IMLebanon

جنبلاط والجسر

كتب نجم الهاشم في “نداء الوطن”:

 

كانت الساعة الثانية والنصف تقريباً في 14 شباط 2005. كان يوم الاثنين. شمس شباط تحاول أن تزرع بعض الدفء. ولكن غيمة التفجير الكبير ونيرانه غطت على شمس ذلك النهار. ساعتان ونصف مرّتا على اغتيال الرئيس رفيق الحريري. تأكد الخبر. نقلت الجثة الى مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت مع جثث كثيرة أخرى ومع عدد من الجرحى. تحوّل المستشفى والباحات الخارجية والمداخل والممرات فيه الى ما يشبه خلية النحل الضائع الذي يبحث عن خبر. عن سرّ. عن أمل. ولكن كل ما كان يوجد هناك خيبة أمل.
بين هذا الحشد المتصدع على أبواب المستشفى الذي احتضن جثث شهداء تفجير 14 شباط تجمّع سياسيون كثيرون. جاؤوا يتأكدون. كانوا يتوقعون أن يحصل مثل هذا الأمر منذ محاولة اغتيال مروان حماده في أول تشرين الأول 2004. معظمهم كان محبطاً وخائفاً. مشهد الموت كان مرعباً في أرجاء المستشفى. امتد من وسط بيروت من حفرة السان جورج الى كل أرجاء لبنان.

تلك الساعة التقى أمام مدخل المستشفى إثنان، وليد جنبلاط وفارس سعيد. كان الاعتقاد السائد أن الموت سيلف لبنان كله بعتمته ولن يرتفع صوت معارض بعد اليوم. ولكن لم تكن تلك النهاية بل البداية.
ساد شعور في تلك اللحظة أن كل شيء انهار. بيت الحريري كان وضعهم مأسوياً. ما في حدا. أولاده غائبون. زوجته نازك مصدومة ومذهولة. شقيقته بهية مضطربة وخائفة ومذعورة. سأل الدكتور فارس سعيد وليد جنبلاط: شو؟ قال: قتلوه. رد سعيد: شو بدك نعمل؟ قال جنبلاط: شو رأيك؟ أجاب سعيد: أنا طالع على بكركي ورح إنعيه من فوق كشهيد كل لبنان وشهيد استقلال لبنان. وسأربط اغتياله ببشير الجميل وبكمال جنبلاط وبكل الذين اغتيلوا في ظروف مشابهة. وسأله: إنت شو رح تعمل؟
قال: أنا سأعمل اجتماعاً للمعارضة في قريطم.

علق سعيد: في منزل الرئيس رفيق الحريري؟
أكد جنبلاط: في منزل الرئيس الحريري. ولكن بلّغني إذا كان البطريرك صفير سيرسل مندوباً.
ذهب وليد جنبلاط الى قريطم وتوجه سعيد الى بكركي، وكان برفقته سيمون كرم وجو باحوط. كان الخبر السيئ سبقهم الى الصرح البطريركي. من فوق كان يمكن متابعة مشهد بيروت الحزينة التي تلفها الغيمة السوداء. استقبلهم البطريرك صفير. كان حزيناً ولكنه كان متماسكاً. كان يكنّ احتراماً كبيراً للرئيس الشهيد وقد التقاه أكثر من مرة وكان ثمة انسجام بينهما منذ زيارة البطريرك صفير الى الجبل في العام 2001. كان سيّد بكركي يشعر من دون أن يفصح مباشرة أن ضربة كبيرة وجهت الى الحركة الاستقلالية الاعتراضية الجديدة التي أسس لها منذ نداء المطارنة الموارنة في 4 أيلول من العام 2000. وكان يعرف أن المسار الذي بدأ منذ ذلك العام يجب أن يتم. وأن ما حصل في “لقاء قرنة شهوان” ومعه من مدّ جسور الى الطرف اللبناني الآخر يجب أن يستمر وأن الجسر يجب أن يبقى قائماً وأن تتم عملية حمايته من الانهيار وعمليات القصف التي كان يتعرض لها. ولذلك كان يجب أن يشكل اغتيال رفيق الحريري جسراً آخر لهذا الالتقاء. وكانت بكركي حاضرة لتقف الموقف الصح وتدخل على الاتجاه الصح وعلى الطريق الصح وأن تعيد بناء هذا الجسر.

