IMLebanon

رياض سلامة عقدة مارونية تؤرق عون وصهره

كتب صلاح تقي الدين في صحيفة العرب اللندنية:

أصدر حاكم مصرف لبنان المركزي رياض سلامة قبل أيام قرارا موجّها إلى المصارف والمؤسسات المالية والمؤسسات التي تتعاطى العمليات المالية والمصرفية بالوسائل الإلكترونية، يقضي بأنّ على المؤسسات غير المصرفية كافة التي تقوم بعمليات التحويل النقدية بالوسائل الإلكترونية أن تسدّد قيمة أيّ تحويل نقدي إلكتروني بالعملات الأجنبية وارد إليها من الخارج بالليرة اللبنانية وفقا لسعر السوق. وأن تبيع من الوحدة الخاصة المنشأة في مديرية العمليات النقدية لدى مصرف لبنان العملات النقدية الأجنبية. غير أن جميع قرارات سلامة التي يحاول من خلالها احتواء الانهيار الاقتصادي المحتوم في لبنان لا تقدّم ولا تؤخر في تغيير مسار الحملة التي يواجهها الخبير الاقتصادي المخضرم.

وقد بات واضحاً أن العهد ”القوي“ للرئيس ميشال عون، كما يسمى، يفتّش عن كبش محرقة ليبرر الفشل الكبير الذي مُني به لبنان منذ وصول جنرال خاض وخسر كل حروبه إلى سدّة الرئاسة في أكتوبر 2017، حيث افترش أبناء الشعب المقهور شوارع وساحات مختلف المدن اللبنانية مطالبين بـ”المحاسبة” واستعادة الأموال المنهوبة، فكان الردّ من “العهد” ومن وراءه وتحديدا “حزب الله” بتوجيه السهام نحو سلامة لتحميله مسؤولية ما حلّ بالاقتصاد والمالية العامة للبلد، وجعله يدفع ثمن سوء الإدارة السياسية وتحديداً خلال السنوات الثلاث الماضية للجنرال وصهره.

الدور الشيطاني
سلامة لا يقف خلف العجز المتراكم الذي تسبّبت به السياسة المعتمدة في ملفّ الكهرباء بمليارات الدولارات، ذلك الملف الذي اضطلع به التيار الوطني الحر منذ أكثر من عشر سنوات ولا يزال يتمسّك به
لم يكن يكفي لبنان ما يعانيه من أزمات معيشية سبّبتها السياسات الاقتصادية والمالية السيّئة المتبعة منذ انتهاء الحرب الأهلية وبدء تطبيق اتفاق الطائف في ظل الوصاية السورية، حتى بدأت المصارف اللبنانية “تحتجز” أموال المُودعين بحجة فقدان السيولة بالعملة الصعبة ”الدولار“، ما فتح الباب أمام حفنة من الحاقدين على ما يسمونه “الحريرية السياسية” لشنّ هجماتهم على سلامة وتحميله مسؤولية ما يُعاني منه البلد، على اعتبار أن الرئيس الراحل رفيق الحريري هو من أتى بسلامة إلى حاكمية مصرف لبنان، فلم يتوان حزب الله والتيار الوطني الحر الذي يرأسه النائب جبران باسيل عن استخدام كافة الأسلحة المشروعة منها وغير المشروعة.

أطلق الحليفان العنان للإعلاميين الذين يقومان بتسييرهم لكي يبثوا من خلال شاشات التلفزيون وأوراق الصحف الصفراء التي يديرونها، أبشع حملة افتراء على سلامة وداعميه، متهمين الحاكم بالإثراء غير المشروع وتقديم وثائق مزوّرة إثباتا على مزاعمهم وصولا إلى حد المطالبة بإقالته ومحاكمته.

