IMLebanon

الدولة تتهرّب من تطبيق القانون بقانون يشرّع المخالفات

كتبت مريم سيف الدين في صحيفة “نداء الوطن”:

يعترف النائب حسين جشي بسوء القانون الذي أقره مجلس النواب بتاريخ 26 حزيران الماضي، والذي يسمح للمخالفين بتسوية مخالفات البناء الواقعة في ملكهم الخاص. ويقر النائب الذي رأس اللجنة الفرعية التي كلفت دراسة القانون قبل إقراره، بأنهم اتخذوا قراراً ما كان يجب اتخاذه، مبرراً ذلك بالاختيار بين المر والأمر، محملاً “الآخرين” مسؤولية ما حدث. وبدلاً من البحث عن آلية لتنظيم أعمال البناء العشوائية، شرّع مجلس النواب المخالفات بموافقة من “تيار المستقبل” و”التيار الوطني الحر” و”حركة أمل” و”حزب الله” و”الحزب الاشتراكي”.

الدولة رخّصت المخالفات وشرّعت تسويتها

من جهته أعلن المدير العام للمجلس الأعلى للتنظيم المدني، الياس الطويل، في مقابلة مع “نداء الوطن” الالتزام بالقوانين الصادرة عن مجلس النواب مهما كانت، معتبراً أن التنظيم المدني حقق إنجازاً عبر إلغاء البنود التي كانت تسمح بتسوية مخالفات البناء المرتكبة على المشاعات والأملاك البلدية، كما حصل في تسوية العام 1994. ويقدر الطويل حجم المخالفات بعشرات آلاف الأبنية، “واليوم ليس الوقت المناسب لتقوم الدولة بهدمها لذلك يجب شرعنتها”. وينتظر القانون الذي نشر في الجريدة الرسمية قراراً من وزير الأشغال بفتح سجلات جديدة في مكاتب التنظيم المدني ليبدأ المخالفون بتقديم طلباتهم، على أن يدفعوا غرامة تختلف باختلاف نوع المخالفة، وفي حال تعدد المخالفات في البناء الواحد تتعدد الرسوم.

إذاً فقد بات في إمكان المخالفين تسوية مخالفات البناء المرتكبة بين تاريخيّ 13/9/1971 و31/12/2018. وكأن الدولة تحب المخالفين بل وتشجع على المزيد من المخالفات. ولحسن الحظ أن القانون لم يشمل المخالفات المرتكبة على أملاك الغير، فلربما لم تتمكن الدولة من السماح بتسويتها هذه المرة، لكنها قد تتمكن من ذلك مستقبلاً! فمشاريع القوانين المشجعة على ارتكاب المخالفات مستمرة، ولن يكون هذا القانون آخرها. في ظل دولة تتعاطى بمنطق التاجر، وترى في تشريعها هذا مصدر دخل للخزينة ورضى للناخبين، غير آبهة بالسلامة العامة ولا بالحفاظ على الأراضي الزراعية والأمن الغذائي ولا بحال الطرقات وأزمة النقل، ولا غيرها من المصائب الناجمة عن هذه المخالفات.

لكن الأعجب من تشريع المخالفات أن الكثير منها تم بترخيص من وزارة الداخلية ومن قوى الأمن الداخلي ومن البلديات، وفق ما يؤكده جشي والطويل ونقيب المهندسين جاد تابت، لـ”نداء الوطن”. وبالتالي فإن الدولة تتحمل مسؤولية ارتكاب هذه المخالفات وربما من العدل أن تحمّل المرخِّصين أيضاً كلفة الغرامات المترتبة على المواطن لتسوية مخالفته.

وفيما تضرب تسوية المخالفات بعرض الحائط القوانين والمعايير المحددة لتنظيم البناء، يبرر جشي إقرار القانون على الرغم من سوئه بمعالجة أمر واقع ومشاكل عقارية وقضائية لدى الناس. “فهناك ناس وقعوا ضحية تجار ونحن معنيون كمشرعين بحل المشكلة، عملنا على خطين: تشددنا في حفظ القانون العام والنظام، وسهلنا الأمور بالحد الأقصى حتى ندفع الناس لاتباع النظام. وستستفيد البلديات بنسبة 30% من العائدات المالية الناتجة عن تسوية المخالفات، وستستفيد المؤسسة العامة للاسكان بنسبة 30%. أما الـ 40% المتبقية ستدخل خزينة الدولة”، كما أوضح لـ”نداء الوطن”.

