيب المسؤولية عن عدم تنفيذ أي مشاريع في العاصمة، سواء كانت جدية أو «تافهة». مشروع إنارة المدينة بمصابيح «LED» مثال على ذلك: «يرى المحافظ أنه يجب تجزئة المشروع إلى عدة أقسام، وإعداد عدة مناقصات، فيما يتمسك رئيس البلدية بتلزيم المشروع لمتعهد واحد».
صلاحيات محافظ بيروت الواسعة باتت شماعة يعلّق عليها رئيس البلدية كسل مجلسه وفشله في إنجاز أي مشروع، ولو صغيراً في العاصمة. لكن لو كان القرار بالعمل متخذاً حقيقة، يصعب على شبيب عرقلته. ذلك لأن عرّاب الرجلين حتى الأمس القريب ليس إلا رئيس الحكومة سعد الحريري. غير أن خطة المجلس البلدي تقرأ منذ عامه الأول الذي كان مليئاً بهدر الأموال والوعود الفارغة. فبلدية بيروت بالنسبة إلى من ائتمنهم البيارتة عليها، لم تكن يوما سوى صندوق مالي كبير تُغرف منها الأموال لبعض المحظيين، ولتمويل الحملات الانتخابية.

أعضاء المجلس… كالرئيس والمحافظ
لا تختلف العلاقة بين أعضاء المجلس البلدي عن تلك التي تجمع رئيس المجلس بالمحافظ. يتعامل هؤلاء مع عقود التلزيم والمشاريع المطروحة وفق طريقة الكيل بمكيالين. أبرز مثال على ذلك ما حصل خلال تلزيم تزيين العاصمة وإقامة مهرجان ميلادي فيها وحفلة رأس السنة نهاية العام الماضي. يومها صدر القرار الأول بمنح جمعية Beasts مليوني دولار مقابل هذه الخدمات. اعترض بعض الأعضاء على عدم إجراء مناقصة، ونجحوا في وقف القرار، ليتبين أن اعتراضهم ليس إلا على حصر المبلغ بجهة واحدة أو بطريقة أوضح تنفيع «جماعتهم»، لا «جماعتنا». لذلك قُسِّم المليونان ما بين الجمعية ورئيس غرفة التجارة والصناعة محمد شقير (وزير الاتصالات الحالي) الذي منحه «المعارضون» جزءاً من المبلغ، لكونه «جهة موثوقة»، من دون إجراء أي مناقصة! يومها سرّب الفريق الأول عقد شقير بعد تسريب الفريق الثاني عقد رئيس الجمعية رشا جرمقاني. تكررت الحادثة عند تجديد العقد لشركة noise أخيراً مقابل تقديم خدمات إعلانية من دون إجراء أي مناقصة. وجد بعض الأعضاء الفرصة مناسبة لتسريب القرار لـ«ضرب جبهة» خصومهم المفترضين في المجلس وتسجيل نقطة إضافية.