IMLebanon

“الحاج وفيق”: صعود ونفوذ سياسي وأمني

كتب علي الأمين في صحيفة “نداء الوطن”:

وفيق صفا أو “الحاج وفيق”، المسؤول المزمن في اللجنة الأمنية المتعددة الاهتمامات والوظائف في “حزب الله”، منذ برز اسم الحاج وفيق، كانت الوظيفة المتصلة بهذا الاسم هي “اللجنة الأمنية” التابعة لـ”حزب الله”، منذ بداية التسعينات في القرن الماضي، والى ما قبل هذا التاريخ. الحاج وفيق الذي كانت نشأته في حي اللجا وزقاق البلاط في بيروت، انتمى منذ البدايات الى “حزب الله” وانخرط في العمل الحزبي من دون أن يعرف عنه انهماكه في عمل أو مهنة اخرى، على أنه أسوة بآخرين، من نواة “الحزب” الأولى في ما كان يسمى بيروت الغربية، كان الحاج وفيق ينتمي إلى “لجان العمل الإسلامي” على ما يؤكد أكثر من صديق ومتابع له، وهو أيضا إلى نشأته في بيروت، فإن زبدين (النبطية) هي مسقط رأسه وسجل نفوسه (1960).

انهمك دوماً بعمل أمني اجتماعي من خلال اللجنة الامنية في “حزب الله”، ومهمتها تتصل بدرجة اساسية بمعالجة قضايا نزاعات حزبية في احياء الضاحية الجنوبية، أو التي تتصل بخلافات عائلية، أو فردية ينتج منها إخلال بالأمن في مناطق يسيطر عليها “حزب الله”، أو العلاقات الأمنية مع دوائر أمنية وعسكرية على تماس مع أمن “حزب الله” والمناطق التي تخضع له. وهذه وظيفة فتحت أبواباً على دوائر أمنية أساسية كالدائرة السورية في ظل الوصاية السورية على لبنان، وعلى دائرة الأجهزة الأمنية اللبنانية التي لطالما كانت الحلقة الأضعف في القرار الأمني في لبنان.

صفا بين ساجد وبدر الدين

يقال: “قميص الأمن وسخ” في معظم الدول، فكيف في لبنان الذي تتنازع فيه أحزاب وميليشيات، وأجهزة رسمية محلية وحتى خارجية. يروي أحد المتابعين من الضاحية الجنوبية والذي يعرف صفا عن قرب، أن “الحاج” أقيل من مسؤولية اللجنة الأمنية في بدايات صعوده وارتقائه التنظيمي، وجرى تعيين بديل له، هو “الأخ ساجد”. لم يطل غياب صفا، ليعود إلى مركزه بعد سنوات قليلة. مؤدى ما تقوله هذه الواقعة، يتابع الراوي، هو أن الحاج وفيق لا مفر من وجوده ولا غنى عنه، ولو كان عرضة لانتقادات تسببت باقالته، فخلفه ساجد، الذي يشهد له باستقامته وسلوكه لكنه فشل حيث نجح صفا.

بهذا المعنى فإن صفا كان عرضة لاتهامات شتى، ليس من خارج دائرة “حزب الله”، بل من داخل “الحزب” نفسه، هذه الاتهامات التي تطاوله تتصل باستغلال نفوذ، مع مراكز قوى ونفوذ مالي واقتصادي، وغير ذلك من الشبهات التي تطاول مواقع أمنية نافذة كانت واضحة لدى جهاز الأمن السوري الذي سيطر على لبنان. وفي داخل “حزب الله” من يتحدث بصريح العبارة، عن أن “الشهيد مصطفى بدر الدين كان له موقف سلبي ومعلن من الحاج وفيق، وأنه كان يمارس سطوته في التضييق عليه” ومن المعروف أن بدر الدين الذي سقط في الحرب السورية في عملية استهدفته في مقره قرب مطار دمشق قبل ثلاث سنوات، والمتهم في عملية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، هو المسؤول العسكري الأول في “حزب الله” ومن النواة الأولى المؤسسة للحزب، وهذا ما كان يؤهله ليعترض ويتصدى لما كان يعتبره تجاوزاً أو خروجاً على مسار الحزب، عزز فيه هذا السلوك طبيعة شخصية تتسم بالشدة والجرأة وشعوراً بأنه متقدم على سواه بالشرعية الحزبية والتضحية.