يشرح جشي أن القانون لن يسمح بتسوية الاعتداءات على الأملاك النهرية والبحرية أو على الآثار، ولا حتى المخالفات الواقعة في الأملاك الخاصة في حال لم يتم التراجع بحسب المسافة المفروضة على هذه الأماكن. بينما يلفت الطويل أنه يمكن تسوية مسألة التراجع هذه في حال وافقت الجهات المعنية. لكن الملفت في القانون أنه يسمح بالتسوية حتى في حال البناء على عقار مصنف غير صالح للبناء! كما ستسمح التسوية للجار الذي لم يلتزم بالتراجع مسافة محددة عن حدود جاره بتسوية مخالفته، ما يعني ظلم فرد لصالح آخر. حتى وإن أكد جشي عدم تساهل المشرع في مسألة الصالح العام، وبأن أي مخالفة تخضع لنظام التسوية لا تعطي للمعتدي حقاً مكتسباً، وأنه يمكن لجار المخالف الادعاء عليه في حال اعتدى على التراجع. وهو ما يحمل المواطن تبعات الدخول في نزاع قضائي قد يطول مع جاره في الوقت الذي على الدولة قمع هذه المخالفات من دون اضطرار المواطنين للخوض في صراعات في ما بينهم. وهنا يلفت تابت إلى أهمية هذا التراجع افساحاً في المجال لوصول الهواء والشمس إلى منزل الجار. لكن يبدو ان النواب يتعاطون وكأنها رفاهية أن تصل الشمس والهواء إلى منازل المواطنين.

وفي حين يحاول جشي تبرئة القانون من تهديد السلامة العامة عبر القول بأنهم اشترطوا معاينة البناء من قبل مهندس يوقع تقريراً يؤكد استيفاء البناء لشروط السلامة العامة، قبل تسوية المخالفة، يشير تابت إلى سهولة الاستحصال على تقرير كهذا. ويؤكد نقيب المهندسين تهديد هذا القانون للسلامة العامة. “فالمباني التي تبنى من دون ترخيص لا تلتزم بمعايير السلامة العامة وليست مهيأة ضد الهزات. ونحن نواجه كل أسبوع مشكلة مبنى مهدد بالانهيار. فمن سيراقب سلامة الأبنية؟ خصوصاً أنه لا تمكن مراقبتها بعد بنائها من دون معرفة كيف بنيت أساساتها وما إذا كانت عرضة للانزلاقات”.

وفيما لا يرى النائب في هدم المخالفات السابقة بدل تسويتها حلاً، يؤكد أن أي مخالفة ارتكبت بعد تاريخ 1-1-2019 سيتم حكماً هدمها. وهنا يطرح سؤال عن قدرة الدولة على تحديد تواريخ مخالفات غير قادرة أصلاً على إحصائها. فما الذي يضمن ألا يتجه المخالفون الذين ارتكبوا مخالفاتهم هذا العام إلى محاولة تسويتها؟ هذا في حال افترضنا أن من خالف القوانين سابقاً، سيندفع للالتزام بهذا القانون ودفع الغرامات المالية المترتبة على التسوية، بينما يستمع لاعتراف الجهات المعنية بقمع المخالفات بعجزها عن القيام بذلك.

في هذا الإطار يعلن جشي عن تسهيلات قدمت للمخالفين ليتمكنوا من تسوية مخالفاتهم. ومن هذه التسهيلات أن يعفى المخالف من نسبة 40% من الغرامات، في حال صرح عن المخالفة خلال مهلة سنة من صدور القانون وسدد الغرامات خلال ثلاثة أشهر. وفي حال لم يستطع المخالف تسديد الرسوم خلال ثلاثة أشهر، فقد منحه القانون مهلة سنة للتصريح عن المخالفة على أن يقسط الغرامات لمدة سنتين، من دون الاستفادة من الإعفاء، بذلك يكون قد منح ثلاث سنوات لتسوية وضعه، وفق جشي.

