IMLebanon

“نكسة 6 حزيران” انطوت.. وثورة تشرين “رجعت”

هل أينع رأس حكومة حسان دياب وحان وقت قطافه؟ أقله ما حصل بالأمس أصاب رئيسها بالهلع فأعلن حال الطوارئ في السراي اليوم بعدما استشعر اهتزاز الأرض من تحت كرسيه على وقع المدّ الثوري العابر للمناطق، وعلى إيقاع الحديث عن تسليم رعاته بوجوب البحث عن بدائل لحكومته. لم يعد على جدول أعمال دياب اليوم سوى البحث عن طوق نجاة لمركبه الذي غرق وبدأ ركابه يتحينون الفرصة المؤاتية للقفز منه. ولم تنجح “نكسة 6 حزيران” في لجم ثورة 17 تشرين، فانطوت صفحة نكسة السبت المشوهة للانتفاضة الشعبية و”رجعت الثورة من أول وجديد” بزخم متعاظم امتد خلال الساعات الأخيرة ليطغى على مختلف جوانب الخريطة الوطنية، في مشهدية أكدت أنّ الناس كفروا بالطبقة الحاكمة وبحكومتها التي خربت بيوتهم بميوعتها في معالجة الأزمات. منحوها فرصة الـ100 يوم واختبروا مصداقيتها وجديتها في الإصلاح ومكافحة الهدر والفساد فكانت النتيجة محاصصة فاضحة في التعيينات و”صفراً مكعباً” في الإنجازات… و7000 ليرة مقابل الدولار الواحد.

من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب، اشتعلت شوارع الثورة ليلاً وعاد لهيب الإطارات والمستوعبات ليقطع الطرقات والأوتوسترادات والساحات، وإذا كان رئيس الحكومة لم يُعهد له جفنٌ يرفّ إزاء الحراك الثوري طيلة الفترة الماضية، متكئاً في صلابته من جهة على صلابة جدار السراي العازل، وعلى حصانة “حزب الله” من جهة أخرى، فإنّ ما استرعى الانتباه في حراك الأمس، ولعله يكون العنصر الأساس الذي قضّ مضاجع السراي وأقلق سكينة ساكنها، هو انسحاب الغليان الشعبي إلى المناطق المحسوبة على “الثنائي الشيعي” وتحديداً في الضاحية الجنوبية والأوزاعي وطريق المطار، لتبدأ علامات الاستفهام تُرتسم في الأذهان حول ما إذا كان البساط الحكومي انسحب من تحت دياب والقرار اتُّخذ باستبداله لتنفيس الشارع. غير أنّ أوساطاً مواكبة لمجريات الأمور في كواليس السلطة نقلت معطيات لـ”نداء الوطن” تفيد بأنّ “هذه التنفيسة” المرجوّة من قبل قوى 8 آذار قد لا تكون بتطيير رئيس الحكومة إنما بتطيير حاكم المصرف المركزي رياض سلامة، لا سيما وأنّ الشعارات التي ترددت أصداؤها في مناطق نفوذ “حزب الله” أمس استهدفته شخصياً وصبت جام غضب الأزمة كلها عليه، داعيةً في ضوء ذلك إلى ترقّب ما سيخلص إليه مجلس الوزراء في مقاربته لمسألة التداعيات النقدية الطارئة، وتبيان هل سيُطرح موضوع إقالة سلامة بنصاب الثلثين على الطاولة.
وبانتظار ما ستحمله الساعات المقبلة من مؤشرات دالة على اتجاه الأمور، سواءً على المستوى الميداني أو الحكومي أو النقدي، فإنّ الأكيد أنّ السلطة بكافة تركيبتها وتلاوينها عادت إلى مربعها المتأزم الأول في 17 تشرين، والأيام المقبلة ستشهد مزيداً من تآكل هيبتها وسطوتها على الشارع المتفجّر وستعود لتكرر محاولات عسكرة التعاطي مع الثوار والضغط على الجيش لوضعه في مواجهة الناس، سيما وأنه بدا لافتاً أمس عدم مسارعة قيادة المؤسسة العسكرية إلى زج وحداتها في عمليات فضّ التحركات الشعبية على الأرض خصوصاً وأنّ العنوان المشترك للمتظاهرين التقى على تظهير حالة الجوع والعوز التي بلغها كل اللبنانيين من مختلف الطوائف والمناطق في ظل أداء حكومي غارق في مستنقع المحاصصات وتوزيع المغانم على المحاسيب والأزلام في الإدارة.

