IMLebanon

الخيارات لم تعد سهلة!

كتبت إيفون صعيبي في صحيفة “نداء الوطن”:

انتهت فترة الخيارات السهلة، وانتفت معها مراهنات الهندسات المالية “لشراء الوقت”…ليبقى”التأجيل” هو النهج السائد منذ التسعينات وحتى اليوم من قبل الحكومة لدى مواجهتها كل استحقاق مالي أو نقدي. فقد اعتدنا على تأجيل ديننا العام وتأجيل الفوائد المترتبة عليه، واذا ما باغتنا غير المنتظر نسعى الى اصدار سندات خزينة يسعى المركزي والمصارف التجارية الى الاكتتاب بالنسبة الاكبر منها بدلاً من تسويقها لاستقطاب الأجانب. اليوم تقلصت الخيارات ولم يبقَ منها الا “الصعب”.

ما هي “اليوروبوند” وما فائدتها؟ سندات الخزينة هي أداة دين مالية حكومية، ذات نسبة فائدة ثابتة، وهي مقومة بالدولار أما فترة استحقاقها فطويلة الأجل. يقوم مبدأ سندات الخزينة على الاستدانة من الخارج بغير العملة الوطنية لان الفوائد تكون أقل بينما المخاطر تكون أكثر نظراً لعدم قدرة الدولة على طباعة عملات غير عملتها الوطنية. كما وتساهم هذه السندات في تمويل العجز التجاري.

لطالما اعتمدت الحكومة على تصنيفها الائتماني لتسويق السندات التي تصدرها. تقوم وكالات التصنيف الائتماني الدولية، مثل “ستاندرد آند بورز” و “موديز” و”فيتش”، بقياس مدى قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها المالية أمام دائنيها وحملة سنداتها؛ وتُؤخذ في الاعتبار المخاطر الاقتصادية الراهنة والمستقبلية للدولة، إضافة إلى المخاطر المرتبطة بعملتها الوطنية، ما يؤثر سلباً أو إيجاباً على التصنيف. “تتراوح عائدات سندات اليوروبوند اليوم بين 10و11%، وهي تعتبر منخفضة بشكل مصطنع، لأن النسبة الاكبر منها باستثناء 5 مليارات دولار مملوكة من قبل مصرف لبنان او مصارف محلية. فيما يبلغ حجم الاكتتاب الاجنبي أقل من 5 مليارات دولار، لذلك يتم التحكم في الأسعار محلياً. ولو أصدرنا سندات للاسواق الخارجية ، فستكون الفائدة بين 15 – 20% أو أكثر لتوازي تكلفة الهندسات المالية”، يوضح الخبير الاقتصادي دان قزي.

ويضيف قزي: “لم يقم اي اجنبي بالاكتتاب في اليوروبوند على اعتبار ان 10 إلى 11% لا تعكس العائد الرسمي للمخاطر الحقيقية المتوقعة بناءً على تصنيفنا الائتماني المنخفض (وفقا لوكالة موديز وغيرها). ربما لا ترغب الحكومة في إصدار سندات خزينة بالمعدل الحقيقي الذي يتراوح بين 15-20% والسبب في ذلك عائد الى اعتقادها، ربما ان الاوضاع المالية ستتحسن في المستقبل اي انها تشعر بأمان لكونها مدينة للمصارف الداخلية التي يسهل التفاوض معها اكثر من الاجنبية التي قد تعقد الامور”.

في السنوات الماضية عمدت المصارف إلى الامتناع عن المشاركة في شراء سندات الخزينة الجديدة التي تصدرها وزارة المال، (وقد ترجم الرفض الاخير من خلال إلغاء بند الموازنة المتعلق باكتتاب المصارف بـ 1%)، وكان مصرف لبنان يشارك في هذه العملية بدلاً من المصارف ثم يصدر شهادات إيداع بفائدة أعلى تكتتب فيها المصارف. عملياً، كانت المصارف تقرض مصرف لبنان، ثم يستعمل مصرف لبنان هذه المبالغ لإقراض وزارة المال. وبهذه العملية كانت المصارف تحصل على أكثر من نقطتين مئويتين إضافيتين من مصرف لبنان عوضاً عن مطالبة وزارة المال بزيادة أسعار فائدة سندات الخزينة. من هذا المنطلق بات من الطبيعي، بالنسبة الى المصارف التي اعتادت “الربح السهل”، عدم شراء سندات خزينة التي تبلغ حصة المصارف فيها اكثر من 35% (وفقاً لارقام جمعية المصارف) في حين تبلغ حصة مصرف لبنان 50% .

لقد ساعدت الهندسات المالية على الاستقرار النقدي، ربما لفترة وجيزة ولكن الاعباء على الاقتصاد كانت مرتفعة كما ان المخاطر ارتفعت بنسب عالية. هذا وتأثرت مناعة القطاع المصرفي، لذا يستبعد الخبراء المتابعون ان تقبل المصارف بشراء سندات خزينة جديدة.

من حيث المبدأ، ابتُكرت اليوروبوند لاستقطاب الدولار من الخارج وجذب حملة سندات أجانب وبالتالي نقل المخاطر الى غير اللبنانيين. في الوضع الراهن، المخاطر داخلية ومع ارتفاع الفوائد سترتفع خدمة الدين وبالتالي العجز.

في قبرص، إبّان الازمة المالية سيطرت الدولة على الاموال التي كانت في غالبيتها الساحقة لمكتتبين ومودعين روس لذا فان المخاطر والانعكاسات الداخلية كانت محدودة. اما في لبنان فقد بات واضحاً ان العواقب ستكون كارثية…