IMLebanon

من التركي وتتريكو إلى فرنسا سايكس بيكو

كتب ميشال ريمون هنود في صحيفة “اللواء”:

بادئ ذي بدء أشير الى أن كلمات عنوان المقال استقيتها من أغنية للرفيق مارسيل خليفة، اسمها: قصتنا نزهة ريفيّة، ممنوعة ومش قانونية من تركيا لحكم فرنسا لحكم الصيغة اللبنانية.

إنطلاقاً من خطاب سيد العهد الرئيس ميشال عون، الذي تلاه في ذكرى مئوية لبنان الكبير، استرعى انتباهي فوراً تذكير فخامته بمجازر العثمانيين في لبنان وربما في دول المنطقة الأخرى. لا غبار على أن السلطنة العثمانية كانت تنكّل بكل من خالف أوامرها، وتقتل كل من يشقّ عصا طاعتها. لكن على عكس ما يظنه سكان جبل لبنان من الموارنة، فإن المجازر العثمانية لم تطال الأرمن والسريان فحسب، بل طالت أيضاً كل مسلم رفض حركة التتريك، وكل الجثث التي عامت على مياه البوسفور كان أصحابها من المسلمين، أما عبارة سفر برلك، والتي حملت عنوان فيلم سينمائي لبناني، أدّت عروضه مجموعة من الفنانين اللبنانيين اللامعين أواخر ستينيات القرن المنصرم، ويتحدث عن ممارسات الأتراك في لبنان، فتعود تسميتها الى العام 1916، عندما ارتكب التركي فخري باشا جريمة نكراء بحق أهل المدينة النبويّة، تمثلت بسرقة أموالهم، وإرغامهم على ركوب قطارات السفر الى الشام واستنبول في رحلة سميّت بسفر برلك «ذهاب من دون إيّاب»، كما سرق العثمانيون أغلب مخطوطات المكتبة المحموديّة في المدينة وأرسلوها الى تركيا.

وفي العام 1818 كلّف السلطان العثماني محمّد علي باشا والي مصر بالقضاء على الدولة السعوديّة، فتمكن الأخير من السيطرة على معظم نجد لمدة تسعة أشهر، وارتكب خلال تلك الحملة جرائم بحق الأبرياء وقادة المجتمع وعامة الناس، أما حسنة العثمانية الوحيدة وفق رأيي الشخصي، فكانت برفض السلطان عبد الحميد منح فلسطين لليهود، عندما طلب منه ذلك مؤسس الحركة الصهيونية تيودور هيرتزل. عملياً كان من الأفضل بأن لا يعمد فخامته الى التذكير بمساوئ السلطنة العثمانية في لبنان ودول الجوار، خصوصاً أننا في زمن تحوّل فيه حقد الأرمن على الأتراك الى علاقاتٍ دبلوماسية كانت باكورتها المصالحة بين يريفان وأنقرة، إضافةً الى أن أدبيات فن الممكن أي العمل السياسي تفرض على شاغله منح الأعراف الدبلوماسية المزيد من الحيوية والمناعة الكفيلتين بجعل الذكريات المؤلمة عاجزة عن إنهاكها، وجعلها بالتالي عرضةً للأزمات الحادة، خصوصاً أن عدداً كبيراً من التجار اللبنانيين يسافرون الى تركيا لشراء البضائع وبيعها في لبنان، وهنالك عددٌ كبيرٌ أيضاً يشترون الأدوية التركية، نظراً للغلاء الفاحش، الذي يجتاح الأدوية في لبنان المستوردة من بلدان القارة العجوز باليورو ومن بلاد السوبرمان بالدولار. أمّا بالنسبة للمجد الذي منحته باريس لغبطة البطريرك الحويك، وهو بناء دولة لبنان الكبير بمساحتها الحالية، فإن كل الآمال المعلّقة حينها على توحيد الوطن تبخّرت، لأن فرنسا نجحت من خلال الامتيازات التي منحتها لطائفة معينة في تأجيج الصراعات الطائفية فبدلاً من أن تُخمد النيران، استعرّت بين مجموعة الفينيقيين الجدد والتي كانت تمثل الرأي السياسي لموارنة جبل لبنان، والقوميين العرب الذين حاربوا التركي والفرنسي على حدٍ سواء، من أجل أن تكون لنا أمةٌ عربيّةٌ علمانيّة لا طائفية، تواجه مخططات دول الإستعمار المعدّة لنهب ثروات أقطار الدول العربيّة.

من هنا، هل يعقل أن يستمر كائنٌ ما بالدفاع عن فرنسا بعدما ساهمت باريس في أشعال الحرب الأهلية اللبنانية، غداة تحصينها للإمتيازات التي منحتها لطائفة واحدة بأكملها قبل ساعات من إنسحابها العسكري من لبنان. وبما أن سيد العهد لم يعدّد مساوئ فرنسا كما عدّد مساوئ تركيا وبما أن الدستور اللبناني يتيح لكل مواطن لبناني إبداء حرية الرأي والتعبير، أذكر بأن كبيرنا أمين الريحاني كان قد قال في كتابه القوميات، ما الثمن إذا انتقلت الحرية من مخالب الأجنبي المحتل السلف أي التركي، الى مخالب الأجنبي المحتل الخلف أي الفرنسي؟! واليوم هاهوذا الإنتداب الفرنسي، وربقته أمام عيوننا، وغداً يصير في رقاب أبنائنا، أما نيره الثقيل علينا أجمعين، فسيجتاح تدمر ودمشق والأرز وصنين. بدوري أقول هذا هو الاحتلال الفرنسي الذي أرسل 70 ألف يهودي ليحتلوا فلسطين كما أكدّت الجمعيّة اليهوديّة العاملة في فرنسا. ويذكر أن نابوليون بونابرت كان قد وجّه بياناً حثّ من خلاله اليهود في أسيا وأفريقيا على مساعدته في إعادة بناء دولتهم القديمة لاستعادة مجدهم التاريخي! فقال، يا ورثة فلسطين الشرعيين ندعوكم للمساهمة في السيطرة على بلادكم، من أجل بناء أمتكم لكي يمسوا أبناءها أسياد فلسطين الحقيقيين!!

