IMLebanon

وصيّة صفير.. لا أحد يملي علينا موقفًا!

كتب عقل العويط في جريدة “النهار”: 

مات السادس والسبعون في ليل لبنان البهيم. حسنًا. فليهنأ بموته الصغارُ الذين يهلّلون الآن في الداخل وفي الخارج، والذين كان نصرالله بطرس صفير حصرمًا في عيونهم، وشوكةً في الخواصر والحلوق والزلاعيم. لم يكن جسد الرجل أعجوبة، ولا أسطورة، ولا أرزةً، ولا صخرةً في جبل لبنان. كان محض جسدٍ فانٍ، وكان ينبغي لهذا الجسد الفاني أن يفنى، وإنْ على أنفةٍ ومعاندةٍ وصلابةٍ وكَبَر. كان لا بدّ لهذا الجسد من أن يستريح. والآن، في عزّ هذا الليل اللبنانيّ البهيم، بات في إمكان المرء أن يكتب: فليذهب جسد نصرالله بطرس صفير إلى حيث يجب أن يذهب.

فليتولّ الموتى، على ما جاء في الإنجيل، أحبارًا أكانوا أم علمانيين أم أهل أرضٍ وسلطة، دفن هذا الجسد. فقط، في وسع الخالدين فحسب وفقط، أن يشمّروا عن زنودهم وأفكارهم، وأن ينصرفوا إلى مواصلة أشغال الخلود التي دعاهم ابن ريفون إلى امتشاقها، أخذًا عن وصيّةٍ، وصيّة الحريّة، هي بنت الآن والأمس والغد وبعد غدٍ وإلى الأبد.

لا أمدح الرجل، ولا أرثيه. فقد كان يشوبه، ما يشوب بني البشر. فهو، مثلًا، لم يكن معصومًا من الخطأ البشريّ الدنيويّ. كما لم يكن طليعيًّا في مسائل التجديد والإصلاح الدينيّ، ولا في العمل المؤسّسيّ، على مستوى كرسيّه. أعرف هذا معرفةً شبه يقينيّة، أنا المتملّص من كلّ ربقةٍ أو قيدٍ أو ارتباطٍ، لا باعتباري ذا شأنٍ، بل بصفتي المواطنيّة المدنيّة العلمانيّة، القريب جدًّا والمقرّب جدًّا من ثلاثةٍ أكنّ لهم حبًّا حرًّا، الملفانَين العلاّمتَين يواكيم مبارك وميشال الحايك، وعمّي، شقيق أبي، الذي كان موضع سرّه والصابر معه على المحن ومتطلّبات الكرامة.

فضيلته القصوى التي تستهويني، أنّه كان يحمل على منكبَيه، بلا وجلٍ، وبدون ادّعاءٍ أو بهورة، مسؤوليّة أن يشهد، وأن يحفظ إرثًا من الحريّة عمرُهُ ينوف على ألفٍ وخمسمئة عام. فقد كان نصرالله بطرس صفير هذا، صنديدًا، جبّيرًا، عنيدًا، مقدامًا، صلبًا، شجاعًا، بطريركًا حرًّا في الزمن المهول الصعب. ففي بلادٍ كهذه، بات كثرٌ من أسيادها وأهلها موظفّين، أجراء، عبيدًا، أزلامًا، خانعين، مرتزقة، مرتبطين، وبات قلائل منهم يعشقون الحريّة، كان ينبغي لكلّ حرٍّ أن يرتضي حريّة نصراللله بطرس صفير تلك إنجيلًا – حريّته فحسب -، وأن يدعو إلى ارتضائها إنجيلًا بهذه الصفة، وبهذا المعنى، ولهذه الغاية؛ إنجيلًا يُنادى به في المكمل، في صنّين، في الباروك، في حرمون، على رؤوس الجبال، في الوعر، في المغاور، في قنّوبين، في الأودية السحيقة، في السهول والمنبسطات، وعلى فقش الموج، والهدير الصاخب. أن تُرتضى حريّة نصرالله صفير إنجيلًا، بعدما شهدنا تمريغ الأناجيل، وسوى الأناجيل، في المستنقعات.

