IMLebanon

شبكة تهريب “تصطاد” زبائنها عند المصنع… و”الطلب” إلى ارتفاع

كتب أسامة القادري في “نداء الوطن”:

 

توقّف أعمال العنف والحرب في العديد من المناطق السورية، لم يبدّل في المشهد الحدودي، ولا يزال طريق “التهريب” إلى لبنان في منطقة المصنع الحدودية اللبنانية منفذاً تنشط فيه عمليات تهريب “الأشخاص”، عبر طرق جبلية وعرة محاذية للحدود السورية واللبنانية والواقعة من جهتي معبر المصنع الجهة الشمالية بين المصنع ووادي عنجر، والجهة الجنوبية بين الصويري والجمارك اللبنانية، ومن محاذاة مركزي الأمن العام والجمارك، وأمام أعين الأجهزة يجعل منها المهربون مسرحهم الأوسع لعبور الوافدين السوريين، وفق آلية يحدّدها مهربون لبنانيون ويعمل معهم دليل طريق سوري، ويصل عدد العاملين في هذه “المهنة” إلى نحو 80 شخصاً، كما يبلغ عدد المتسللين خلسة إلى لبنان عبر هذه الطرق نحو 300 وافد يومياً، يوازيه في الخروج (العودة إلى سوريا) العدد نفسه وأحياناً يزيد بحسب ما أكده مهرّبون لـ”نداء الوطن”.
يكشف المُهرِّب عاصم (إسم مستعار) في الثلاثين من عمره، لـ”نداء الوطن” أن عمله مع زملائه مضنٍ وشاق، خصوصاً أنه في الآونة الأخيرة إشتد عليهم التضييق من عناصر الجيش اللبناني المنتشرين على هذه المنافذ، وقال: “رغم كل هذا التضييق يبقى لدينا منافذ سرية، لا يمكن لأي جيش أن يقفل كل المنافذ، كلما أقفلوا منفذاً نفتح منفذاً جديداً”، ولا ينكر أنهم أحياناً يسلكون “معابر خطيرة لمسافة طويلة وبظروف مناخية قاسية، ومنهم من قضى وحصلت حوادث موت جماعي لدى أناس تاهوا في الجبال أثناء العواصف”.

يقول عاصم إنه امتهن تهريب الأجانب منذ نحو ست سنوات: “كنت أعمل في محيط مبنى الأمن العام والجمارك اللبنانية في تبديل العملات وببيع تذاكر التأمين للسيارات القادمة إلى لبنان”. وبعدما رفعت مديرية الأمن العام من إجراءاتها وشروط دخول السوريين الى لبنان للحدّ من دخول النازحين، بدأ مسلسل التضييق، تراجع العمل حينها، فتوجه عاصم لاصطياد الأشخاص الميسورين لإدخالهم بطريقة شرعية بالتوافق مع أحد العناصر الأمنيين، وأوضح: “أستدرج الزبائن وأتفق مع أحد الموظفين المناوبين لإدخالهم مقابل مبالغ تصل إلى 500 دولار، كنت أتقاضى عن كل شخص بين 20 و 30 دولاراً”.

من وسيط إلى مهرّب

ولم يدم طويلاً عمل عاصم كوسيط، انتقل إلى العمل في تهريب البشر وشكّل شبكة تهريب مترابطة تبدأ من أفراد يعملون لديه في السوق الحرة السورية المحاذية “للأمانة السورية معبر جديدة يابوس”، يؤمن من هناك زبائن، وأيضاً يعمل لديه أشخاص في محيط مبنى الأمن العام اللبناني، حيث يصطاد من لم يحالفه الحظ في الدخول بطريقة شرعية، ويضيف: “كلما تشدد الأمن العام بإجراءاته كلما ارتفع الطلب على التهريب”، لا يخفي أن عمله يتطلب تعاوناً مع الأجهزة الأمنية والعسكرية، حتى أن هناك عناصر يتصلون بنا ليؤمنوا الطريق مقابل مبلغ معين”، مردفاً: “نحنا اللي بنهربهم ناس دراويش ومشحرين، بس المشكلة باللي عم يفوتوا بسيارات مفيمة وبطريقة نظامية بسيارات تابعة للمقاومة. السيارات منها لضباط ومنها لعناصر “حزب الله” ومنها لأحزاب موالية لسوريا، جميعها تعمل في تهريب الأشخاص مقابل مبالغ ضخمة”، ولا ينكر أنه اتفق مع غالبية المهربين على تحديد الأسعار، وتبدأ من 100 دولار وتصل الى 300 دولار، يتم نقل الشخص من المنطقة الفاصلة بين الحدودين وتأمين الطريق له، وصولاً الى بيروت.

ويستدرك أن الذين يدخلهم الى لبنان هم من يعجزون عن تأمين كفيل، أو حجز فندقي، يمرون من عند الأمن العام السوري ولديهم قسائم، والبعض الآخر يكون هارباً من الخدمة العسكرية، ومنهم من يريد دخول سوريا والعودة حتى لا تشطبه مفوضية الامم من سجلاتها، ويفصح أن عدد العاملين في التهريب نحو 80 شخصاً، يتوزعون على 10 مجموعات، وعلى نقاط الحدود الرسمية والمعابر الجبلية يرافقون الأشخاص المُهَرَّبين، ويضيف أن “الهاتف الخلوي وتحديداً الواتس آب هو الأساس في العمل والتوجيهات، جميع الأشخاص يحملون ثلاثة هواتف، الخط الأساسي رقم سوري، وخطان آخران”، ويقول إن المهربين يستعملون “مصطلحات مبهمة” في ما بينهم.