نقل سعيد أجواء الحدث الأمني والسياسي الى البطريرك صفير الذي لم يكن غريباً عنها. كان يدرك في حدسه الخطر الكبير الذي يتهدد لبنان وأن اغتيال الرئيس الحريري اغتيال للبنان كله وللدور الذي كانت تلعبه بكركي في ظله وببركته ورعايته. منذ تأسيس قرنة شهوان كان يدرك مع هذا الحدس أنه سيؤسس للحظة التاريخية التي ستنقذ لبنان وستعيد إليه حريته وسيادته، ولذلك لم يكن عنده أي تردد في ركوب موجة الرد على الاغتيال باغتيال الأهداف التي بنيت على إلغاء رفيق الحريري من الخريطة السياسية.
قال له سعيد: سيدّنا القصة هيك هيك. التقيت وليد جنبلاط وقلت له إنني سآتي إليك وسأنعي رفيق الحريري شهيدًا للبنان من هذا الصرح وهو سيذهب الى قريطم لنعقد اجتماعاً للمعارضة. أنت تعرف من دون شك أهمية هذه اللحظة التاريخية وأن اللبنانيين ينتظرون هذا الموقف من بكركي. أتمنى عليك أن ترسل مطراناً يمثلك لحضور لقاء المعارضة. لبنان يستأهل هذه المشاركة. والحدث يستوجب أن تكون بكركي حاضرة. ورفيق الحريري شهيدنا نحن أيضاً. شهيد لبنان الواحد.
لم يتردد البطريرك صفير. ربما هو فكر أيضاً بهذا الأمر قبل أن يطرحه عليه سعيد الذي اقترح اسم المطران يوسف بشارة لأنه رمز قرنة شهوان. ولكن البطريرك صفير قال له: لا يا ابني. بتروح بتمرق على المطران بولس مطر لأنو مطران بيروت. بتروح لعندو من قبلي أنا وبتروح إنت واياه.
الإحباط أمام الجامعة الأميركية محاه البطريرك صفير بلحظة. من أمام الصرح البطريركي نعى سعيد الرئيس الحريري “الذي التحق بقافلة شهداء لبنان” وربط اغتياله باغتيال المفتي حسن خالد وكمال جنبلاط وبشير الجميل ورينيه معوّض وكل الاستقلاليين الكبار.

كان المطلوب أيضا أن يكون الرد الكبير على الاغتيال الكبير من منزل الرئيس رفيق الحريري في قريطم حيث توجه جنبلاط وحيث انعقد اللقاء الشهير للمعارضة بكل وجوهها التي تعالت على ضخامة الحدث وفداحته لتكون بمستوى رد الفعل عليه. في ذلك اللقاء تم اتهام النظام الأمني اللبناني السوري بالاغتيال وطلبت المعارضة ألا تشارك دولة الوصاية في تشييع الرئيس رفيق الحريري لأنه ليس مأتماً رسمياً. إنما سيكون مأتماً شعبياً.
في اليوم التالي بدأت طلائع التظاهرات الشعبية تمهّد للمشهد الكبير. متظاهرون يتدفقون من بيروت الغربية يهتفون: لا إله إلا الله وبشار عدو الله. من بيروت الشرقية كانت تصل التظاهرات الشعبية الأخرى. أعلام “القوات” و”الكتائب” وأعلام لبنان مرفوعة. والهتافات مسموعة. سيادة. حرية. استقلال. صور رفيق الحريري والأعلام اللبنانية وحّدت المتظاهرين. هذا الحشد أطلق الانتفاضة ومهّد لمشهد أكبر في 14 آذار.

