IMLebanon

مفتي طرابلس والشمال على لائحة اعتراضات الثوّار.. ولكن!

كتب مايز عبيد في “نداء الوطن”:

مع إنطلاق ثورة 17 تشرين، إلتحقت مدينة طرابلس بالإنتفاضة مباشرة ونزل أهلها إلى الساحات مباشرة حتى أصبحت فيما بعد تكنّى بـ “عروس الثورة”. قد لا يكون الجواب على السؤال: لماذا تفاعلت طرابلس مع هذه الثورة؟ فيه الكثير من الذكاء. فالأمر بديهي. وطرابلس التي لطالما اتسمت بالحرمان وعاشت جولات عنف قضت على اقتصادها ودمّرت مستقبل شبابها، حتى صارت المدينة الأفقر على ساحل المتوسط. وإذا ما أضفنا أن “في طرابلس أغنياء يملكون أضخم الثروات مثل نجيب ميقاتي ومحمد الصفدي وغيرهما …”، يصبح ولع الطرابلسيين بالثورة على أنها المخلّص الوحيد مما تعيشه المدينة من بؤس، أمرًا بديهيًا جدًا.

في بداية الثورة اتخذ سياسييو طرابلس ورجال الدين، خصوصا مفتيها الشيخ مالك الشعار موقفا حيادياً مما يجري. ربما يعود ذلك إلى حالة الترقب: هل ستكمل الإنتفاضة مشوارها؟ أم أنها ستنتهي؟ لكن المجريات على الأرض أشارت إلى أن “هذه الثورة مستمرة”. كان الثائرون دائمًا يطالبون مفتي طرابلس والشمال مالك الشعار بموقف ما حيال ما يجري تمامًا كما كانوا يطالبون سياسيي المدينة. مواقف السياسيين لم تأتِ كما اشتهى الحَراك الشعبي. وحده الشعار أطلق موقفًا بعد نحو أسبوعين على اندلاع الإحتجاجات فأيّد مطالب الناس المحقّة وقال حينها “هذه الثورة تبرهن عن ضمير حي لشعب أبيّ يتمتع بعنفوان كبير ليطلق صرخة ما يدل على انه شعب يئن من جوع لا يطاق ومن مشاكل اجتماعية وانسانية لا يتمكّن انسان من حملها. أحيّي الحركة البطولية التي قام بها الاحرار والابطال والثوار وأملي ان يكملوا طريقهم حتى تحقيق الغاية الكبيرة لتغيير النظام الذي عشعش فيه الفساد والاستبداد”.

أطلق الشعار هذا الموقف واكتفى به. المعتصمون في الساحات كانوا يطالبونه بخطوات أكبر لدعم ثورتهم على الأرض واندفاعتهم في وجه السياسيين وهو المعروف عنه بأنه لا يعادي أحدًا من سياسيي المدينة ويميل إلى الرئيس سعد الحريري بشكل أكبر.

مع تقدم الوقت اتخذت الإحتجاجات في المدينة منحى آخر. المتظاهرون صاروا يجولون على منازل السياسيين ويطلقون الهتافات ضدهم. لم يسلم أحد من هذه الجولات الثورية. بقي المركز الديني بمنأى عن هذه الجولات حتى أتت الأحداث التي شهدتها بيروت بين شبّان من طرابلس وشبان آخرين من منطقة الخندق الغميق والهتافات النابية التي طالت رئيس مجلس النواب نبيه بري… لاحقًا اتصل الشعار بالرئيس بري “مستنكرًا هذا الأمر باسم أهل طرابلس”. كان يكفي جولة على وسائل التواصل الاجتماعي وما أوردت للتأكد من ذلك. تصرّف المفتي استفزّ المتظاهرين الذين نزلوا مباشرة إلى أمام منزل الشعار وأطلقوا الهتافات من جديد ضد بري والشعار معًا.

يقول الشعار لـ”نداء الوطن”: “أكثر الناس لا يعلمون.. لو عرفوا الحقائق لقدّموا الشكر والإمتنان إليّ لكل ما أقوم به. إتصالي بالرئيس بري سدّ بابًا كبيرًا من أبواب الفتنة وأنا بعملي أُرضي الله عز وجل. لقد نزّهت طرابلس عن الكلام البذيء في الساحات فأهل طرابلس أهل ثقافة ولا يمكن أن يصدر عنهم هكذا كلام”. ووضع ما حصل أمام منزله بأمر من “الطابور الخامس الذي حرّك أيضًا التظاهرات تحت منازل السياسيين في طرابلس لحرف الثورة أو الحَراك عن أهدافه الأساسية”. ويشدد على أن “هناك وضعاً مؤلماً في طرابلس لا شك. لكن ليس بمقدور شخص أو مسؤول وحده معالجة كل هذا التراكم. وضع طرابلس بحاجة إلى أن يلتقي كل المسؤولين مع الدولة ويشبكوا الأيادي من أجل النهوض بالمدينة”. هنا يستطرد: “لقد التقيت عددًا من شبّان الحَراك ومنهم من شارك بالتظاهرة تحت بيتي. إنهم فعلاً شبّان بحاجة إلى فرص عمل واحتضان من الدولة لكن ثمة من يحرّكهم باتجاهات أخرى لدفعهم إلى تصرفات تخدم توجهاتهم. لقد ناقشت معهم الأوضاع: هم أخبروني أن منهم أشخاص أيضاً فقدوا أشغالهم وهذه مشكلة بدأت رقعتها تتسع.. أخبروني أنهم لا يثقون بكل الطبقة السياسية. هم يريدون العيش الكريم. وكانوا مسرورين أن يسمعوا مني كلام العقل والحكمة وهناك أشخاص منهم لم يكونوا في السابق قد رأوني أو زاروني. أنا نصحتهم بإتقان أسلوب الخطاب مع الجميع بمن فيهم السياسيون وأن ما حصل أمام منزلي أو منازل السياسيين ليس هو الحل، وإننا سنسعى جميعا لما فيه الخير. هم كانوا بحاجة فعلًا لمثل هذا التوجيه الذي سمعوه مني شخصيًا”.

هناك من يرى أن المفتي لا يهتم بأمر الناس وأداؤه سياسي. يرد الشعار على هذا الكلام: “لقد عرفتم شيئاً وغابت عنكم أشياء. لأن مساحة الحركة أمام أهل بلدي لا يكاد المرء يصدقها. إن كل من قصد دار الفتوى لأي نوع من المساعدة سواء الصحية والإجتماعية وأي خدمة كانت فإنه لا يُرد خائبًا. هذا مع العلم أنه ليس لدي أية ميزانية. بل أتحرك من خلال رجالات المدينة وأتعاون من باب الحسّ الديني والمسؤولية الإنسانية. يعلم الله وحده ما أقوم به تجاه الناس وعلاقتي بالرئيس الحريري أم الرئيس بري أم أي سياسي كان أستثمرها لمصلحة أهل مدينتي ولا أذيع سرًا إن قلت إن هناك عدداً من الموقوفين ظلماً في سجن رومية استطعنا الإفراج عنهم من خلال هذه العلاقة”.