IMLebanon

دمج المدارس الرسمية: الأولوية مالية أم تربوية؟

كتبت فاتن الحاج في صحيفة “الأخبار”:

يفتح قرار دمج المدارس الرسمية الجديد نافذة على واحدة من المشكلات البنيوية في التعليم الرسمي. إقرار الخريطة المدرسيّة استناداً إلى التوزع الديموغرافي في العاصمة والمناطق هو البديل الفعلي من عشوائية إنشاء المدارس والثانويات وتفريعها، ثمّ اللجوء إلى إقفالها بعد أن تكون الأضرار قد وقعت

استبق وزير التربية أكرم شهيب بدء العام الدراسي في المدارس الرسمية، الإثنين المقبل، بقرارات وتعاميم «جراحية»، لـ«تلافي الهدر في المال العام» تطبيقاً لقرار وقف التوظيف والتعاقد. ومن التدابير التشدد في إكمال النصاب القانوني لمعلمي الملاك (بين 14 ساعة و20 ساعة للمرحلة الثانوية، وبين17 و24 للمرحلة المتوسطة، وبين 19 و27 ساعة للمرحلة الابتدائية)، وإلغاء الاحتياط، وتقليص تكليف المعلمين بالمهام الإدارية، ومنع نقلهم من التعليم الأساسي إلى الثانويات والمهنيات ودور المعلمين، وعدم تشعيب الصفوف.

ورغم أن تطبيق بعض هذه التدابير أربك الكثير من المدارس لا سيما لجهة تأمين النصاب القانوني إما بسبب وجود معلمين مرضى، أو كبار في السن في قسم الروضات تحديداً، أو بسبب نقل لغة التدريس من الفرنسية إلى الانكليزية، إلاّ أنّ قرار دمج 31 مدرسة رسمية متعثرة بمدارس أخرى قريبة جغرافياً حظي برضى بعض المديرين، باعتباره خطوة «إصلاحية» اتخذت بمعزل عن الحيثيات السياسية والمناطقية، وانطلاقاً من أن كلفة التلميذ في هذه المدارس تتخطى المعدل الطبيعي للكلفة الموضوعية.
في المقابل، رأى مديرون آخرون أن القرار الجديد لا يختلف كثيراً عن قرار وزيرة التربية السابقة بهية الحريري عام 2009 بإلغاء نظام الدوامين في مدارس الضاحية الجنوبية لبيروت، أو عن قرار وزير التربية السابق حسن منيمنة عام 2010 بدمج 78 مدرسة و3 ثانويات رسمية، لكونه لا يعدو «تدبيراً وقائياً مؤقتاً، بخلفية خفض الكلفة المالية فحسب، ومن دون إيلاء اهتمام كبير للمعطى التربوي».
ماذا في تفاصيل الدمج؟ يشرح رئيس دائرة التعليم الرسمي هادي زلزلي أنّ القرار اعتمد، كمرحلة أولى، على معيار «أن لا يقل عدد التلامذة في المدرسة عن 50 تلميذاً لبنانياً، إلاّ أنّنا راعينا خصوصية كل مدرسة، فجرى مثلاً الحفاظ على مدارس يقل عدد تلامذتها اللبنانيين عن 50 ولكن مبناها غير مستأجر». وبينما لا يخفي زلزلي أن عدد التلامذة في بعض المدارس المدموجة لم يكن يتجاوز 6 تلامذة لبنانيين، وهناك الكثير من الصفوف كانت تضم تلميذاً واحداً، يؤكد أهمية أن يستتبع القرار بقرارات مماثلة، لأنّه في الواقع قد تضم المدرسة 150 تلميذاً وتكون متعثرة.
هل هذا يعني أنه لا تزال هناك مدارس متعثرة؟ يشير زلزلي إلى أنها «خطوة إصلاحية أولى ستوفر عشرات ملايين الليرات التي تنفق على المباني المستأجرة، وتحفز مديري المدارس على الاهتمام أكثر بمدارسهم لجذب التلامذة»، مبدياً تفهمه لردة الفعل «الطبيعية» للأهالي والبلديات والقوى السياسية على قرار الدمج، «فمجرد إقفال مدارس تحت عنوان الدمج وخسارة مرفق عام مهم في القرية، يولد مرارة، بغض النظر عن المبررات». لكن، بحسب زلزلي، «تصبح الردود غير منطقيّة إذا ما نظرنا إلى الوضع الكارثي للمدارس الرسمية لجهة التوزيع العشوائي لها». ويجزم بأن معايير اختيار هذه المدارس دون غيرها، هو الإيجارات وعدد التلامذة ووجود مدرسة قريبة.
لكن ثمة من اعترض على البعد الجغرافي كما في حال مدرسة بيت الطشم في بعلبك الهرمل التي انتقلت إلى حوش السيد علي، فيما يفصل بينهما نهر العاصي؟ يوضح أنه لم تكن هناك امكانية للمحافظة على «بيت الطشم» فهي تضم 18 تلميذاً لبنانياً فقط ومبناها مستأجر. ولفت الى أنّ الأهالي يستطيعون «سحب» أبنائهم وتسجيلهم في مدارس يختارونها لأنّ دمج المدارس لا يعني بالضرورة دمج التلامذة.

المطلوب إقرار الخريطة المدرسية استناداً إلى التوزع الديموغرافي بدل عشوائية إنشاء المدارس وتفريعها

وفي ما يتعلق بالاحتجاجات المتعلقة بتعليم عدد كبير من التلامذة السوريين في المدارس المدموجة وخسارة المعلمين لساعاتهم، كما هي الحال في مدرسة صربا التي انتقلت إلى مدرسة الياس أبو شبكة حيث لا تعليم بعد الظهر لكون المدرسة تعتمد نظام الدوامين للتلامذة اللبنانيين، يشير زلزلي إلا «أننا لا نستطيع أن نفعل شيئاً لأن المبنى مستأجر ولن نحافظ عليه».
برأي مصادر تربوية، لم تتجاوز محاولات المعالجة في السنوات الماضية «الترقيع»، بدليل أن بعض المدارس المتعثرة التي تقفل كان يعاد فتحها خلال العام الدراسي نفسه بضغط من المرجعيات السياسية. وثمة قناعة راسخة بأنّ عدداً كبيراً من المدارس الرسمية بني في أماكن ليس فيها عدد كاف من التلامذة، وتفيض عن الحاجات الفعلية. إلا أن زلزلي يتحدث عن مدارس أقفلت وأعيد فتحها بعدما حسّنت وضعها كما حصل مع مدرسة شهداء عيناتا التي وصل عدد تلامذتها الى أقل من 10 عام 2010 واليوم باتت تضم 300 تلميذ.
ترى المصادر أنّ إقرار الخريطة المدرسية (تجميع المدارس) استناداً إلى التوزع الديموغرافي في العاصمة والمناطق هو البديل الفعلي من عشوائية إنشاء المدارس والثانويات وتفريعها، ثمّ اللجوء إلى إقفالها بعد أن تكون الأضرار قد وقعت. وفي ظل غياب هذا الخيار المنصوص عنه في خطة النهوض التربوي ستستمر سياسة الهدر على الصعيدين التربوي والمالي، وستبقى الضغوط السياسية لبناء مدارس في أماكن دون أخرى.