IMLebanon

عندما تتحوّل الحكومة إلى حلبة صراع على الرئاسة!

كتبت غادة حلاوي في صحيفة “نداء الوطن”:

قبل نحو أسبوع عبّر رئيس الحكومة حسان دياب عن عدم قناعته واقتناعه بالسير الذاتية لعدد من المتقدمين الى المواقع المالية. واعتبر بعضها دون المستوى المطلوب وراجع المعنيين بأن الفترة الراهنة تقتضي وجود أناس أكثر كفاءة، تستطيع تحمل اعباء المرحلة المالية والنقدية، واذا كان لأي طرف ان يقترح مرشحين من جهته فليكن من اصحاب الكفاءة العالية. واحد من الأسباب التي أدت الى تعليق البت بالتعيينات هو عدم قناعة رئيس الحكومة حسان دياب ببعض السير الذاتية المرشحة من قبل السياسيين، لتبوؤ مراكز مالية حساسة سواء في حاكمية مصرف لبنان او لجنة الرقابة على المصارف.

وبمعنى آخر لم تُرجأ التعيينات على خلفية تهديد رئيس “تيار المردة” سليمان فرنجية بسحب وزيريه من الحكومة. أحدث هذا التهديد كما التهديد الذي سبقه على لسان رئيس مجلس النواب نبيه بري ضجة وعكّر صفو الحكومة، لكن الاتجاه كان سيفضي الى التعامل مع استقالة فرنجية لوزرائه، على انها اجراء طبيعي يمكن بعدها ان تستكمل الحكومة عملها بشكله الروتيني. ليس إنقاصاً من شأن مشاركة “المردة” بل اعتراضاً على سلوك مارسه فرنجية وأصر عليه، من دون الأخذ في الاعتبار تداعياته ولا موقف “حزب الله” الذي سعى جهده لتأمين تمثيل تياره في الحكومة.

توزع التعاطي بملف التعيينات بين ثلاثة احتمالات، إما الارجاء أو اعطاء حصة لـ “المردة” على سبيل الوقوف على خاطره أو إبقاء القديم على قدمه. حتى ما قبل انعقاد مجلس الوزراء لم يكن قد تم التوصل الى حل بعد فيما أصر فرنجية على موقفه. ولعدم اقتناع دياب بكل الملابسات التي احيطت بالملف كان الاتجاه الى ارجاء الملف كحل وسط، يرضي كل الاطراف ولو على حساب سمعة الحكومة. بغض النظر عن الاسباب والموجبات كان الارجاء وكأنه رضوخ للضغط السياسي الذي مورس على الحكومة ورئيسها، وكان الاجدى برئيس الحكومة لو لم يدرجه على جدول الاعمال، طالما انه قال في مجالسه إنه راضٍ على 7 سير ذاتية من أصل 12 سيرة مطروحة للنقاش، حاسماً انه لن يكون جزءاً من المحاصصة السياسية.

خطوة فسرت على أنها تعثر وعجز للحكومة من وجهة نظر قوى سياسية أساسية رأت انه كان يفترض ان تتجنب هذا المخاض، خصوصاً ان دياب أشار الى ان وزير المال كان نبه الى وجود مخالفة في القانون، فلماذا الإصرار على السير قدماً بطرحها ثم سحبها مجدداً. وأبعد مما سبق ثمة اعتبارات اخرى لا بد ان يتم الأخذ بها في بت هذه التعيينات، وهي عدم الذهاب بعيداً في استفزاز “تيار المستقبل” ولا الاميركيين المصرين على وجود محمد بعاصيري في موقعه كنائب حاكم مصرف لبنان.

شكلت خطوة إرجاء التعيينات الضربة الثانية المسيئة للحكومة بعد سحب مشروع “الكابيتال كونترول”. واذا كان توجه الحكومة هو نحو البحث في امكانية تخفيض الرواتب والمخصصات في المصرف المركزي، وهيئة الرقابة على المصارف وهيئة الاسواق المالية، فالسؤال هو لماذا لم تلجأ اليه الحكومة مسبقاً؟ خصوصاً وانها المتهمة بعدم اتخاذ اي اجراء على مستوى معالجة الازمة المالية لغاية اليوم. بصعوبة يحاول دياب لملمة صورة حكومته والتأكيد انها حكومة تكنوقراط متفلتة من القيود السياسية، لكنه لغاية اليوم لم يحدث صدمة في هذا الاتجاه.

لا تسعف الحكومة نفسها، وتعاطيها لا يثبت تحررها من عقلية الحكومات السابقة، ولا تقدم على خطوات جريئة بعد بعيداً من التعيينات والمحاصصة التي يصر البعض على السير بنهجها، كما لو ان البلد لم ينزلق الى الهاوية بعد. تشي جملة المعطيات التي توافرت في الآونة الاخيرة وكأن شيئاً ما يتحضر في مواجهة هذه الحكومة، او أن هناك محاولة ثأر من رئيسها المتهم بتناغمه مع رئيس “التيار الوطني الحر” جبران باسيل، والا ما معنى أن يتم التلويح من مكونين أساسيين فيها بالانسحاب، يليهما تهديد حليفهما الثالث الرئيس سعد الحريري بسحب نوابه من مجلس النواب ورابعهم رئيس “الاشتراكي” وليد جنبلاط، ولو انه غير ممثل في الحكومة مباشرة، هدد وكانت له اعتراضات لا تبتعد كثيراً عن فحوى اعتراضات حلفائه.

مستجدّ يستأهل التوقف عنده للبناء عليه ولو من باب التساؤل: هل هناك وراء الأكمة ما وراءها وهل يتم العمل على صيغة ما تعيد القديم الى قدمه، طالما ان الجميع يلتقي على علاقته الطيبة مع الحريري الذي قد يكون راغباً في العودة اليوم قبل الغد؟ وهل الخلاف على التعيينات المالية مرتبط بشقه الاساسي بصراع على رئاسة الجمهورية بدأت معالمه تتوضح؟ علامات استفهام غير واضحة المعالم بعد في وقت يسير فيه البلد نحو المجهول، وتدفّع الناس ثمن المحاصصة والمعارك السياسية الجانبية، فيما معدلات الفقر الى ارتفاع والبلد تحدق به مخاطر انتشار كورونا لا سيما في ضوء عودة المغتربين.