IMLebanon

بين ضجيج وضجيج.. الكورونا يقضي على ما تبقى من عقول اللبنانيين

كتبت نوال نصر في صحيفة “نداء الوطن”:

سمّوه كورونا لأنه مغلفٌ في ما يُشبه التاج. فهل يستحقّ أن يُنعت باللقب الملوكي بين أوبئة هذا الزمان أم سيأتي يوم قريب نترحم فيه على زمان “كورونا”؟

قبل عامٍ قرر “بيل غيتس” أن يقرأ بصوتٍ عالٍ في التحديات المقبلة، فأغمض عينيه قليلاً، فرك فيهما، ثم عاد وفتحهما مدلياً بنبوءة: “إذا كان هناك شيء واحد نعرفه من التاريخ، فهو أن مرضاً جديداً مميتاً سيظهر وسينتشر في جميع أنحاء العالم، ومن الوارد أن يحدث ذلك في غضون العقد المقبل ونحن لسنا مستعدين له”. فهل علينا أن نضيف على ألقاب الرجل لقب البراج؟ أم علينا أن نسأل ماذا عن الكلام حول الأخلاقيات في ملفات طبية قد تؤدي الى ولادة فيروسات وعدم التحكم بفيروسات، أم علينا أن نقتنع أن الأوبئة العالمية من نتائج ما هو أقوى من الإنسان؟

الخشية من عبثية هذا العالم بصحة سكان العالم متعددة الأوجه لكن ما دمنا تكلمنا عن “البصار البراج” بيل غيتس نستعين بقوله: إن الوباء المقبل يمكن أن ينشأ من شاشة الكومبيوتر عبر محاولة إرهابية لاستخدام الهندسة الوراثية لإنشاء نسخة إصطناعية من فيروس الجدري مثلاً أو سلالة شديدة العدوى من الأنفلونزا.

إذاً، علينا أن نستعدّ الى الأوبئة كما نستعدّ للحرب.

في العالم ضجيج كثير حول الفيروس الجديد وفي لبنان، بين ضجيج وضجيج، يتسلل “كورونا” متوجاً القضاء على بعض ما تبقى من عقول في رؤوس اللبنانيين. فما رأي أستاذ مادة الوبائيات وطب المجتمع في الجامعة اللبنانية في بيروت الدكتور سليم أديب؟

يبدأ الدكتور أديب إجاباته من لب الموضوع، من الطفرة الفيروسية ويقول: تُبدِّل الفيروسات شكلها المناعي في شكلٍ طبيعي طوال الوقت. والعالم يستعدّ سنوياً الى إعداد لقاح لأنفلونزا يعرفها، لكن حين يتغيّر فيروس الأنفلونزا في شكلٍ غير محسوب تقع المشكلة. ويطرح أديب سؤالاً ويجيب عليه: لماذا تنتشر حالياً الأوبئة العالمية؟ يحدثُ هذا بسبب التغيير الإقتصادي والإجتماعي والحضاري المتأثر بظاهرة العولمة. ويستطرد: زمان، حين كانت تحدث الطفرة في ضيعة بعيدة نائية كان يدفع ثمنها أهل الضيعة الصغيرة في العالم الكبير، أما اليوم فتحصل في مدن تضمّ ملايين البشر ويقصدها ملايين آخرون، وبالتالي ما عادت تؤثر على 200 شخص بل على مليونين وأكثر.

العالم أصبح ضيعة والضيعة باتت مفتوحة على العالم. كلّ شيء في زمن العولمة يتغيّر. أضيفوا إليه عامل سهولة التنقلات. فالطاعون استغرق انتقاله في القرون الوسطى بين روسيا ولندن خمسة أعوام، أما اليوم فانتقل، في أقل من خمسة أيام، من هونغ كونغ الى فانكوفر وصولاً الى بوردو الفرنسية. هذه هي، بحسب أديب، نتائج العولمة وانفتاح العالم على بعضه.

يشرح أستاذ علم الأوبئة كيفية انتشار الأوبئة وعلى من يقوى ومن يقوى عليه: كلما ارتفع عدد البشر الذين تعرضوا الى الفيروس وتغلبوا عليه، كلما اشتدّت المناعة بين الناس تجاهه وفقد من قوته. ويضيف: كل شخص تظهر لديه الإصابة يكون في محاذاته عشرة على الأقل تغلبوا عليه، وكلما تغلب البشر على الفيروس اشتدت المناعة المجتمعية. وبالتالي، وبتفسيرٍ أدق، تكون أول موجة من الوباء خطيرة ثم تصبح الموجة الثانية أقل خطراً ثم تتحول مع الموجة الثالثة الى فيروس عادي.

