IMLebanon

مأزق تشكيل الحكومة اللبنانية

التقى رئيس الحكومة اللبنانية المكلف حسان دياب، الجمعة، بالرئيس ميشال عون في إطار المشاورات الصعبة التي يجريها لتشكيل الحكومة الجديدة، فيما رجح مصدر مقرب من الرئيس اللبناني أن يتم الإعلان عن التشكيل الحكومي الجديد بعد عيد رأس السنة.

وقال ذات المصدر إن عون التقى رئيس الحكومة المكلف حسان دياب، بالقصر الرئاسي في بعبدا بالعاصمة بيروت. وأضاف أنّ اللقاء دام لمدّة ساعتين، وتمّ التطرّق إلى مواضيع مختلفة.

وبخصوص إن كانت هناك ولادة للحكومة في وقت قريب، ذكر المصدر “القائمة الإسمية للوزراء ليست جاهزة حتى الساعة”، مؤكدا “لا ولادة للحكومة في اليومين المقبلين، ومن الأرجح أن تكون بعد عيد رأس السنة”.

ووفق المصدر نفسه، تباحث الجانبان حول “الحقائب الوزارية وتوزيعها، وحول فكرة دمج بعضها دون تحديد أو تفاصيل إضافية، فيما غادر دياب القصر الرئاسي دون الإدلاء بأي تصريح”.

وستخلف هذه الحكومة حكومة سعد الحريري، التي استقالت في 29 أكتوبر الماضي، تحت وطأة احتجاجات شعبية مستمرة منذ السابع عشر من نفس الشهر.

الطبقة السياسية ما زالت عاجزة عن رعاية ولادة حكومة تكون مستقلة عن النفوذ السياسي لحزب الله
وبناء على استشارات نيابية ملزمة، كلف الرئيس عون، الخميس الماضي، دياب، الذي شغل سابقًا منصب وزير التربية والتعليم العالي، بتشكيل الحكومة.

وقال دياب، السبت، إن لبنان في “العناية الفائقة”، ويحتاج “حكومة مستقلين”، وإنه يرغب بأخذ رأي الحراك الشعبي بشأن هذه الحكومة. ويحيط الغموض بعملية تأليف الحكومة. ولا يشعر المراقبون بأن الأمر جديّ وقد يؤدي فعلا إلى التوافق الداخلي على إنتاج حكومة إنقاذ يمكن قبولها من الخارج. ويشتبه هؤلاء في أن ما يجري من مداولات وتسريب لا يعدو كونه تقطيعا للوقت بانتظار صفقة أخرى، قد تكون مفاجِئة، تنهي المرحلة التي بدأت منذ طرح حسان دياب مرشحا ثم رئيسا مكلفا للحكومة.

وذكرت مصادر سياسية أن العديد من الشخصيات السنية التي تم الاتصال بها، قد اعتذر عن المشاركة في حكومة دياب، وأن لا أحد داخل الطائفة السنية متحمّس للقبول بمركز وزاري في أجواء سنية محتقنة ضد الطريقة التي تم بها اختيار دياب بما ينتهك الميثاقية المنتهجة تقليديا لحماية العيش المشترك في البلاد.

ونفت مصادر دبلوماسية في العاصمة اللبنانية كل المعلومات التي رجّحت دعم الولايات المتحدة لتسمية حسان دياب لتشكيل الحكومة. وأكدت أن موقع دياب كنائب لرئيس الجامعة الأميركية في بيروت يأتي في سياق أكاديمي صرف لا يرتبط بسياسات واشنطن في لبنان، ناهيك عن أن ليس للجامعة أي أجندة تتسق مع سياسات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

وقالت المصادر إن رئيس الجامعة الأميركية في بيروت، فضلو خوري، سبق أن نفى ما أشيع من أنه رشّح للرئيس اللبناني ميشال عون اسم دياب، وبالتالي لا شأن لأي مؤسسة أميركية في أمر تكليف دياب لتشكيل الحكومة المقبلة في لبنان.

 

مشاورات صعبة
ورأت المصادر أن مهمة وكيل وزارة الخارجية الأميركية للشؤون السياسية ديفيد هيل أثناء زيارته الأخيرة للبنان كانت استكشافية هدفها نقل صورة للإدارة الأميركية حول الوضع اللبناني، وأنه بهذه المناسبة ذكّر المسؤولين اللبنانيين بالمعايير الأميركية – الدولية المطلوبة من الحكومة المقبلة للإفراج عن أي مساعدات مالية، مع التأكيد على ثبات موقف واشنطن من الجيش اللبناني ومن استمرار العمل ببرنامج المساعدات الأميركية للمؤسسة العسكرية.

واعتبرت المصادر أن هيل دعم مزاج الحراك الشعبي اللبناني وأيد مطالبه وأوحى لكل الطبقة السياسية بخارطة طريق وجب على الحكومة المقبلة الالتزام بها.

