IMLebanon

ليس بالصواريخ يحيا لبنان… إنتصر الحزب وهُزمت الدولة

كتب علي الأمين في “نداء الوطن”:

 

لعل من أبرز تداعيات حرب تموز 2006 أن الدولة اللبنانية ازدادت ضعفاً، وتراجع دور المؤسسات الدستورية والقانونية فيها، وزادت المحاصصة وتفشى الفساد، وتراجع الاقتصاد، وتنامى الدين العام. أما الانتصار الذي جرى الحديث عنه في تلك الحرب، فكان في أبرز نتائجه المستمرة، هو انتصار لمنطق الميليشيا على منطق الدولة.

والاستراتيجية الدفاعية التي كانت وسيلة من وسائل الاستفادة من سلاح “حزب الله”، لإدراجه ضمن خطة وطنية دفاعية، باتت أثراً بعد عين، وتحوّل سلاح “حزب الله” الى سلاح مقدس، لم يصل إلى قداسته أي سلاح لبناني آخر بما فيه سلاح الجيش اللبناني.

لم تكن وظيفة سلاح “حزب الله”، لا سيما بعد تحرير العام 2000 وظيفة لبنانية، ولا سلاحاً غايته حماية الدولة اللبنانية، بما هي شعب واحد ومؤسسات دستورية وقانونية، كان سلاحاً ولا يزال، له وظيفة سياسية ترتبط بوضوح بما يسمى محور المقاومة ونظام مصالحه القومي الإيراني والاقليمي، ورمز هذا المحور وقائده المرشد الإيراني السيد علي خامنئي. إذ يكفي أن من يمتلك هذا السلاح، والمقرر في وظيفته، يؤمن إيماناً عميقاً، انطلاقاً من أيديولوجيته، أن صاحب القرار في شأن هذا السلاح، في وجوده وفي وظيفته، وفي بقائه وعدمه، يعود إلى ولي الفقيه الذي يتقدم الولاء له على أي ولاء وطني، ويتقدم على أي مصلحة وطنية أو قومية.

هذا من الناحية الأيديولوجية التي تتنافى في مضمونها، مع أي مشروع لحماية لبنان، طالما أنها لا تقوم على اعتبار أن الولاء للوطن والدولة يتقدم على أي ولاء آخر.

من هنا لم تكن “الاستراتيجية الدفاعية” سوى مشروع مقابل ومعاند لمشروع المقاومة والممانعة، الذي لم يستطع أن يتقبل فكرة أن تكون المصلحة الوطنية اللبنانية فوق أي مصلحة أخرى وتحديداً لو كانت مصلحة إيرانية.

في نتائج “حرب تموز” بالنسبة إلى “حزب الله” وتداعياتها على لبنان، أن سلطة “حزب الله” اشتدت وزاد ضعف الدولة وانكفأت، والزخم الذي خرج به “حزب الله” من الحرب، هو المزيد من الاستقواء الداخلي، ليس في سبيل رفعة الدولة ومؤسساتها، بل للمزيد من تهميشها. تحوّل انتصار “الحزب” إلى ترسيخ سلاحه في ميزان الحياة السياسية، فبات هو الذي يقرر إغلاق مجلس النواب أو فتح أبوابه، وهو يقرر انتخاب رئيس للبلاد أو الفراغ الدستوري، هو الذي يقرر “الثلث المعطل” أو يهمشه، هو من يسقط حكومة أو يؤلفها، هو من يقرر الدخول في الحرب السورية ويحدد مصلحة لبنان في الحرب والسلم.

هذا السلوك لم يكن في جوهره إلا خلق عقبات وعوائق أمام سيادة الدولة، والاستراتيجية الإيرانية التي طالما عبّر عنها بعض الناطقين باسمها، من أن لبنان هو من إحدى مناطق نفوذها، وعاصمته صارت تحت سيطرتها، هذه الاستراتيجية استمرت في محاولة التعامل مع نموذج ثنائية الدولة اللبنانية ودويلة “حزب الله”، كنموذج ناجح يجب تعميمه على أقطار عربية أخرى في العراق واليمن وحتى سوريا، لكن منطق التاريخ لا يستقيم مع هذا النموذج، إلاّ من زاوية أن الثنائية هذه، هي أفضل وسيلة من وسائل تقويض الدولة والمجتمع، إذ يستحيل أن تحكم دولة وتدار مؤسساتها وسياساتها، في ظل منطق ميليشيا ومنطق دولة، لأن النتيجة هي التفتت والانهيار أو التلاشي وهذا حال “لبنان القوي” اليوم.

السلطة والنفوذ على الدولة ليسا كافيين لتوفير القوة لـ”حزب الله”، ولا يشكلان عنصر الصمود في وجه اسرائيل، أدوات السيطرة التي اعتمدها في الداخل، هي نفسها أدوات تجويف القوة اللبنانية في مواجهة أي ضغط أو عدوان خارجي، فمحاولة القول إنّ قوة لبنان أمام إسرائيل تكمن في القوة العسكرية لـ”حزب الله”، يكشفه واقع حال لبنان اليوم، فيقف عاجزاً أمام العقوبات الأميركية، عاجزاً أمام قدرة الشعب على الصمود في وجه الحرب، عاجزاً أمام حقيقة أنّ لبنان المقاوم والممانع والمنتصر، هو دولة خاوية من مصادر القوة في كل المجالات الاقتصادية والمالية والسياسية.

الاستراتيجية الدفاعية باختصار، هي أن يشعر اللبناني، بأن الدولة اللبنانية هي المرجعية، وسلطتها فوق كل السلطات. أما “الانتصارات الإلهية” فإن لم تعزز من مشروع الدولة ووحدة الشعب وقوة جيشه، فهي بالتأكيد هزائم صافية.