وتصاعدت الحملة ضد سلامة لاحقا وأصبحت مباشرة، وشنّ عضو كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب علي عمار هجوما على جمعية المصارف وحاكم مصرف لبنان مطالبا الدولة ”بضرورة وضع اليد على من استساغ أن ينال من ودائع الناس وأموالهم عبر جمعية المصارف وغيرها، خصوصا إذا ما أضفنا إليها دورا شيطانيا لمن يسمّونه حاكما للمال وحاكما للنقد في لبنان”. ربما كانت لهجة “العونيين” أقلّ حدّة من لهجة حزب الله غير أنّ المضمون نفسه، فقد وجّه النائب السابق نبيل نقولا، أحد أشدّ المدافعين عن عون رسالة إلى رئيس الجمهورية ناشده من خلالها قائلا “اضرب بيد من حديد بدءا بحاكم ​مصرف لبنان​ لأنّه يملك الكثير ليقوله، ويفضح المشاركين، والسارقين والمعروفين منه”، مضيفا “اضرب بيد من حديد، وخصوصا ​القضاء​ الذي لا يتحرّك لزجّ واحدٍ من الناهبين، إمّا لأنّهم متورّطون، وإما متواطئون، وإما مقصّرون لا فرق، فالساكت عن الجريمة هو مشترك“.

سياسة صون الليرة
اللبنانيون الذين لا يزالون ينتظرون، بعد أن افترشوا شوارع وساحات مختلف المدن، يطالبون بـ”المحاسبة” واستعادة الأموال المنهوبة، لكن الردّ عليهم من “العهد” و”حزب الله” يأتي بتوجيه السهام نحو سلامة لتحميله مسؤولية ما حلّ بالاقتصاد
عُيّن سلامة حاكما لمصرف لبنان صيف العام 1993 لمدة 6 سنوات. وأُعيد تعيينه لثلاث ولايات متتالية. واستنادا لقانون النقد والتسليف يدير الحاكم المصرف المركزي ويعاونه في مهامه أربعة نواب حاكم والمجلس المركزي. وبهذه الصفة، يترأس الهيئات التالية؛ المجلس المركزي لمصرف لبنان، الهيئة المصرفية العليا، هيئة التحقيق الخاصة المعنية بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب وهيئة الأسواق المالية.

سلامة الذي ولد مطلع الخمسينات ودرس في مدرسة ”سيدة الجمهور” للآباء اليسوعيين ثم التحق بالجامعة الأميركية في بيروت ونال إجازة في الاقتصاد، اكتسب خبرة واسعة في شركة ميريل لينش، متنقلا بين مكاتب بيروت وباريس، الأمر الذي أدى إلى تعيينه في 1985 نائبا للرئيس ومستشارا ماليا. وهو عضو في مجلس محافظي صندوق النقد الدولي وصندوق النقد العربي. في العام 2012 وقد ترأس اجتماعات مجلسي محافظي البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في طوكيو. ومنذ الأول من يوليو 2013، أصبح رئيسا مشاركا في مجلس الاستقرار المالي لمنطقة دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لمدة عامين، كما ترأس مجلس محافظي صندوق النقد العربي لسنة 2013.

عمل منذ توليه حاكمية المصرف المركزي على اعتماد سياسة نقدية تهدف إلى صون الليرة اللبنانية وتثبيت سعر صرفها مقابل الدولار الأميركي من أجل إرساء أسس نمو اقتصادي واجتماعي مستدام. ولم تكن هناك حاجة لقراءة موقف شخصيات تتبع لحزب الله لكي تتضّح الحرب المفتوحة التي يشنّها حزب الله على سلامة. لكن ومن باب التذكير فقط فقد وافق الحزب ذاته في الحكومات المتتالية التي شارك فيها على التمديد لسلامة في ولايته على رأس المركزي ثلاث مرات، فهل هناك تبرير لما يقوم به اليوم، أم أنها استعادة لنغمة سابقة قديمة “لو كنت أعرف“؟

ربما ارتكب سلامة أخطاء، لكن المشكلة هي في حصر مصائب البلد برجل، فيوم حمى النظام المصرفي اللبناني من تداعيات انهيار بنك المدينة بسبب السرقات وعمليات النهب المنظمة التي كان يقوم بها رجال محسوبون على الاحتلال السوري للبنان، كان سلامة نظيف الكفّ وحمايته مطلوبة في موقعه، ويوم تدخّل أيضا لكي لا ينهار القطاع المصرفي نتيجة العقوبات الأميركية على البنك اللبناني الكندي، وما يستتبع ذلك من عقوبات على شخصيات من حزب الله أو قريبة منه، كان سلامة حاجة وضرورة؟ فلماذا تغيّر الوضع اليوم؟