وتقول معلومات دبلوماسية في بيروت إن موقف رئيس الحكومة المستقيل سعد الحريري بالإصرار على تشكيل حكومة اختصاصيين مستقلين لم يأت بناء على مزاح شخصي أو كيدي، بل استند على معطيات دولية، عبر عنها خصوصا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في رفض أي حكومة سياسية أو تكنوسياسية يشتم منها استمرار نفوذ حزب الله داخل الحكومة اللبنانية. وتضيف المعلومات أن استعارة الرئيس المكلف دياب لصيغة حكومة الاختصاصيين المستقلين والتمسك بها في تصريحاته ومواقفه حتى الآن، تعود إلى تبلّغه بما يشبه القرار الدولي في هذا الشأن.

وترجح بعض الأوساط السياسية أن يكون الموفد الأميركي، هيل، قد أبلغ وزير الخارجية في الحكومة اللبنانية المستقيلة، جبران باسيل، بجدية المعايير الأميركية – الدولية، كما بجدية شرط عدم مشاركة حزب الله في الحكومة المقبلة.

وكان هيل قد التقى باسيل في منزله لأكثر من ساعتين تخللتهما مأدبة غداء، على نحو أثار ضجيجا في لبنان حول معنى هذا الاجتماع مع شخصية لبنانية لطالما قيل إن واشنطن ترفض التعامل معها.

 

وتقول الأوساط إن الاجتماع بين هيل وباسيل كان بمثابة شكل من أشكال التفاوض غير الرسمي بين واشنطن وحزب الله، بحيث أبلغ هيل باسيل بما تريده واشنطن من لبنان ومن حزب الله. ولم تستبعد الأوساط قيام باسيل خلال الاجتماع بالتواصل مع حزب الله لنقل رسائل معينه من الحزب إلى الضيف الأميركي.

وتخلص الأوساط إلى أن اجتماع هيل مع باسيل هو الذي دفع باسيل ومن ورائه الرئيس عون إلى التحدث عن حكومة متخصصين مستقلين يعمل على تشكيلها دياب.

وتلفت مصادر سياسية لبنانية مطلعة إلى أن الطبقة السياسية المتحالفة مع حزب الله ما زالت عاجزة عن رعاية ولادة حكومة تكون مستقلة عن النفوذ السياسي لحزب الله وحركة أمل والتيار الوطني الحر، وأن ما رشح من أسماء محتملة داخل حكومة دياب المقبلة، يكشف عن سعي للتشاطر على اللبنانيين والحراك الشعبي كما على المجتمع الدولي، لاسيما الولايات المتحدة، لجهة تقديم وجبة حكومية ظاهرها من التكنوقراط وباطنها ارتباط كامل مع أحزاب السلطة. وترى هذه المصادر أن المعضلة تكمن أيضا في الخلاف المندلع داخل معسكر الصف السياسي حول توزيع الحقائب وطبيعتها بين حلفاء حزب الله، على الرغم من احتمال عدم قبول هذه الحكومة من قبل الدول المانحة.

وترى مصادر برلمانية أن الحملة التي شنها زعيم تيار المستقبل سعد الحريري ضد الرئيس عون وصهره الوزير باسيل تستند على معطيات ترجح عدم تعامل دول الخليج كما العواصم الدولية مع الحكومة العتيدة، التي ستعتبر واجهة مزيفة لنفوذ حزب الله وإيران في لبنان. وتضيف المصادر أن الثنائية الشيعية قد لا تكون معولة على دياب وحكومته، خصوصا وأن معلومات أشارت إلى استمرار حزب الله تفضيل عودة سعد الحريري لرئاسة حكومة ما زال الحزب يريدها تكنوسياسية.

ويحذر مراقبون مما أشيع عن توجه لدى نواب تيار المستقبل لتقديم استقالاتهم من مجلس النواب اللبناني. فعلى الرغم من نفي هذه الأنباء، إلا أن ما أشيع يلوح بالاحتمالات التي يمكن أن يذهب إليها “المستقبل” في معركة “إقصاء السنة” عن النظام السياسي اللبناني.

وتلفت المصادر البرلمانية إلى أن وجود مزاج سني عام عدائي ضد دياب وحكومته يحصن موقع الحريري داخل الطائفة السنية كما يحصن موقعه بالنسبة لحزب الله وحركة أمل اللذين يتحريان غطاء سنيا يمنح أي حكومة شرعية سياسية لبنانية كما يمنحها قبولا خليجيا ودوليا ضروريا لفك أزمة البلاد الاقتصادية الخطيرة.

وتخلص هذه المصادر إلى أن حزب الله وحلفاءه يمتلكون الأغلبية في مجلس النواب لمنح حكومة دياب الثقة، وأن المشكلة ليست عددية ولكن سياسية وطنية لجهة أن الحكومة ستفرض على اللبنانيين دستوريا لكنها لن تحظى بغطاء سني ولا بمشاركة تيار المستقبل وستكون دون مشاركة القوات اللبنانية والحزب التقدمي الاشتراكي وحزب الكتائب.

وتتوقع المصادر أن يدخل لبنان وفق هذا العنوان الحكومي العددي المحتمل في نفق مظلم بسبب حالة احتقان ستتفاقم في الداخل وبسبب ضغوط دولية قد لا تكتفي هذه المرة باستهداف حزب الله وبيئته لتطال كافة القوى السياسية والاقتصادية التي تتواطؤ مع حزب الله في بناء منظومته السياسية في لبنان.