وبالحديث عن “توزيع المغانم”، يعود إلى الواجهة ملف فضائح المازوت وسمسراته على وقع توالي افتضاح مسلسل تقاسم الحصص والسمسرات بين أركان المنظومة السلطوية – النفطية المتحكمة بهذا القطاع. ففي حين برز من كلام وزير الطاقة ريمون غجر أمس إثر لقائه رئيس الجمهورية ميشال عون في قصر بعبدا مجاهرته بكون الدولة اللبنانية تعمل على “تهريب” شحنات المازوت الواردة على متن ناقلات النفط خشية تعرّضها للحجز في البحر من قبل الدائنين الأجانب حاملي سندات “اليوروبوندز”، توقفت أوساط قانونية عند خطورة تصريح غجر وأكدت لـ”نداء الوطن” أنه يدل على أنّ الدولة اللبنانية باتت تتصرف وكأنها “فارة من وجه العدالة”، وهو ما يشكل “فضيحة موصوفة جديدة” تضاف إلى سجل فضائح السلطة باعتبارها تقرّ على لسان وزير في حكومتها أنها تبحث عن طريقة تمكّنها من “تهريب المازوت” إلى لبنان والتهرّب من دائنيها، منبهةً إلى أن “ذلك سيشكل منعطفاً سلبياً خطيراً على طريق مساعي استعادة الثقة الدولية بلبنان”.

أما في الشق المتعلق بتأخير الاعتمادات لتأمين شحنات المازوت، فثمة “قطب مخفية” كثيرة في هذا الملف وخبايا لا يعلم بها إلا أرباب “الكارتيل” النفطي، إذ تكشف الأوساط عن “شراكة حلبية” توزع مغانمها على مكونات هذا الكارتيل، بشقيه السياسي والنفطي، في عملية ممنهجة تشهد تعمّداً في تأخير تفريغ حمولات ناقلات المازوت في الخزانات اللبنانية ضمن إطار لعبة سمسرات بملايين الدولارات على حساب خزينة الدولة، موضحةً أنّه ومنذ لحظة دخول البواخر النفطية نطاق المياه اللبنانية يبدأ عداد احتساب غرامات تأخير تفريغها وهو يبلغ يومياً ما بين 30 ألف دولار و40 ألف دولار بحسب حجم الباخرة وحمولتها، وعليه فإنّ المعنيين بهذه “الشراكة الحلبية” يعمدون منذ سنوات الى اختلاق الحجج والذرائع المتعددة لتأخير تفريغ حمولة البواخر “حتى تطلع الصرخة” في السوق، وهو ما معدله تاريخياً 20 يوم تأخير لكل شحنة تتم خلالها عملية “الفوترة” على حساب الدولة اللبنانية لتكبيدها أكبر قدر ممكن من الغرامات، ولفتت إلى أن قائمة من الأعذار يتم استخدامها لتحقيق هذه الغاية وقد اعتاد اللبنانيون على سماعها عند الحديث دورياً عن أزمة تأخر تفريغ شحنات المازوت، من بينها “عدم توفر الاعتمادات المالية اللازمة، علوّ الموج وتعذر رسو البواخر، ضغط على مختبر العيّنات أدى إلى تأخر صدور نتائجها، عدم وجود خزانات شاغرة لتفريغ الحمولات الجديدة، وتزاحم أولويات السفن وتراتبية تفريغ حمولاتها”.