قبل هذا المشهد كان مشهد زيارة البطريرك صفير إلى الجبل في آب 2001. صحيح أن البطريرك كانت له محطات كثيرة في جولته على مدى يومين ولكن العنوان الكبير لها كان في المختارة في المشهد الذي كرس المصالحة الكبرى إلى جانب رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي وليد جنبلاط. لم يكن توقف البطريرك صفير في قصر خلده ولقاء الأمير طلال أرسلان إلا عبوراً عابراً بعدما اعترض على إمكان تجاوزه معتبراً أن هذا التجاوز يكرس زعامة جنبلاط ويلغي دور قصر خلده. ولكن البطريرك صفير الخبير في قياس التوازنات تجاوز هذا الإعتراض ونزل عند رغبة “ابن أرسلان” وميّل على خلده. ولكن بعد 18 عاماً على تلك الجولة وتلك المصالحة لا تنشر إلا صورة البطريرك صفير والوزير جنبلاط في المختارة.
في 4 أيلول 2000 بعدما أطلق مجلس المطارنة الموارنة نداءه الشهير من بكركي الذي طالب فيه بأنه آن الأوان لسحب الجيش السوري من لبنان لاقاه وليد جنبلاط في مجلس النواب. هذا اللقاء في الموقف الذي سبق اللقاء على الأرض استدعى تهديداً مباشراً لجنبلاط وكان مؤشراً لطريقة النظام السوري في التعاطي معه. ولكنه لم يتراجع. بعد غزوة 11 أيلول 2001 في الولايات المتحدة، اختار الإنكفاء بانتظار ما ستسفر عنه “الغزوة الأميركية” على المنطقة من أفغانستان إلى العراق وصولاً إلى الحدود مع سوريا. بعد عامين وعند وفاة الشيخ أبو حسن عارف حلاوي في الباروك اتصل جنبلاط بفارس سعيد طالباً دعوة السيدة ستريدا جعجع للمشاركة في التشييع. وهذا ما حصل. بعد ثلاثة أعوام كان يقصد بيت سمير جعجع في يسوع الملك تضامناً مع مطلب العفو عنه وإطلاق سراحه.

في شباط 1998 استبق وليد جنبلاط التطورات وقرر أن يغامر. كان سمير جعجع لا يزال يخضع للمحاكمة وكانت صدرت في حقه أحكام بالسجن المؤبد عندما وافق جنبلاط أن يدلي بحديث إلى مجلة “النجوى-المسيرة” ويعلن فيه “انفتاحي على المسيحيين استراتيجي ولا أناور لأننا كلنا بالهوا سوا”. في ذلك الحديث أعلن جنبلاط أيضا أنه قررالخروج من الخندق الذي وضع فيه من أجل الحوار مع أكثر من فريق. “لقد استشرت قناعتي وقررت”. واستذكر لقاء كمال جنبلاط وبشير الجميل ” ألدّ أعدائه” في العام 1976 قبل دخول جيش النظام السوري إلى لبنان، مُقرا أنه لم يكن من المنتظر أن يحدث ذلك اللقاء انقلاباً بسبب الظروف الدولية والإقليمية وأن كمال جنبلاط كان يغامر في تلك المرحلة، ولذلك اعتبر جنبلاط “أن السياسة تحتاج إلى “شوية” خيال و”شوية” مغامرة وأنا أغامر الآن”، مدركاً أنه يعرف لمن يتحدث وأن “الدكتيلو” سيبدأ بتخوينه وأنهم سيعتبرون حديثه مع “المسيرة” مؤامرة كبرى.

في 14 آذار 2006 كان وليد جنبلاط يقف في ساحة الشهداء في وسط بيروت إلى جانب سمير جعجع وسعد الحريري وقيادات 14 آذار ليطلق خطاباً نارياً ضد بشار الأسد. ولكن عاماً بعد آخر بدأت 14 آذار تخرج من الساحة إلى القاعات المقفلة قبل أن تنحل وتذوب لتبقى الذكرى مشروع ولادة جديدة تنتظر معجزة جديدة لتتحقق من جديد. كانت تلك الحركة تواجه موجة واسعة من الإغتيالات وهي تقاتل من اجل تشكيل المحكمة الدولية الخاصة باغتيال الرئيس رفيق الحريري.
في 12 تموز 2006 دفع لبنان غاليا ثمن حرب اختار حزب الله توقيتها ضد العدو الإسرائيلي وقد انتهت بوقف للنار وبالقرار 1701 الذي أكد دعم السيادة اللبنانية واستكمال تطبيق القرار 1559 الداعي إلى سحب القوات السورية من لبنان وحل الميليشيات وزيادة عدد القوات الدولية في الجنوب وتوسيع دائرة انتشار الجيش اللبناني. ولكنها انتهت أيضا بحملة تخوين شنها الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله ضد قيادات 14 آذار وحكومة الرئيس فؤاد السنيورة. وترجمت هذه الحملة عملياً بحصار السراي الحكومي الذي لم يتم فكه إلا بعد أحداث 7 أيار 2008.