لكن الطامة الكبرى تجلّت بإصرار زعماء الموارنة في جبل لبنان، على الحفاظ على مصالح الإغتراب الماروني في البلدان الرأسمالية، المعادية للمعسكر الاشتراكي الداعم للقومية العربية والشيوعية وبإصرارهم على عدم الشفاء من داء رهاب الإسلام أو الإسلاموفوبيا، والذي يعاني منه اليوم أيضاً تيار العهد والحاضر هو امتداد للماضي رغم أن المعاناة ليست سوى وسواساً قهرياً يقلق ويؤرق رغم أن فلك الواقع وعالم الحقيقة لا يعترفان بأوهامه، بدليل أنه في العام 1937 قال ألبير نقاش عضو المجموعة البارز للمندوب الصهيوني المعروف إلياهو ايلات أثناء زيارته لبنان، أن الخطر الأكبر الذي يتهدّد لبنان، يكمن في أن تقرر باريس منح سورية استقلالها، لأنّ ذلك من شأنه أن يشجّع مسلمي لبنان ومعهم جماعة من الروم الكاثوليك والروم الأرثوذكسي على المطالبة باستقلال لبنان ما سوف يجرّ الويلات على الموارنة كأقلية وسط أكثرية مسلمة! «كتاب صلات بلا وصل» للمؤرخ فواز طرابلسي صفحة 262. ومن ناحية أخرى إنبرى شارل قُرُم عضو المجموعة أيضاً ليقول لايلات، بأن الفتح العربي قد ألحق الأضرار بميراث لبنان الفينيقي! وأنّ رمال الصحراء العربيّة، قد لوّثت مياه البحر اللبنانية الصافية! وأنّ المسيحيين واليهود سوف يكونون أولى ضحايا المسلمين والقوميين العرب!! الكتاب «عينه صفحة 262 أيضاً». لكن ما فات قرم أن أحد شعراء القومية العربية فخر البارودي أو زعيم الشباب كما كان يُلقّب في دمشق كان قد أبرز وجه تلك الحركة العلمانية عندما قال، بلاد العرب أوطاني، من الشام الى بغداد، ومن نجدٍ الى اليمن، الى مصر فتطوان، فلا أحدٌ يباعدنا ولا دينٌ يفرّقنا. أما إدوار حنين عضو الجمعية أيضاً وأيضاً، فقد قال في إشارة منه الى أن جبل لبنان يبقى عصب لبنان الكبير، لبنان هو الجبل وشعبه هو الشعب الماروني، «الكتاب عينه صفحة 40». ورغم ذلك بقيت القومية العربية قوميةً مسلمة بالنسبة الى أخصامها الذين أبَوا الإعتراف بعلمانيتها التي تدعو الى الوحدة السياسية والإقتصادية بين الأقطار العربية ضد مشاريع الغطرسة والنهب وثبُت أنّ تلك القومية لا تمسّ بكيان لبنان الكبير، إنما ذنبها الوحيد أنها تأبى هيمنة الطائفة الواحدة على القرار السياسي اللبناني.

لقد استعمرت فرنسا عشرات الدول الأفريقية وقتلت الملايين من شعوبها، ونهبت ثرواتها، وحتى اليوم فإن 14 دولة أفريقية تحرمها فرنسا من خلال اتفاق استعماري على وضع 85 بالمئة من إحتياطاتها في البنك المركزي الفرنسي، بإشراف الوزير الفرنسي للرقابة المالية، وهي عبارة عن ديون دول أفريقية لأقدم عاصمة استعمارية في التاريخ، علماً أن الضابط الفرنسي المراسل تارنو كان قد تلا فعل الندامة عندما تحسّر وقال، إن الجزائر بلدٌ رائع لكنّنا أحرقنا فيه كل شيء ودمرّنا فيه كل شيء… آه من الحرب!! كم من نساء وأطفال هربوا منّا الى ثلوج الأطلسي وماتوا برداً وجوعاً… لقد دمرنا، أحرقنا، نهبنا، وخربنا البيوت، أحرقنا الأشجار المثمرة والأكواخ، وأفرغنا المطامير من الحبوب. نعم هذه هي فرنسا التي قتلت مليون ونصف مليون جزائري، في بلاد المناضل البطل أحمد بن بلّه والمناضلة البطلة جميلة بو حيرد، وما ذكرته ليس سوى غيضٌ من فيض عن جرائم فرنسا ضد الإنسانية. ويستمر المناضل الماركسي جورج إبراهيم عبدالله قابعاً بين قضبان سجن فرنسي فيشي منذ العام 1984، فقط لأن اللوبي الصهيوني هو المتحكم الوحيد بقرار الإليزيه والكي -دورسيه منذ الثورة الفرنسية التي دعمها اليهود.