من المصنع إلى الصويري

وفي هذا السياق تحكي سهام وهي سورية من ريف درعا أنها باتت ليلتين عند نقطة المصنع اللبناني في العراء، بين الشاحنات المركونة في محيط مبنى الأمن العام، وذلك بعد رفض عناصر الأمن العام شروط دخولها رغم أنها أمّنت مبلغ ألفي دولار وصوّرتها وأمنت حجزاً فندقياً، ورفضت السلطات إعطاءها تأشيرة الدخول. وتقول “إستأجرت مبلغ ألفي دولار بـ 40 دولاراً وأمنت الحجز بـ 70 دولاراً، وما وافقوا فوت نظامية”، ليلحق بها أحد السماسرة وينصحها بالدخول خلسة مقابل مئة دولار. فانتقلت هي وسبعة أشخاص 5 نساء ورجلان، من منطقة قريبة من “الفيلق السوري”، وهو موقع عسكري للجيش السوري، بين الحدود اللبنانية السورية وفتح لهم الحاجز و”سلكنا طريقاً جبلياً نحو أربع ساعات على الأقدام”ً، يرافقهم شخص يطلق عليه اسم “الراعي”. لم تقطع سهام المسافة بسهولة إنما كانت شاقة ومذلة، كونها كانت تحمل حقائبها التي بدأت تستغني عنها تباعاً حتى وصلت إلى تخوم بلدة الصويري في البقاع الغربي من دون حقائب سوى التي على كتفها، ومن هناك تم نقلها إلى أحد المنازل لتبيت فيه هي ومن معها ومن ثم تمّ نقلهم إلى بيروت بواسطة فان عمومي.

هروب من التجنيد الإجباري

عمل التهريب في منطقة المصنع الحدودية ليس أمراً جديداً، إنما هو عمل تاريخي منذ أن عرفت هذه الحدود، والتي أطلق عليها سابقاً “وادي الحرير”، كما ليس بعيداً من أعين الدولتين اللبنانية والسورية العاجزتين عن تأمين بديل للمواطنين المقيمين في القرى الحدودية. وشهدت عمليات التهريب مرات عدة وقوع مهربين ومن معهم بأيدي الأجهزة الأمنية، ومراراً يقع ضحايا من المُهَرَّبين ومن المُهرِّبين في هذه الجرود، منهم نتيجة حالة التيه في الجرود القاسية أثناء العواصف ومنهم نتيجة تبادل إطلاق النار مع “الهجانة” حرس الحدود السورية، ومع عناصر الجيش اللبناني.

لا يخفي يزن المحمد القادم من حلب، أنه هارب من التجنيد الإجباري في سوريا، ويقول إنه وصل منذ شهر ليقيم مع إبن عمه في برالياس: “كلفتني الرحلة من حلب الى لبنان ألف دولار، دفعت 400 $ للمهرب اللبناني، وللمهرب السوري عند الحدود السورية 350$ حتى أتخطى الأمن العام السوري، و250 دولاراً حتى اتخطى الحواجز داخل سوريا”. ويروي يزن أن عملية تهريبه عند الحدود كانت في الليل، قطع مسافة نحو 2 كيلومتر في جديدة يابوس، وحوالى كيلومتر في المصنع، ويقول: “المهرب السوري أمّن الإتصال بمهرب لبناني في المصنع، أعلمه أنني هارب من التجنيد، يعني أنني لم أعبر رسمياً الحدود السورية، فطلب 500 دولار، وبعد إلحاح من المهرب السوري، خفض المبلغ إلى 400 دولار”، بعدها مكث في مكان قريب من الحدود اللبنانية ثماني ساعات، في منطقة مظلمة وخالية وجد فيها أربع نساء وثلاثة أطفال ورجلين، وقبل موعد الانطلاق حضر شاب عشريني معه فتاة وشابان، وأضاف: “بعد نصف ساعة إنطلقنا خلفه مشياً على الأقدام في منطقة جبلية مسافة نحو كلم صعوداً، على يمين القادم من سوريا”.

تشدّد الأمن العام

مصدر أمني مطلع يؤكد لـ”نداء الوطن”، تزايد عمليات التهريب عبر منافذ في الجهة الشرقية الشمالية في خراج بلدة مجدل عنجر البقاع الأوسط، وفي الجهة الجنوبية الغربية في خراج بلدة الصويري في البقاع الغربي. كلما تتشدّد مديرية الأمن العام بإجراءاتها للحد من تدفق السوريين إلى لبنان كلما زاد الطلب على الدخول خلسة، موضحاً أن الجيش في الآونة الأخيرة شدد قبضته على المنافذ الجبلية، إلا أنه لا يمكن أن ينشر على طول الحدود عسكره لمنع التهريب.

وفي ذات السياق يجزم المصدر الأمني أن قرار الأمن العام بإعطاء منع دخول للسوري المخالف، رفع من نسبة الإقبال على الدخول خلسة والعودة إلى سوريا بطريقة غير شرعية، “هناك أكثر من 80% من السوريين في لبنان تحولوا إلى مخالفين، لذا يستسهلون العودة إلى سوريا خلسة ثم يعودون إلى لبنان بالطريقة نفسها”، ليضيف المصدر مساوياً بين وجود المتسلل على الأراضي اللبنانية وبين الذي دخل بموجب حجز فندقي، ليردف: “الحجز الفندقي هو حجز وهمي يعني هناك أشخاص يؤمنون الحجز الفندقي لإتمام الإجراءات فقط، ولدى دخولهم يقيمون في مكان آخر، وبالتالي يجب على مديرية الأمن العام اللبناني أن تتساهل في دخول السوري بخاصة من يضع عنوانه ورقم هاتف لبناني قريب منه ومحدد”.