IMLebanon

خالتي المعلّمة التي كرهت التعليم!

كتبت ساندي الحايك في صحيفة “نداء الوطن”:
كنت صغيرة عندما رَدّت بعصبيةٍ على عرض والدي قائلةً: “لا أريد أن أكون معلمة. هل أختم سنوات دراستي الطويلة بتعليم الأطفال في المدارس؟ وأي جيل تريدني أن أعلّم؟”. تمسكت بخيارها لأكثر من خمس سنوات. أنهت رسالة الماجستير وبقيت بلا وظيفة. لكنها تحتاج إلى عمل. ببساطة تحتاج إلى المال خصوصاً بعد رحيل معيليْها، والدها ووالدتها. أمها التي لطالما شجعتها على أن تكون مربية أجيال. تمنّت لها أن تستقل ثم أن تتزوج وتربي أطفالها أيضاً.

 

هي ابنة قرية نائية في الطرف الشمالي من البلد، ظروف كثيرة تحول دون إمكانية نزوحها إلى بيروت للبحث عن عمل. ونظراً لندرة الوظائف الشاغرة في اختصاصها شمالاً، ما كان أمامها سوى القبول بفرصة التعاقد في إحدى المدارس وتعليم الفلسفة (اختصاصها الأكاديمي) لطلاب المرحلة الثانوية. ارتضت وأصبحت معلمة إذاً. تنقلت بين عدّة مدارس واختلطت بالكثير من المعلمين والمعلمات والإداريين، وفي كل محطة كانت لها تجربة ومعركة. كسبت أحياناً وخسرت أحياناً أخرى، لكن الأكيد أن مفهومها حول مهنة التعليم تبدل بعد عشر سنوات من مزاولتها. علاقتها بطلابها هي أكثر ما يُثير العجب، فهي تقف على حافة متأرجحة لا تحوّلها “صداقةً”، بما تحمل الكلمة من معانٍ، لكنها في الوقت عينه ليست علاقة تقليدية سلطوية بين معلمٍ وطلابه. فبقدر ما تُعتبر المعرفة فناً فإن التعليم فن آخر أكثر دقة واحترافاً. قدرتها على التأثير بهم/ن والإحاطة بالكثير من جوانب حياتهم/ن، خصوصاً في ظل مرورهم/ن في مرحلة المراهقة واكتشاف الذات، وفي الوقت عينه إتقانها لعب دور الأستاذة مع ما يتطلبه ذلك من المحافظة على مسافة وأصول الاحترام المتبادل بينها وبينهم/ن، لكسب منافع العملية التعليمية، مهارة بحد ذاتها. قالت لي في إحدى المرات: “تلاميذي هم/ن أغلى ما في حياتي. إنهم/ن مصدر البهجة بالنسبة لي”.

يُغدق عليها هؤلاء بفائض من الحب، قد لا يكون ذلك جديداً بالنسبة للبعض، فالكثير من الأساتذة يجسدون أمثلة عُليا لبعض التلاميذ ويبادلونهم/ن حباً عظيماً، ولكن كم ينطبق ذلك على أساتذة يعلمون مواد جامدةً كالفلسفة؟ يعجّ مجتمعنا بالكثير من الأحكام المسبقة حول مادة الفلسفة وطلابها في القسم الثاني ثانوي وأساتذتها، كالقول: “الفاشلين بيفوتوا بقسم الفلسفة”، “أساتذة الفلسفة مجانين”، فضلاً عن التنمر بترداد عبارة: “ما تحكي معهم هودي فلاسفة العصر”. بروز وجوه بين الأساتذة والطلاب قادرة على كسر حدة الأفكار النمطية تلك، استثمار من واجب الدولة لحظه، فصحيح أن المعلم الموهوب مُكلف إلا أن المعلم السيئ أكثر كلفةً، وهذا من دون شكّ سبب رئيسي من أسباب اهتراء المنظومة التعليمية في لبنان.

في بدايات عملها واجهت الكثير من الصعوبات في تقديم الدروس لطلابها، خصوصاً أن المحتوى الفلسفي ليس سهلاً ويفترض حسّاً نقدياً لفهمه واستيعابه، ولا سيما ما يُعرف بالفلسفة العربية. وفي ظل غياب دورات متخصصة حول ابتكار طرق شرح جديدة أكثر مواءمة مع احتياجات ورغبات طلاب اليوم، بدأت هي تبحث عن الطريقة الأفضل لشرح الدروس بعيداً من الأسلوب التلقيني المعتاد عبر قراءة ما هو وارد في الكتاب ثم شرحه. في أحد الأيام دخلت الصف، وبعد الترحاب طلبت من طلابها فتح الكتاب. جلست على كرسيها وحدقت فيه. ما هي إلا ثوانٍ، رفعت رأسها وطلبت منهم/ن إغلاقه. نهضت تطرح عليهم/ن الأسئلة المرتبطة بالموضوع لمساعدتهم/ن على استخلاص عنوان الدرس. ثم راحت تعطيهم/ن أمثلة من واقعهم/ن اليومي تشرح من خلالها تفاصيله. تفاعل طلابها بشكل غير مسبوق. يومها هاتفتني قائلةً: “أعتقد أنني عثرت على سرّ مهنتي!”.

خالتي ميرفت، تلك الأستاذة المحكومة بنظام تعاقد يحرمها الكثير من الحقوق. ضحية دولة منهوبة مفلسة ومطالبات تدعو إلى طرد المتعاقدين والإبقاء على المعلمين والمعلمات في الملاك الوظيفي تحت حجج بالية. خالتي مناضلة أحبت مهنتها عقب التجربة، فبقدر ما تُزوّد طلّابها تعليماً ومعرفة ونوراً، تتعلّم منهم/ن. فهي لطالما رددت على مسمعي: “ليس أسوأ من أستاذ لا يجد في أرواح تلاميذه النابضة وأفكارهم ما يتعلمه”.

لخالتي ومثيلاتها في السلك التعليمي تحية في يوم المعلم، على أمل، يوماً ما، أن تُعمم تجاربكم/ن الصادقة في مهنة قال فيها الكاتب المصري العظيم نجيب محفوظ يوماً: “يمتلك المعلم أعظم مهنة، إذ تتخرج على يديه جميع المهن الأخرى”.