في 22 تشرين الأول 2007 غادر رئيس عهد الوصاية أميل لحود قصر بعبدا مسلماً الرئاسة لفراغ طويل. في ظل ذلك الفراغ اعتبر “حزب الله” أن السلاح هو الذي يدافع عن السلاح وخاض حربه الداخلية ضد بيروت والجبل وحاصر قصر قريطم والرئيس سعد الحريري ودارة كليمنصو حيث كان وليد جنبلاط. انتهت المواجهة باتفاق الدوحة وبانتخاب قائد الجيش ميشال سليمان رئيساً للجمهورية. ولكن منذ تلك المرحلة بدأت عملية التراجع الكبير التي اعتمدها وليد جنبلاط منحنياً أمام العاصفة الأمنية التي أسقط فيها “حزب الله” الخطوط الحمر.

في 4 آب 2009 أعلن جنبلاط خروجه من 14 آذار إلى الخط الوسطي ولكن هذا الأمر لم يكن كافياً ليشكل له خط انتشار ثابتاً في السياسة واللعبة الداخلية. اعتبر “حزب الله” أن من المهم أن يتم إسقاط أي إمكان للمواجهة عند وليد جنبلاط. كثيرون كانوا اعتبروا أن اغتيال الرئيس الحريري كان ناجحاً ولكنه في الوقت نفسه كان خياراً خاطئاً لأنه لو تم اغتيال وليد جنبلاط لما كانت قامت حركة 14 آذار.

بعدما تمت إقالة حكومة الرئيس سعد الحريري من الرابية في كانون الثاني 2011 تمت الدعوة إلى استشارات نيابية كادت تعيد تسمية الحريري ولكن ظهور القمصان السود في بيروت نقل الإستشارات إلى مكان آخر لينحني جنبلاط مرة جديدة ويوافق على تسمية نجيب ميقاتي. بين الإقالة وقبل التشكيل كانت بدأت الحرب في سوريا التي فرضت على “حزب الله” أن ينتقل إلى القتال هناك دفاعاً عن النظام السوري. هذا الأمر لم يمنع وليد جنبلاط وقيادات من 14 آذار من التأييد العلني للثورة السورية وللمطالبة بإنهاء حكم النظام. وفي عز تلك المرحلة أعلن جنبلاط أنه يجلس فوق الجسر ينتظر مرور جثة عدوه. تلك الإقامة طالت ولا يزال معها جنبلاط منتظراً. في ظل ذلك الإنتظار اعتقد “حزب الله” أن جنبلاط سيبقى منكفئاً ومتردداً في خوض اي مواجهة وأن بالإمكان مواجهته واختراق ساحته.

وفق هذه القاعدة تمت انتخابات أيار 2018. كان جنبلاط يدرك أنه سيخسر عدداً من المقاعد ولكنه لم يمانع إيماناً منه بأن الزعامة التي يمثلها في الجبل لا تقاس بعدد المقاعد في المجلس النيابي ولا بعدد الوزراء في الحكومة. لقد سبق له أن ترك مقعداً شاغراً في عاليه للأمير طلال أرسلان في انتخابات ربيع 2009 ليحفظ له مكاناً في التمثيل الدرزي ولكنه لم يحسب أبداً أن هذا التمثيل قد يتحول إلى موقع متقدم لقتاله داخل معقله في الجبل.
وقد أدرك وليد جنبلاط أن لا حدود لمحاولة اختراقه. انتخابات 2018 النيابية بعد انتخاب العماد عون رئيساً للجمهورية في 31 تشرين الأول 2016، كانت مؤشراً لتحديد حجم كتل “القوات اللبنانية” و”تيار المستقبل” والحزب “التقدمي الإشتراكي”. الهدف كان تحديد الأحجام أيضاً في تشكيل الحكومة التي كان من المسلم به أن الرئيس سعد الحريري سيترأسها. خاض وليد جنبلاط قتالاً تراجعياً. كان يريد أن يهرب من المشكلة ولذلك اختار أن يتنازل عن مقعد وزاري تاركاً للرئيس عون تسميته. وهكذا أصبح صالح الغريب وزير دولة لشؤون اللاجئين السوريين في لبنان وسمي غسان عطالله من التيار الوطني الحر وزيراً للمهجرين.