سلامة ليس مسؤولا عن العجز المتراكم الذي تسبّبت به السياسة المعتمدة في ملفّ الكهرباء بمليارات الدولارات، هذا الملف الذي اضطلع به التيار الوطني الحر منذ أكثر من عشر سنوات ولا يزال يتمسّك به. وليس مسؤولا عن المرافئ الشرعيّة والمعابر غير الشرعيّة التي تدرّ أموالا صافية غير خاضعة للضريبة الجمركية لصالح حزب الله أو الجهات المتعاونة معه.

من حقّ حزب الله والتيار الوطني الحر وسائر القوى السياسية انتقاد حاكم المصرف المركزي، لكن أن يصار التركيز والهجوم على سلامة لتبييض صفحة العهد الفاشل فهذا ليس مقبولا.

أسرار الحاكم
قانون النقد والتسليف اللبناني يمنح حاكم المصرف المركزي سلطات واسعة، بترؤسه لعدد من الهيئات الأساسية، كالمجلس المركزي لمصرف لبنان، وهيئة مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب وغيرها
لقد كان مطلوبا من “الحاكم” أن يكشف الأسرار التي بحوزته والتي من المؤكد أنها ستهزّ أركان النظام السياسي برمّته، لكنه انبرى فقط لمحاولة تبييض صفحته الشخصية وهذا من حقه بعدما اتهم زوراً بأنه أثرى إثراء غير مشروع، وتم تسريب وثائق مزوّرة عن قيام سلامة بتحويلات مالية ضخمة إلى الخارج بعدما كان هو نفسه، وكما تتيح له صلاحياته، قد أصدر تعاميم حصر فيها عمليات تحويل الأموال إلى الخارج ضمن أصول وغايات محددة.

لقد وضع سلامة عبر مقابلة مع محطة “أم.تي.في” التلفزيونية، حداً للغز، حيث أوضح وبالوثائق أنه ورث عن أهله عقارات وأموال تبلغ قيمته أكثر من 23 مليون دولار، وأنه “عمل لقرابة 20 عاما في شركة خاصة، قبل أن يصبح حاكماً لمصرف لبنان عام 1993، موضحاً “كنت أجني حوالي المليوني دولار في السنة”، وبلغ التعويض الذي تقاضاه عن سنين خدمته أكثر من أربعة مليارات ليرة لبنانية، وأنه استثمر أمواله لشراء عقارات في فرنسا بأكثر من ثمانية ملايين يورو.

لعلّه نجح بذلك في وضع حد لتناول موضوع ثروته الشخصية، لكن المسألة تذهب وفقاً لمطلعين أبعد من ذلك، فالمطلوب فعلياً هو إقصاء سلامة من حاكمية المصرف المركزي لتحويل لبنان إلى نظام اقتصادي شبيه بالأنظمة المالية الشمولية، وهذا ما أشار إليه بوضوح رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب السابق وليد جنبلاط في تغريدة على موقع “تويتر”.

تجدر الإشارة إلى أن نسبة التأييد الشعبي لحاكم مصرف لبنان بلغت في إحصاء أجري في العام 2016 حوالي 90 في المئة وذلك بسبب سياساته في تثبيت سعر صرف الليرة والتي أدت إلى نوع من الاستقرار المالي والاقتصادي انعكس إيجابا في السوق اللبنانية.

وربما يتوجب، أخيرا، الحديث عن احتمال أن يكون الهجوم على سلامة من قبل فريق العهد، هو لكون حاكم مصرف لبنان المركزي ”ماروني“ وقد يكون عقبة رئيسية أمام حلم باسيل في خلافة عمه في قصر بعبدا، وهذا بات أمرا يؤخذ في الاعتبار دائما، خاصة أن لا معنى مفهوما لتدخّل باسيل في كل شاردة أو واردة تتعلق بالتعيينات في المناصب المسيحية في الدولة، والمارونية منها تحديدا.