أن يكون المرء نصرالله بطرس صفير، بطريركًا حرًّا، وأن يقول لا للذهاب إلى دمشق، وإنْ لملاقاة سيّده الجالس على أسقفيّة روما، ثمّ يقول لا للإملاء والانحناء، وإن تحت التهديد بالقتل، والتركيع، والتمريغ، والاستهانة، والإهانة، فهذا ممًا لا يُنسى له، بل يُضاف في السجلّ، ويُكتَب، ويتراكم على مدى الأزمنة، ليتدرّب الأحرار، والأحبار، وليُزاد في ميزان الحريّة، في هذا الشرق العبد الكئيب.

لا أمدح الرجل، ولا أرثيه، إلاّ من حيث اعتباره ضوءًا حرًّا، سيّدًا، مستقلًّا، ذا كرامةٍ وسؤدد، حين في الليلة اللبنانيّة الظلماء المتواصلة فصولًا وعهودًا وحقبات، كان البدر يُفتقد، وهو البدر الذي لا يزال يُفتقَد، في ما بين الأحبار والقادة والرؤساء والمسؤولين وأهل السلطات والأساطين والسادة والشعب العظيم.

في سوى ذلك، في سوى الحريّة، لا أمدح نصرالله بطرس صفير، ولا أرثيه.

لطالما كنتُ أقصده في السرّ، في الخلوات، في الدغشة، في النعاس، في ما بعيد الفجر بقليل، بعد ارفضاض الأوقات العلنيّة الظاهرة، لأقوم بما ينبغي لي أن أتولّاه، وأن أقوم به، ولأشرب صلابة عينيه، والعزم، والشرر، والصمت المُحجِم عن كلّ شطط، والتحفّظ الذكيّ الماكر، وشبه الابتسامة، أو الابتسامة كلّها، بل الضحكة الملأى، والمشية الواثقة. ولطالما كنتُ أذهب إليه من تلقائي، أو مُرسًلًا، بتواضع التلقاء، وبتواضع المُرسَلين، وامحائهم، فقط من أجل الحريّة، وفقط من أجل لبنان. فقط وحسب من أجل الحريّة والدولة في لبنان.

أختم مقالي المتواضع هذا، بالتوقّف عند كلمة “الحقير”، وهي صفةٌ ملازمةٌ لاسم البطريرك المارونيّ، ولشخصه، ولمقامه، كان يمهر بها توقيعه في كلٍّ بيانٍ جلل يصدر “عن كرسيّنا في بكركي”، أو “عن كرسيّنا في الديمان”، أو كما كان أسلافه يمهرون تواقيعهم “عن كرسيّنا في كفرحي”، أو “عن كرسيّنا في يانوح”، أو “عن كرسيّنا في قنّوبين”. وإذا كانت الكلمة تنطوي في معناها القاموسي على الازدراء والتحقير والتصغير، فإنّما دلالتها الروحيّة البطريركيّة، تندرج في سياق الإعراب عن الخدمة والتواضع والامحاء أمام الله والناس، كلّ الناس.

“خادم خدّام المسيح” صفة ملازمة للبابا أسقف روما، كما “الحقير” صفةٌ كانت ملازمة للبطاركة الموارنة، وأيضًا لمار نصرالله بطرس صفير، البطريرك السادس والسبعين على كرسيّ أنطاكيا وسائر المشرق للموارنة.

لكنّ “الحقير” مار نصرالله بطرس صفير هذا، لم يكن حقيرًا. هكذا، حسبي أن أقول إنّ في وسع المنشغلين بالحريّة، وبمقارعة الحقارة، أن يظلّوا يمتشقون حريّة نصرالله بطرس صفير من أجل الحفاظ على الإرث، ومن أجل المستقبل والحرية. هذه وصيّته.