إيراد هذا الجانب، هو للإشارة إلى جانب آخر، يرويه بعض عارفي بدر الدين، أن الحاج وفيق بات أكثر قوة ونفوذاً مع غياب بدر الدين، وبات أكثر قدرة على الحركة والمبادرة، طالما لمّا يزل الأمين العام السيد حسن نصرالله، يثني على جهوده ودوره.

صعود بعد انسحاب السوري

لا شك أن نجم صفا بدأ يسطع مع الانسحاب الشهير للجيش السوري من لبنان، اي تلك المرحلة التي بدأ فيها “حزب الله” بالتمدد سياسياً وأمنياً على طول الديموغرافيا اللبنانية وعرضها، في عملية مدروسة واستباقية، لملء الفراغ الذي أحدثه الانسحاب السوري إثر اغتيال الرئيس الحريري، وتطبيقاً للقرار الدولي 1559. في ذلك الحين بدأت مهمة جديدة للحاج وفيق، الذي بدأ إعادة تنفيذ جزء من الخطة الأمنية الجديدة لـ “حزب الله”، لا سيما في الجزء المتصل بالعلاقة مع الأجهزة الأمنية والعسكرية، فمع الانسحاب السوري، اختلّت العلاقة التي كان جهاز الأمن والاستطلاع السوري ضابط ايقاعها، والمحدد لشروط عمل كل طرف وحدوده. وانفتح أمام صفا باب واسع وشائك على هذا الصعيد، فالواقع الجديد، فرض مهمات وتحديات جديدة، تختلف عما سبق، ودائرة العمل اتسعت وتنوعت، لم يعد “الحاج وفيق”مجرد منسق امني، بل بات جزء من وظيفته إعادة تجميع أيتام النظام الأمني السوري وضبط ادواته بما ينسجم مع التطور الجديد، والأهم إعادة رسم العلاقة مع القوى الأمنية والعسكرية، التي يجب أن تبقى عينها تحت الحاجب، فالخروج السوري لا يجب أن يدفعها إلى الظن بأنها صارت بلا حاجب أو بحاجب جديد ليس “حزب الله”. وهذه مهمة تنفيذية كان صفا من عناصرها المعلنة، لكنها بالتأكيد كانت كل أجهزة “الحزب” على تنوعها معنية، وكانت مهمة دفع لبنان ثمنها الكثير.

ولقد أوكل إلى صفا في ما أوكل اليه، دور سياسي على تماس مع مهمته الأمنية، فهو كان المعني في متابعة ملف الضباط الأربعة الشهير والمولج بنقل رسائل من السيد نصرالله وإليه، ولا سيما الى الأطراف السياسية التي خاصمت “حزب الله” أو تلك الحليفة، من الرئيس الحريري الى وليد جنبلاط وغيرهما…

عنوان “حزب الله” الأمني

صار وفيق صفا عنوان “حزب الله” الأمني الرسمي وان لم يكن الفعلي، الذي تقصده جهات أمنية خارجية، وأجهزة مخابرات خارجية تريد التواصل معه لأسباب مختلفة ولا سيما تلك التي فرضها انتهاء مرحلة الوصاية السورية، وتقدم نفوذ “الحزب” وتمدده لبنانياً. والحاج وفيق كما هو معروف كان أحد أفراد فريق التفاوض مع الوسيط الألماني بشأن تبادل الأسرى مع إسرائيل، إثر حرب تموز 2006 والتي أدت إلى إطلاق اسرائيل سراح سمير القنطار وغيره من الأسرى من المعتقلات الإسرائيلية.

في دخول صفا وتوغله في العلاقات الأمنية والسياسية وتشعباتها اللبنانية، استحضر في أذهان بعض اللبنانيين، صورة أو نموذج الراحلين رستم غزالة أو غازي كنعان، اللذين توليا مهمة رئاسة جهاز امن الاستطلاع السوري في لبنان لعقدين من الزمن، وربما هذا ما دفع “حزب الله” مع هذا التوغل ومع تعدد المهمات وتنوعها لدى اللجنة الأمنية التي يتولاها صفا، أن يعمد الى محاكاة الوظيفة الأمنية والسياسية السورية، فعدل في وظيفة صفا ليصبح مسؤول وحدة الإرتباط والتنسيق في “حزب الله”، كتعبير أدق عن الوظيفة التي نقلها صفا من الحيز الأمني، إلى ما هو أشمل اي الأمني والسياسي وأكثر.