يستطيع جنبلاط أن يهضم توزير الغريب ولكنه قطعاً لا يمكن أن يقبل تحويله إلى مشروع اختراق في الجبل. كان يكفي أن يراقب من فوق الجسر ما يحصل في الجاهلية عند الوزير السابق وئام وهاب. وأن يدرك أبعاد تهريب المتهم بمقتل علاء أبو فرج في حادث الشويفات. وأن يقرأ جيداً رسالة النظام السوري بموافقة الشيخ ناصر الغريب على زيارة المشايخ الدروز إلى سوريا. وأن يقبل قرار “حزب الله” بوقف اللقاءات التنسيقية مع الحزب “التقدمي الإشتراكي” بعد اعتباره أن مزارع شبعا ليست لبنانية. وأن يطوق مؤيدوه مسيرات سيارة بعضها مسلح تمر قرب المختارة وأن يتدخل الجيش لتأمين خروجها عبر ممر الباروك. وأن يوافق على قداس المغفرة مع التيار الوطني الحر في دير القمر ويدع كلام الوزير جبران باسيل يمر من دون رد فعل من قبله. ولكنه في ظل كل تلك التراجعات لم يكن قادراً على الإستمرار أكثر، ولذلك كانت عملية الإعتراض على زيارة باسيل إلى كفرمتى الأمر الذي أدى إلى الإشكال الأمني والسياسي.

ورغم أن تقديرات الأجهزة الأمنية كانت تنصح بإلغاء جولة باسيل بسبب الإعتراضات التي يمكن ألّا تمر على خير، ورغم اقتناع باسيل في شملان بألا يذهب إلى كفرمتى ويزور منزل الوزير الغريب، قد يكون الأخير اعتبر أن إلغاء هذه الزيارة إهانة له قبل أن تكون تنازلاً من باسيل حقناً للفتنة. فكيف يمكن لما يمثله كابن كفرمتى أن يكون عاجزاً عن تأمين زيارة باسيل له؟ وكيف يمكن أن تكون الكلمة على الأرض لمناصري “الحزب التقدمي الإشتراكي” على رغم كل ما كان يقال عن اختراق الساحة الجنبلاطية في الإنتخابات وفي الحكومة؟

ضمن هذا الإطار قد يكون حادث قبرشمون أكثر من اعتراض وأقل من انقلاب. إنه مؤشر إلى سلوك جديد ومواجهة جديدة اختارها وليد جنبلاط. ربما اعتبر زعيم المختارة أن الوقت قد حان ليضع حدّاً لسلسلة التراجعات بعدما أصبح محشوراً في زاوية ضيقة. فهو يعرف أنه لا يخوض مواجهة مع “التيار الوطني الحر” الذي وضع نفسه في الواجهة، ولا مع طلال أرسلان أو وئام وهاب بل مع من يضعهم جميعاً في الواجهة.

عندما حصلت المواجهة في الجاهلية بين أنصار الوزير وهاب وقوى الأمن الداخلي تدخل “حزب الله” ليشكل غطاءً أمنياً وسياسياً لوهاب وليعيد جمع حلفائه في الجاهلية بمن فيهم النائب طلال أرسلان. وبعد مواجهة قبرشمون تدخل الحزب أيضاً ليحمي حلفاءه ويجمعهم في خلده. ولكن بعد ذلك الحادث ستقاس الأمور مع جنبلاط بمقاييس جديدة. لقد أظهرت الوقائع أن الرجل لا يمكن أن يستسلم وأنه لا يزال يمتلك القدرة على التحكم بالأرض في الجبل وأنه، في المقابل، لا يمكن أن يعود “حزب الله” إلى خيار 7 أيار لأن ظروف العام 2008 تختلف عن ظروف العام 2019.
مرة جديدة لا يخشى جنبلاط الخيارات الصعبة. السياسة، كما قال، تحتاج دائما إلى “شوية” خيال و”شوية” مغامرة. وربما هو مدرك اليوم أيضا أنه لا بد من مغامرة جديدة تماماً كما فعل قبل اغتيال الرئيس الحريري وبعده. وقبل استقبال البطريرك صفير وبعده. وأنه وإن كان لا يزال ينتظر فوق الجسر فقد يكون صار هو نفسه ذلك الجسر.