IMLebanon

استقلالية مصرف لبنان

كتب لويس حبيقة في صحيفة “اللواء”:

السياسة النقدية مهمة جدا ليس فقط بأهدافها وانما أيضا بوسائلها وفعاليتها. السياسة النقدية يحددها المصرف المركزي وتهدف الى محاربة التضخم أو ابقاء مؤشر غلاء الأسعار دون مستوى متفق عليه ومعلن ويمكن أن يكون 3%. وسائلها الأساسية هي الفوائد التي عبرها تحدد نمو الكتلة النقدية وبالتالي تؤثر على الاقتصاد العام. استقلالية السياسة النقدية تعني أن قرارها غير خاضع للسلطة السياسية أي لا يمكن للحكومة اعطائها الأمر بتخفيض أو رفع الفوائد لهدف ما. الاستقلالية لا تعني عدم التنسيق مع السلطة التنفيذية، بل العكس صحيح إذ إن التنسيق واجب بهدف توحيد الجهود للتأثير ايجابا على الاقتصاد.

في الهدف، أي نسبة التضخم يمكن أن تكون مرنة أي اذا لم يستطع المصرف المركزي البقاء دون الـ 3% مثلا فيمكنه أن يبقى لفترة محدودة فوق هذا السقف شرط العودة اليه بعد حين. حصر الوسيلة بالفائدة يساهم في الحفاظ على الاستقلالية. بمعنى آخر، كلما توسعت صلاحيات وقوة المصرف المركزي كلما هددت الاستقلالية الضرورية للسياسة النقدية الصحيحة. اذا أعطي المصرف المركزي صلاحيات رقابية أو اقتصادية أو استثمارية واسعة، يفقد استقلاليته في الممارسة ويصبح كغيره سلطة سياسية لا بد من تحجيمها لمصلحة الدولة كما السلطات الأخرى. اذا أراد أي مصرف مركزي الحفاظ على «نعمة» الاستقلالية، عليه أن يبقي صلاحياته في السلطة النقدية فقط والا فقد كل شيء.

هنالك تغيرات في ركائز السلطة النقدية بين ما قبل أزمة 2008 وما بعدها مرورا بأوضاع كورونا الحالية التي لا يمكن حصر نتائجها بالصحة فقط. قبل 2008، كان التركيز على التضخم كهدف لكن أزمة 2008 فرضت على المصارف المركزية شراء السندات من السوق، وبالتالي كبر حجم ميزانياتها مما عرضها للمخاطر المالية الكبيرة. خفضت المصارف المركزية الأساسية فائدتها الأساسية الى حدود الصفر وبالتالي لم تعد وسيلة الفائدة تكفي، فلجأت الى شراء السندات وضخ النقد في الأسواق.

من مزايا أزمة 2008، انها حصلت وأصابت بشكل خاص الدول المتطورة بدأ من الولايات المتحدة الى كافة أنحاء أوروبا. الدول النامية بقيت متعافية ليست بالصدفة، بل لأنها مارست خلال السنوات العشرة السابقة على الأقل سياسات حمائية ووقائية قوّتها وجنبتها الأزمة المالية الكبرى. هنالك أوقات مهمة تسمح للدول الناشئة بأن تعطي دروسا للدول المتقدمة وليس العكس كما يحصل عموما. مصارف الدول الناشئة كانت سليمة عموما وقوية برأسمالها ولم تغامر بالاستثمار بالأدوات السامة الخطرة التي اعتمدتها المصارف الغربية الكبرى. يقول «ستيغليتز» أن أزمة 2008 لم تكن قضاء وقدرا بل نتيجة أخطاء الانسان وجشع المصرفيين واهمال المسؤولين. كانت أزمة مؤسسات أكثر منها أزمة اقتصادية، وبالتالي المشكلة تكمن في القوانين والممارسات المتهورة عبر الاقراض والأدوات السامة المركبة.

تقول «جانيت يللن» الحاكمة السابقة للمصرف المركزي الأميركي أن احدى أهم وسائل السياسة النقدية هي التخاطب مع الأسواق أي اعلان أهداف المصرف المركزي وكيف سيحققها. هذا يسهل عملها ويخفف المخاطر الداخلية في الأسواق كما يؤثر على توقعات المواطنين ويخفف من ضبابية الأسواق العامة. سياسة الشفافية هي احدى أهم ركائز السياسة النقدية في رأيها. عندما تصل الفوائد الى مستوى متدن كما يحصل اليوم، يجب على المصرف المركزي الارتكاز على سياستين أخريين هنا، الاعلان عن النوايا بصراحة بحيث تحدد الخطوات المستقبلية بوضوح كما شراء الأصول في الأسواق دون تحديد أي أصول بالضرورة. من الضروري ابقاء السياسة النقدية على ما هي عليه حتى بعد انتهاء أسباب التعديل بحيث يستقر الاقتصاد لفترة كافية غير قصيرة. عبر هذين العاملين يساهم المصرف المركزي ليس فقط في تحقيق الاستقرار النقدي وانما أيضا الاستقرار المالي الأوسع.