في الانخراط الأمني والسياسي للحاج وفيق ما جعله العنوان الأبرز لإنجاز ما هو أبعد من الاتفاقات السياسية. فالولوج في اللعبة اللبنانية، بغاية تحقيق مصالح “الحزب”، سيجعل من وفيق صفا كممثل لـ “حزب الله” عنواناً لا بد منه لتمرير العديد من المشاريع داخل الدولة وعبرها، إذ لم يعد هذا الرجل، كما “حزب الله” منشغلاً بالحسابات الأمنية والعسكرية المتصلة بالقتال سواء في الجنوب أو في سوريا، بل دخلت على أدبياته المنافع والمصالح في كعكة الدولة اللبنانية، ولم يعد الرئيس نبيه بري الوكيل الحصري للشيعة في الدولة اللبنانية على هذا الصعيد، وفيق صفا أحد أهم المداخل الشيعية نحو هذا العالم اللبناني المتسم بالمحاصصة، المناقلات الأمنية، الانخراط في المؤسسات الأمنية والعسكرية، هو طرف مقرر فيها، ومع انزياح السلطة من حركة أمل الى “حزب الله”، صار من الطبيعي ان يتجه الطامحون للوظيفة العامة أو الترقي والحماية في الإدارة العامة نحو “حزب الله” من دون خوف من بري، ومن الطبيعي أن ترى بعض الضباط الشيعة في الأجهزة الأمنية والعسكرية يلجأون إلى الحاج وفيق، طلباً لحماية أو تقرباً وللاسترضاء. ووفيق صفا الشديد الاهتمام بصحته الجسدية، والحذر من تسلل أمراض مستعصية الى جسده، كما ينقل أحد عارفيه، لديه هواية تتصل بساعات اليد وتحديد أهميتها وقيمتها، فضلاً عن اقتناء المميز منها.

نفايات وكسارات

بُعد آخر يدور حوله وهو ذو علاقة بملفات على مستوى مشاريع كالنفايات والكسارات، وصولاً إلى ما هو أبعد وأعمق. لكن ليس الحاج وفيق كما قد يُفهم هو خارج بنية تنظيمية وحزبية، بل هو في صلبها، وما يقوم به تتطلبه منه مهمته الحزبية، والتي تكتسب شرعيتها من القيادة التي يمثلها السيد نصرالله وصولا إلى المرجع أو “السيد القائد” في طهران، وهو، وان كان بخلاف بقية إخوانه في قيادة “حزب الله”، في موقع يعرضه الى اتهامات، غير أنه بما يقدمه من خلال موقعه من منافع ومكاسب لـ “حزب الله”، يجعله يتحمل تبعات بعض الآراء المسيئة اليه.

الحاج وفيق، الذي تم إدراجه قبل أيام على لائحة العقوبات الاميركية، إلى جانب النائبين محمد رعد وأمين شري اتهم باستغلال سلطة “حزب الله” ونفوذه، لحماية عمليات تهريب عبر المرافئ اللبنانية الشرعية والمعابر غير الشرعية، وهي تهمة بين تهم عدة زعمت الخزانة الأميركية أن صفا متورط فيها، ومهما يكن من أمر هذه الاتهامات، فإن الأكيد أن صفا هو رأس حربة “حزب الله” في نادي المحاصصة وتقاسم المنافع، ومن دون أن نجزم بمدى التورط في لعبة استغلال المرافئ، فإن مصادر عدة تؤكد حصول ذلك في أعوام ماضية، ومؤسسات دينية رسمية كانت غطاء لعمليات من هذا النوع، كشف مؤخراً عن بعضها من دون تسمية من يقف وراءها فعلاً…هذا غيض من فيض نموذج التعامل مع مصالح الدولة وقوانينها، وهذا لا يمكن أن يبدو وكأنه يختصر رئيس وحدة الارتباط والتنسيق، فقبل أكثر من عشر سنوات، قالها أحد وزراء “حزب الله” لكاتب هذه السطور في سياق حديث عن الحاج وفيق صفا، إنه باختصار رستم غزالة اللبناني.