IMLebanon

“سيدر”: لن تروا الأموال

كتب خالد أبو شقرا في صحيفة “نداء الوطن”:

يملك المجتمع الدولي تجربة غير مشجعة مع لبنان. فالأخير يقاوم حرفياً أي تدخّل إصلاحي، بهدف إبقاء قنوات الهدر والفساد مفتوحة من دون حسيب أو رقيب. وهذا ما لن ينفع هذه المرّة في التعامل مع “سيدر”. وعلى عكس الإعتقاد السائد بأن أمواله أصبحت في “الجيبة”، فإن المجتمع الدولي لن يقدّم “سنتاً” من دون الإصلاحات المطلوبة. والإستخفاف هذه المرة بعدم تطبيق الشروط سيدفع نحو ضياع الـ 11.8 مليار دولار من أموال الإعمار وتطوير البنية التحتية.

الإصلاح الفعلي هو ما يهم المجتمع الدولي، ليس محبة بلبنان وحرصاً على ابنائه، بقدر ما هو حفاظ على أموال صناديقه ومؤسساته ومستثمريه، وضمانة لاستردادها. فمساعدة لبنان بالأموال ليست هبة، إنما قرض بفوائد. ولهذا كانت شروط “سيدر” واضحة بضرورة وجود حكومة جدية للسير بالإصلاحات، والالتزام بخفض سنوي للعجز الاجمالي بنسبة 5% من الناتج المحلي على مدى خمس سنوات، والقيام باصلاحات بنيوية في النظامين الضريبي والمالي، وتعزيز الشفافية ومكافحة الفساد، وتحسين سوق العمل لخلق الوظائف.

الإصلاحات مفقودة

وبجردة من 6 نيسان 2018 تاريخ انعقاد مؤتمر “سيدر”، ولغاية اليوم، لم يقدم لبنان للمجتمع الدولي أي دليل على التزامه بالوعود التي قطعها في سيدر. لا بل ازدادت الأمور سوءاً على كل المستويات. فـ”الحكومة الجدية” المطلوبة، لا تجتمع، والإنقسام يستحكم أكثر بين أفرقائها، وتقرير صندوق النقد الدولي أكد أن عجز موازنة الـ 2019 هو 9 في المئة وليس 7 في المئة كما تصوره الحكومة، وهو الامر الذي يخالف الطلب الدولي بتخفيض العجز بنسبة 5 في المئة سنوياً. أما بالنسبة إلى بقية الشروط التي تتعلق بحجم الدولة وبالحد من هدر الكهرباء الفاضح، ومكافحة الفساد، وإصلاح الانظمة الضريبة… فحدث ولا حرج. فـ” نحن لا نقدم المثال الصالح.

إذ رأينا كيف تتغير الانظمة الضريبية عشوائياً كلما احتاجت الدولة إلى اموال. وهذا يجفّل المقرضين والشركاء، الذين عادة ما تكون استثماراتهم طويلة الامد”، يقول الأمين العام لحزب الكتلة الوطنية اللبنانية بيار عيسى ويضيف أن “الكل يعترف بالفساد ويدعو لمكافحته. إنما لغاية اللحظة لم يطبقوا الشروط الثلاثة الاساسية: وهي كشف الفساد من قبل أجهزة الرقابة، محاكمة الفاسدين بالقضاء، وتنفيذ الحكم عبر الاجهزة الامنية. فهذه النقاط الثلاث ضُربت في الصميم في الموازنة الاخيرة، حيث جرى تخفيض موازنات أجهزة التفتيش العامة، ولم يعين قاض واحد في ديوان المحاسبة، الذي لا يوجد فيه من أصل 50 قاضياً إلا حوالى 23، مقابل حشو الآلاف في الإدارات العامة. وتمعن السلطة يوماً بعد آخر في التدخل بعمل القضاء والحد من صلاحياته، فتحارب نادي القضاة الذي ينادي باستقلالية الأجهزة القضائية. هذا عدا عن استشراء الفساد في مختلف الاجهزة والادارات. ومن هنا يطرح السؤال الجوهري عن مصير أموال سيدر. أي عاقل يخاطر بالإستثمار أو بتقديم القروض للبنان في ظل هكذا معطيات؟

الوقت يداهمنا

الحكومة ربطت نفسها في مؤتمر سيدر بعنوان كبير هو “خطة الإنفاق الإستثماري”. وقد قسمت الى ثلاث مراحل، كل منها بحدود السنتين أو الثلاث. هذه الخطة تقضي بوضع الآليات الرقابية موضع التنفيذ كشرط أساسي، وهو ما لم يتحقق، ودفع المجتمع الدولي إلى “التحذير الدائم من أن عدم الإلتزام بالإصلاحات، وعدم المضي قدماً بالمشاريع الموجودة في خطة الحكومة اللبنانية للإنفاق الإستثماري، ووضع الآليات الرقابية عليها، سيؤدي إلى عدم وصول الاموال”، يقول المدير التنفيذي لمؤسسة سمير قصير أيمن مهنا. الكهرباء مثال على ذلك من جديد. حيث لم تلتزم الحكومة بتطبيق البنود الـ19 التي التزمت بتنفيذها قبل نهاية العام. وفي جميع الحالات تعرضت الخطة للإنتقاد بقوة من فرنسا، لكونها غير متناسبة مع ضرورة تخفيض الانفاق، ولعدم تضمنها هيئة ناظمة مستقلة للكهرباء. هذا التعامل سيدفع إلى تفويت الفرصة. وبحسب مهنا، “الحكومة لا تملك ترف الوقت. فالتمويل ليس موجوداً إلى اجل غير مسمى. بل هو لأمدٍ معين. وإذا تخلف لبنان عن تلبية الشروط فان الاموال ستذهب إلى دول غيره”.

سقوط نظريات الإبتزاز

“رحم الله امرءاً عرف حده ووقف عنده”! فلماذا تجاوزته الحكومة، وكبّرت “الحجر” على نفسها في “سيدر”، إن كانت على يقين بعدم قدرتها على التنفيذ؟ “لأنهم استنفدوا الإقتصاد، وكل همهم أخذ الجرعة الأولى من أموال سيدر ليستمروا في عبثهم” يجيب عيسى، ويضيف أن “بدلاً من أن تكون السياسة النقدية في خدمة الاقتصاد يجري العكس، فترفع الفوائد ويضرب الإقتصاد. وكذلك الأمر بالنسبة للعجز والمالية العامة. واليوم يفعلون المستحيل لأخذ الدفعة الأولى من أموال سيدر، ويراهنون على الوقت وعلى نظريات لا تمت للواقع بصلة”.

المشكلة أن الوقت ليس في صالحنا، وما جرى في السابق مع مؤتمرات “باريس 1 و2 و3 “، لجهة أخذ جزء من الأموال على الكلام، لن يجري اليوم بأي شكل من الأشكال. ووفق أحد المصادر المطلعة على حيثيات الموقف الاوروبي، فان الدول التي شاركت في مؤتمر “سيدر” مستاءة جداً من المماطلة بتنفيذ الإصلاحات. وينقل عنها عدم خضوعها للإبتزاز بنظرية عقيمة تقول إن: “الدول الاوروبية مجبورة على مساعدة لبنان في مختلف الظروف لتحمي نفسها من تدفق اللاجئين السوريين الى دولها في حال انهيار لبنان”. هذه النظرية تنقضها الدول الداعمة جملة وتفصيلاً، لان تقديم المساعدات في غياب الإصلاحات سيفاقم المشكلة ولن يحلها، وسيضيع أموال المستثمرين.