يقول «مرفين كينغ» حاكم المصرف البريطاني السابق ان هدف السياسة النقدية يجب أن يكون استقرار الأسعار على المدى الطويل. هذا يعني أن السياسة الذكية هي التي تحسن تحقيق التوازن بين الاستقرار النقدي والاستقرار المالي كما الاستقرار الاقتصادي. الفشل في مكافحة التضخم مكلف جدا ليس فقط للمصارف وانما للجميع مستهلكين ومنتجين وحكومة. ضرب التضخم يسمح بتحقيق النمو وبالتالي محاربة البطالة المضرة بالاستقرار الاجتماعي. للمصارف في رأي كينغ أهمية كبيرة وبالتالي وجب تقوية رأسمالها كي تستطيع الاقراض ومواجهة مخاطر الأسواق. لا يمكن للسياسة النقدية أن تنجح من دون تعاون السلطات الأخرى. فالاستقلالية تحمي، لكنها تفرض التعاون في نفس الوقت لمصلحة الجميع.

هنالك 3 أمور يمكن أن تهدد استقلالية المصرف المركزي في رأي كينغ. القوانين تعدل وبالتالي لا يمكن حماية الاستقلالية بالقوانين فقط وانما بحسن الممارسة والعلاقات المهنية الجيدة. أولا، تهدد الاستقلالية اذا وعد المصرف المركزي الكثير أو بطريقة أخرى اذا كبر نفوذه وحجمه أكثر بكثير مما هو مقبول وطنيا وسياسيا. الأحجام مهمة جدا لأنها تحدد القوة كما الأدوار وبالتالي يجب التنبه لها كثيرا. ثانيا، أي قرار نقدي له تأثيرات مالية لا يمكن أن يؤخذ من قبل المصرف المركزي بل من سلطات منتخبة أي مجلس نيابي وسلطة حكومية منبثقة عنه. اذا حصل مثلا تعثر مصرفي وتمت المعالجة من قبل المصرف المركزي عبر ضخ أموال عامة، فهذا يتناقض مع الاستقلالية وبالتالي يحتاج الى موافقة السلطات التنفيذية من حكومة وربما مجلس نواب. ثالثا، اعتماد رقابة المصارف من قبل المصرف المركزي يصيب الاستقلالية اذ يبعد المصرف المركزي عن مهمته الأساسية وهي السياسة النقدية عبر تحريك الفوائد.

يقول كينغ ويدعمه آخرون أن هنالك 3 مبادئ أساسية يجب احترامها. أولاً يجب على السلطة التشريعية تحديد أهداف السلطة النقدية أي محاربة التضخم أو تحديد سعر صرف النقد الوطني أو غيرها. ثانيا، اذا كان هدف السياسة النقدية محاربة التضخم، فيجب عندها أن تكون مستقلة كي تؤدي دورها. ثالثا، يجب على المصرف المركزي أن يكون متنبها بحيث لا تسبب قراراته استعمال الأموال العامة التي تخضع فقط لقرارات السلطات المنتخبة. توسع المصرف المركزي في صلاحياته يضر به وباستقلاليته التي يمكن أن تسحب عندها منه. من غير المقبول طبعا أن يتملك مصرف مركزي لفترات طويلة شركة طيران أو معالم سياحية، فهذا يتناقض مع دوره الأساسي ويعرض استقلاليته للزوال.

اليوم بعد أزمة 2008 ومع الكورونا التي لها تأثيرات كبرى ظرفية ودائمة، من الضروري الاستمرار في محاربة التضخم عبر السلطة النقدية. من الأفضل ان يكون لها هدف واحد بحيث تنجح به وتحافظ على استقلاليتها المهمة. أثبتت التجارب في دول عدة أن استعمال السياسة النقدية لتحقيق النمو لم يكن ناجحا، عكس ما حققت السلطة المالية. لذا من الأفضل التركيز على التضخم بحيث تؤثر السلطة النقدية على النمو بطريقة غير مباشرة أي عبر استقرار الأسعار. هنالك مصارف مركزية عدة تهدف الى محاربة التضخم عبر ربط نقدها بالدولار الأميركي. عبر هذا الربط يتم استيراد السياسة النقدية الأميركية المحاربة للتضخم وبالتالي تقوم المصارف المركزية الوطنية بدورها عبر الولايات المتحدة وسياستها النقدية الصريحة. كم هو مهم أن نرى حاكم المصرف المركزي الأميركي يخضع لأسئلة الشيوخ في كل شيء عبر وسائل الاعلام، مما يقوي الثقة والشفافية ليس فقط تجاه المسؤولين المنتخبين وانما أمام كل الرأي العام. كم نحن بحاجة الى هذه الشفافية في الدول النامية وعالمنا العربي.