في وقت سجّلت محاولاتُ استيلاد الحكومة العتيدة، انتكاسةً جديدة في الساعات الماضية، من دون معرفة ما إذا كانت “الضربة” التي تلقّتها “عرضية” أم ستُدخلها في غيبوبة طويلة الأمد، لا يزال اللبنانيون كما المجتمع الدولي في انتظار خروج “المولود”، ابنِ الفريق السياسي الواحد، إلى الضوء، لتفحّص معالمه وجيناته، وإخضاعه لتشريح دقيق ومفصّل، شكلًا ومضمونًا. حتى الساعة، ما رشح من معطيات في شأن تركيبة الرئيس المكلف حسان دياب الوزارية، لا يشجّع. إذ يؤشر إلى أن الحكومة “سياسية” برداء “اختصاصيين”، وأنها نسخة عن تلك التي تُصرّف الأعمال، حيث تم استبدال الوزراء الحاليين بمستشاريهم ومساعديهم، وبقيت الحقائب الرئيسية الأساسية مع القوى السياسية عينها.
هذا الواقع، إذا صدق، فإنه لن يحظى لا بمباركة الشعب الثائر الذي سينتفض في الشارع لإسقاطه ولا برضى الدول المانحة… بحسب ما تقول مصادر سياسية مطّلعة لـ”المركزية”، فإن التحالف الحاكم يراهن على مساعدات خارجية سيتلقاها لبنان فور تشكيل الحكومة العتيدة، لمساندة الأخيرة في عملية وضع قطار الخروج من الأزمة الاقتصادية – المالية – المعيشية الخانقة، على السكة. ويعوّل أهل السلطة، على بيان وزاري ستتم صياغته بتمعّن ودقة، تُطل به الحكومة على دول “سيدر”، لتشجيعها على الاستثمار في بيروت. إلا أن المصادر تلفت إلى أن هذا الرهان، قد لا يكون في مكانه… فالمجتمع الدولي “اكتوى” من وعود الدولة اللبنانية وتعهّداتها. والمطلوب هذه المرة ليس كلامًا معسولًا منمّقًا جميلًا، بل أفعال حسية واقعية.
وهنا، المقصود ليس “اقتصاديا” حصرًا، بل سياسي أيضًا. فإلى الإصلاحات المنشودة بإلحاح من قِبل الخارج – والتي تبدأ بتعيين الهيئات الناظمة في الكهرباء والاتصالات وتصل إلى محاربة التهريب وضبط المرافق العامة(…)- ثمة إصرار دولي أيضًا على تقيّد لبنان بسياسة النأي بالنفس وعدم التدخل في شؤون وشجون المنطقة، لا سياسيًا ولا عسكريًا. المصادر تشير إلى أن البيان الوزاري قد يعتمد الصيغة التي وردت في كلمة رئيس الجمهورية ميشال عون أمام السلك الدبلوماسي منذ أيام، لمقاربة هذه القضية، وجاء فيها “قدر لبنان ورسالته أن يكون أرض سلام وحوار وتسامح، ولذلك وجب الحفاظ على الاستقرار والتعايش فيه، من هنا تمسّكنا بالقرار 1701 وبالقرارات الدولية والشرعية الدولية القائمة على العدالة والحق بتأمين استعادة حقوقنا وأرضنا ومنع التوطين في لبنان، وكذلك تمسّكنا بمبدأ تحييد لبنان عن مشاكل المنطقة وإبعاده عن محاورها لإبعاد نيرانها عنه من دون التفريط بقوة لبنان وحقه في المقاومة وقيام استراتيجية دفاعية تعزّز هذه الفرصة بالتفاهم بين كل اللبنانيين”.
هذا الموقف الجيد، تتابع المصادر، من الضروري ترجمته عمليًا على الأرض، بانسحاب “حزب الله” من سوريا وبرفض الدولة اللبنانية اندفاعتَه المتجدّدة نحو التدخل في الشأن العراقي، خاصة بعد اغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني. أما الاكتفاء بعبارات “حبرا على ورق”، فلن يُعجب المجتمع الدولي، والذي يُقال، بحسب المصادر، إن سفراءه حذورا المعنيين في الأيام الماضية، من أن دولهم لن تتحمّس للتعاون مع حكومة، يظهر أنها، من حيث شكلها وروحيّتها، حكومة “حزب الله” (واستطرادًا إيران) في بيروت، وقد صنّفته الخزانتان البريطانية والأميركية، بشقيه، السياسي والعسكري، إرهابيًا.
الوضع دقيق إذا، تتابع المصادر. فإذا تمكّن أهل بيت 8 آذار من تجاوز خلافاتهم والاتفاق في ما بينهم على تركيبة وزارية، وارتضى اللبنانيون إعطاءهم فرصة رغم مطالبتهم بحكومة اختصاصيين “مستقيلن”، فإنه سيتعين على السلطة إثبات جدية في محاربة الفساد وفي الحياد للمجتمع الدولي، وإلا طار الدعم المرجوّ، وتحمّلت حكومة اللون الواحد مسؤولية الانهيار المحتوم..