60 مليوناً في الكرنتينا

إذا كان بيل غيتس سبق وتبصر وتنبأ فإن سليم أديب قادر هو أيضاً أن يعلن اليوم وبالفمِ الملآن: إنتظروا وباء جديداً كلّ سنة.

النبوءة مرتكزة على وقائع فيها أن العالم تغيّر وتبدل وباتت قابلية الأوبئة على الإنتشار كبيرة. وفي هذا الإطار يعلّق أديب: ما يهمّ ألا نتعامل بهلع مع أيّ تطور وبائي. الصين حاولت أن تحدّ من هذا الهلع وهي أعدّت “كرنتينا” بتوجيهات صارمة وشديدة، ووضعت فيها نحو ستين مليون نسمة منعتهم من الخروج. الهلع يرتدّ سلباً وإيجاد الحلول بوعي يقلّص كثيراً من الخسائر.

هناك من يتحدث عن شركات أدوية تدخل على خطّ الأوبئة للإستفادة منها. فهل علينا أن نصدّق؟

يقول أديب: الوباء ينطفئ، أو سينطفئ، في حدّ ذاته بسبب إنتاج “المناعة الجماعية”. في كلّ حال، هناك مرحلة ما نظن فيها أننا نجحنا على كلّ الأوبئة لكن لا يلبث أن يعود وباء ما. في سبعينات القرن الماضي إكتشفنا لقاحات لعدد من الأوبئة وبدلنا من نمط عيشنا. وظننا أننا تغلبنا على الطاعون والكوليرا. وفجأة ظهر فيروس النقص المناعي السيدا. قبل أعوام كثيرة من ظهور هذا الفيروس على صعيد العالم سرت معلومة عن وفاة شاب في الثامنة عشرة من عمره بمرض خطير. يومها رفضوا دفنه من دون معرفة سبب وفاته. وبعد سنين كثيرة تبيّن أنه مات بفيروس السيدا. وسؤالنا كان: لماذا لم ينتشر هذا الفيروس يومها؟ هل هناك من تدخل حين ارتأى لينتشر الفيروس بعد سنين؟ لكننا عدنا واكتشفنا أن الظروف الإجتماعية الأولى يوم حصلت أول وفاة لم تكن كما الظروف الإجتماعية اللاحقة. العولمة تدخلت.

في انتظار اللقاح

لا مؤامرات دولية وراء انتشار الأوبئة. الدكتور سليم أديب يؤكد على هذا لكنه لا يلبث أن يعود ويستطرد: حصلت سابقة قبل أعوام، بدايات انتشار أتش1 أن1 واستخدم دواء ما لبث أن تبيّن أنه غير فعال. هذا لا يعني أن تلك المعادلة عادت وتكررت.

ماذا عن فيروس كورونا الحالي؟ هل علينا أن ننتظر إنتاج لقاح له لنطمئن؟

يقول أديب: آخر كورونا ظهر (قبل تجدد ظهوره اليوم) إحتاج الى فترة طويلة لأنه كان “معشعشاً” في المستشفيات، ما جعله يقوى على من كانوا في المستشفيات لأن مناعاتهم كانت، في الغالب، ضعيفة. وهذا طبيعي. أما، في ما خصّ اللقاح، فيتحدثون في الصين عن إنتاج لقاح جديد. وأعتقد، على ما يضيف أديب، أنهم يقولون هذا لطمأنة العالم لا أكثر ولا أقل.

هل نفهم من هذا أن لا لقاح لفيروس كورونا قريباً؟ يجيب أستاذ الوبائيات: إيجاد اللقاح، أي لقاح، أمر في غاية الصعوبة. والصينيون قالوا أنهم أعدوا لقاحاً في أسبوعين وسيطرحونه قريباً، لكن ماذا عن تفاعل المصابين مع اللقاح. هذا يحتاج الى اختبارات ستأخذ وقتاً يتضمن إعطاء الفيروس والإنتظار لتبيان ردة فعل اللقاح على من يأخذونه. وهذه المرحلة تحتاج الى سنة أو سنتين لإنتاج اللقاح الآمن والفعال.

يُقال أن الصينيين لا يلتزمون كثيراً بالأخلاقيات الطبية ولا يلتزمون كثيراً بمرحلة التجارب ويمكن أن يعلنوا عن وجود لقاح من دون أن يمرّ في كلّ المراحل التجريبية. وهذا معناه أن لا شيء يمنع، في دول توتاليتارية، أن يقال بعد أيام أو أسبوع: إن لقاح الكورونا قد ظهر.

بعيداً قليلاً عن كورونا، فليطمئن اللبنانيون الى أن الإصابات بفيروس أتش1 أن1، على عكس ما يشاع، قليلة جداً. والفيروس، بحسب أستاذ علم الوبائيات، غير قاتل. إنها بشرى جميلة في زمن القحط.