IMLebanon

مناهجنا في عيد التحرير: «نزاع مع إسرائيل» أم «حرب مع العدو»؟

كتب فضل الموسوي في “الاخبار”:

 

في حلقة نقاشية نظمها المركز التربوي للبحوث والإنماء العام 2016 ـ 2017 لدراسة ملامح التلميذ اللبناني، اقترح المنظمون أهمية أن يكون التلميذ مقاوماً للضغوط، باعتبارها سمة مرتبطة بصحته النفسيّة. «حسناً لماذا لا نوسّعها قليلاً وتصبح السمة مقاوماً بشكل عام، وليس فقط للضغوط»، كانت هذه العبارة مدعاة قهقهة بعض المشاركين في الحلقة على ما اعتبروه استغلالاً للموقف، مطالبين بأن «نحكي تربية»!

التربية في لبنان معزولة عن المجتمع الى درجة يعدّ فيها الحديث عن مفهوم المقاومة حديثاً سياسياً وليس تربوياً. لا عتب في ذلك على بعض التربويين التقنيين، فـ«المقاومة» كمفهوم تربوي لم ترد في الأدلة المرجعية التي يعتمدون عليها في بناء ثقافتهم التربويّة. وهي غير موجودة في وثيقة «مهارات القرن الحادي والعشرين»، ولا في وثيقة «المعايير standards»، ولا في وثائق منظمة اليونسكو ودراساتها الممولة من البنك الدولي، وهي مفهوم لم يرد سابقاً في الأبحاث والدراسات التربويّة.

أكثر من ذلك، لا يزال البعض يعتبر أنّ مفهوم «المقاومة» طرح فئوي. وهذا البعض يتقن بامتياز العمل بشكل حيادي! كمثل الدعوة إلى فصل التربية عن لوثة السياسة البغيضة التي «فتّتت اللبنانيين» بحسب تعبير إحدى الزميلات، «وخلينا نحكي تربية وحب وأطفال، بكّير عليهم هؤلاء الطيور نفوتهم بهيك موضوعات وعنف».

هذا الخطاب الساذج يسيّر شؤوننا التربوية ويشارك فيه جيش من التقنيين الحياديين اللاهثين وراء فرصة للعمل في أحد المشاريع المموّلة خارجياً لتطوير المناهج وإعداد البرامج التربويّة.

كل القيم التي تكثّفت في قصص صبر المقاومين وبطولاتهم لا ترقى حضاريّاً وثقافيّاً وتربوياً إلى مستوى قصص كتابي اللغة العربية والإنكليزيّة التي تعدّ وفق معايير اللاعنف وحل النزاعات والتعدديّة، والاختلاف، والسلام والمدنيّة وغيرها من المفاهيم الغريبة العجيبة التي يفرضها الممولون للمناهج.

غريب أن لا يسمع البعض دوي القصف المفاهيمي الذي يدكّ حصوننا التربويّة، ومؤلم أن يتعامى البعض عن هذا «اللؤم» في المصطلحات، فهل نحن اليوم في «نزاع مع إسرائيل» أم «حرب مع العدو»؟ وهل كلمة «اغتصاب فلسطين» باتت ثقيلة على مشاعر أطفالنا البريئة، فيما نظراؤهم في المقلب الآخر يرسلون لهم الصواريخ؟ بكل هذه الوقاحة والفجور يراد لنا أن نصدّق براءة هذه المصطلحات، والمشاريع وحياديّتها.

هل مسموح اليوم أن يمر يوم التحرير خفوراً على المستوى التربوي ومن دون أي نشاط وطني عابر لحواجز المدارس الطائفيّة/السياسيّة؟ هل مسموح أن يعرف أطفالنا كل أنواع الحيوانات وتفوتهم معرفة الذئب المتربص بهم خلف الحدود؟ هل يجوز أن لا يعرف أطفالنا قصة إخوتهم الذين ناموا بأمان في قانا، ثم عرجوا إلى السماء؟ هل يجوز بعد 19 سنة على التحرير، أن نلتقي شباباً لبنانيين درسوا الجغرافيا لكنهم لا يعرفون حدود الجنوب المحرر؟ هل يصح أن يدرس أولادنا تاريخ كل الأمم، ولا يدرسون تاريخ وطنهم الحديث وانتصاراته المتلاحقة على العدو الإسرائيلي؟ أليس التحرير تحت سقف القوانين والدستور والبيان الوزاري؟
بعد 19 عاماً نحن المواطنين الذين نؤمن بالمقاومة ثقافةً ومنهجاً في حياتنا، وبالعدو الإسرائيلي عدواً دائماً متربصاً بلبنان، مطالبون بتشكيل جبهة تربويّة متلازمة لعمل منهجي كما يأتي:

– محور تخطيط المناهج وتشريعها: أن يكون ملمح التلميذ المقاوم من الملامح الأساسيّة للمتعلّم اللبناني، وأن تشتقّ من هذا الملمح مجموعة من الكفايات المستعرضة في المواد الدراسية، فتحمل مواردها في تاريخ المقاومة وتطوير تقنياتها وفي جغرافيا الانتصار، وفي الاقتصاد المقاوم، وفي المجتمع المقاوم.
– محور الأكاديميين والباحثين: إنتاج بحثي وأكاديمي لصياغة إطار نظري مرجعي لمفهوم المقاومة بالمعنى الثقافي والتربوي والاجتماعي الأوسع، أي التحرّر من القيود وأدوات التبعيّة والاستعمار والاستلاب الثقافي والتمسك بمواطن القوّة، وتطوير أدوات الانتصار.

– محور الجمعيّات والنقابات التربويّة والتجمّعات الأهليّة: اقتراح وتنفيذ برامج ومشاريع وأنشطة منهجيّة رسميّة من خلال بروتوكولات التعاون مع الجهات الرسميّة من جهة، ومع المؤسسات والجمعيّات التربويّة العابرة للطوائف من جهة أخرى.

– محور وسائل الإعلام والناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي: التفاعل مع المحاور الثلاثة السابقة في محاولة لتشكيل رأي عام مساند وداعم، ومقاوم لكل أشكل التطبيع التربوي أو الاستهتاربمنجزات المقاومة في لبنان..

إن بلورة حملة وطنية في هذا الاتجاه، تسهم في صياغة سياسات تربويّة جديدة، وإشاعة مناخات ثقافيّة مقاومة، يتنفس من خلالها طلابنا مفاهيم الكرامة الوطنيّة والاستقلال، والذود عن الوطن، وهي مفاهيم يستحيل أن نجدها في المشاريع المموّلة خارجياً، والتي لا نملك غيرها في كل حراكنا التربوي الرسمي.