الاعتداء على صلاحيات أصحاب الاختصاص

وفيما ينظر جشي للقانون باعتباره إنجازاً سيشجع الناس على الالتزام بالقوانين، تؤكد التجارب أن هذا النهج لم يساهم إلا في تشجيع المخالفين الذين يراهنون على قوانين كهذه. ويؤكد نقيب المهندسين، جاد تابت، أنه ومنذ العام 1964 أقرت 6 قوانين لتسوية المخالفات، وفي كل مرة تذرع النواب بأنها المرة الأخيرة. ويرى تابت في تكرار التسويات دليلاً على عدم فعالية هذه القوانين، مذكراً بأهمية قوانين التنظيم المدني، “فالهدف منها الحفاظ على البيئة وعلى العيش المشترك، بينما يضرب القانون المقر البيئة والزراعة، ويعزز الصراعات في المدن حيث الأحياء المكتظة وحيث ترتكب المخالفات بعدم تأمين مرائب للسيارات”.

ويتحدث تابت من موقعه كمتخصص غير آبه برضى الناخبين، ويروي أن نقابة المهندسين والمجلس الأعلى للتنظيم المدني تمثلا في اللجنة التي أعدت القانون. لكن النواب لم يلتفتوا لملاحظات أصحاب الاختصاص، وأسقطوا الرأي العلمي لمصلحة حساباتهم. “سعينا منذ سنة لمنع إقرار القانون ونبهنا النواب، قيل لي أنت محق، هذا قانون سيئ لكن لا حل آخر”، يقول تابت، ويقترح على المعنيين هدم المخالفات، “فيكفي هدم مخالفة واحدة ليفهم الناس”. ولا يتوقع النقيب ان يتوجه قسم كبير من المخالفين لتسوية مخالفاتهم، إلا من يرغب باستثمارها.

بدوره يعتبر الطويل أن للمجلس النيابي الحق في تحديد المصلحة وفي اقتراح مشاريع قوانين يرى أن عدم تشريعها يؤدي إلى كارثة اجتماعية. “فالأسباب الموجبة هي وجود سلسلة مخالفات لا يريد النواب أن تتسبب إزالتها بأزمة اجتماعية. والحكومة ترى أنه من المستحيل إزالة هذه المخالفات ولا يمكن الإبقاء عليها كمخالفات لذلك يجب اجتراح قانون لتسويتها. أما بالنسبة إلينا فالقانون سيئ وأي مخالفة يجب أن تهدم”. ويلفت الطويل أنه سيجرى العمل من أجل أن يتضمن ملف التسويات فحوصات مخبرية للتأكد من سلامة الأبنية من الناحية الإنشائية وبأن موضوع السلامة العامة سيحظى بالأولوية. وفي ظل استمرار البناء والتراخيص العشوائية، يعلن الطويل أن التنظيم المدني يعمل اليوم على مشروع مرسوم لتنظيم المناطق غير المنظمة، لحماية ما تبقى من الأراضي الزراعية ولحماية مجاري الأنهر.

بالعودة إلى جشي، تبرز المفارقة أنه هو نفسه الذي تحدث عن إيجابيات القانون، ويرى أن المشكلة ليست في إقرار القوانين وإنما في تطبيقها، “فهناك 51 قانوناً تم إقرارها في مجلس النواب من دون أن تقر لها المراسيم التطبيقية لتوضع حيز التنفيذ”. ويضيف جشي أن مشكلة البناء تكمن في أن 70% من الأراضي في بعض المناطق غير مصنفة، وتتحمل الدولة مسؤولية فرزها. وفيما يدرك النواب وجود مشكلة وأن “الخطأ يجر الخطأ”، فلمَ لم يبدأوا بحل المسببات قبل تشريع المخالفات؟