IMLebanon

السنيورة: صرنا في “حالة ترويض” والدستور يتعرّض للتدمير

كتبت غادة حلاوي في “نداء الوطن”:

“ليس كل ما يُعرف يُقال، وليس كل ما يُقال جاء أوانه، وليس كل ما جاء أوانه صح قوله». قول للإمام علي بن أبي طالب يستعين به الرئيس السابق للحكومة فؤاد السنيورة في مقاربته للواقع السياسي الراهن، في بلد «كلما يتقدم المرء فيه خطوة إلى الأمام، يشعر بأنه يتقدم نحو الخطر»، ويكتشف أنّ «المشكلات التي يعانيها البلد هي أعمق بكثير من محاولات احتوائها»، فيما يجري البحث عن حلّها «في المكان الغلط».

أولى طرق المعالجة في نظر السنيورة هي “معرفة تحليل وتشخيص المشكلة، والاعتراف بوجودها”، وإلا لا وصول إلى الحلول المرجوة. على أنّ “كل الرهانات على النفط واللاجئين، ليست إلا رهانات وهمية، وكل ما نعد به الناس، هو أوهام”.

بحسب السنيورة، نعاني من ثلاث مجموعات من المخاطر التي تداهمنا في لبنان، الأولى هي الاقتصادية والمالية، ويتفرع عنها عجز كامل في الموازنة بسبب الرواتب وخدمة الدين والكهرباء. وعجز في ميزان المدفوعات، وعجز في النمو الاقتصادي الذي امتد على 8 سنوات بنسبة نصف أو واحد في المئة، أي أقل من نصف الزيادة السنوية لعدد السكان.

الثانية، هي “الخطاب التهريجي، الذي يزيد من احتقان البلاد، ويظن من يتحدث به وكأنه يخاطب جمهوره من دون أن يسمعه الطرف الآخر. وهذا يؤدي إلى التشكيك بالركائز الأساسية التي يقوم عليها البلد، ويصيب حيادية الدولة والسلطة القضائية والمجلس الدستوري. كلها عوامل تساهم في زيادة انعدام الثقة بين الناس والدولة، وما بين الدولة والمجتمع السياسي، وتؤدي بالمقابل إلى هجرة الكفاءات وعدم جذب المستثمرين لعدم وجود أجواء ثقة مشجعة”.

أما الثالثة، فهي رمي البلد، في الصراع الإقليمي، فيصبح كطفل موجود في وسط الأوتوستراد، والسيارات تعبر من حوله. أو وضعه على “ممر الأفيال”.

وفي رد غير مباشر على حديث الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله وتحذيره من استمرار العقوبات وتحميل الدولة مسؤوليتها في هذا المجال، فيضعه السنيورة في إطار كونه يزيد من الفتنة الداخلية، يلاحظ وجود “عملية غسل دماغ جعلت الناس تلتزم بأسلوب “حزب الله” وتفكيره، من دون أن يدروا”، بحيث “صرنا في حالة ترويض، لأن العقل تبرمج على صوت واحد، بدون وجود صوت آخر ينتج التوازن. وهذا جزء من تغييب الدولة”.

تحتاج “الأمور إلى علاج سياسي”. ولكن الأساس “يبقى في استعادة التوازن الداخلي، وفي السياسة الخارجية. وهذا يمكن من خلال الاستمرار بتصويب المواقف”.

الحديث عن مسلسل الإساءات يبدأ ولا ينتهي عند السنيورة الذي يستعيض عن تفنيد الواقع في هذا المجال بقول للإمام علي “ليس كل ما يُعرف يُقال، وليس كل ما يُقال جاء أوانه، وليس كل ما جاء أوانه صحّ قوله”. وهذا ينطبق على ما حصل مع تركيا، يوم استقبل رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وزير الخارجية التركي مولود شاوش أوغلو الذي زار لبنان أخيراً ثم عاد ليهاجم بلاده في خطاب مئوية لبنان والذي كان يفترض أن يكون خطاباً جامعاً.

يأسف السنيورة لـ”تخلينا عن الالتزام بالمسطرة في القانون والدستور في إدارة البلد” أي حسبان الموضوع بدقة وروية لما يعيد الاعتبار لهذا الاتفاق الذي يتعرض إلى “تدمير ممنهج، ومستهدف بما يعنيه من ضرب للعيش المشترك ومن حيث وجود من يتجه بالبلد إلى الترويج لحلف الأقليات الذي يخالف توجهات بابا الفاتيكان”.

“أخطر أمر ليس على اللبنانيين فقط بل على المسيحيين”، يراه السنيورة “حين نقول لهم حصتكم محفوظة بغض النظر عن الكفاءة وهذا يعني أنك تعمل على تدمير الإدارة والمجتمع ما يحوّله إلى مجتمع غير كفوء… قبل العام 1975 كان التنافس هو الأساس في الإدارة ما يضطر كل طائفة إلى تقديم أفضل ما لديها من كفاءات فيما اليوم يتم تعيين الأزلام والمحاسيب فمن يتحمل مسؤولية هذا الأداء؟”.

لا يترك السنيورة صغيرة أو كبيرة إلا ويتطرّق إليها بالمباشر، يحلل بالوقائع والدلائل والبراهين ولو تجنّب تسمية الأسماء بأسمائها لناحية تحديد المسؤوليات والصلاحيات ومن تمرسوا في انتهاك الدستور وتقصدوا تعديل الطائف بالممارسة. يغمز من قناة رئيس الجمهورية حول خلق واقع بعيد عما حدده الدستور، ومن قناة رئيس حكومة يتغاضى عن ممارسة صلاحياته. أما المملكة العربية السعودية التي قصدها ضمن رؤساء الحكومة السابقين فهي بقيت معذورة في غض طرفها عن لبنان حتى العشرين من آب الماضي إلى حين انتهت من موسم الحج، فيما المطلوب اليوم إعادة تصويب الأمور التي سبق وتحدث عنها بالتفصيل يوم زار المملكة ولمس كل تجاوب وثناء.

جولة الرؤساء السابقين ومهمتهم لم تنته بعد، كان يفترض ان تستكمل بزيارة إلى الكويت لولا الظرف الصحي الذي ألمّ بأمير البلاد.

لا ييأس رئيس حكومة لبنان السابق ولا يمل، مشروعه المستقبلي هو “مرصد الطائف” ومن موقعه الماضي والراهن يبقى محيطاً بكل تفاصيل الاقتصاد كما السياسة وكلاهما مرتبط بالآخر. لن يتوقف “عن بذل كل جهد أستطيع أن أبذله”، غارفاً من معين النبي محمد يوم قال: “لو رأى أحدكم علائم يوم القيامة، وبيده فسيلة، فليغرسها”. وانطلاقاً من هذا القول فهو يؤمن أنّ “الاستمرار في القول لا بد أن يؤدي أكله يوماً ما”.