IMLebanon

“الحزب”… “والي ولاية” الإيديولوجيا والمال في لبنان!

كتب علي الأمين في صحيفة “نداء الوطن”:

يكاد ينجح “حزب الله” الى حد بعيد، في المواءمة بين الإيديولوجيا والمال. وصفة سحرية لخلطة عجائبية، وفرت لها مكوناتها السياسية والعسكرية والشعبية، “إكسير الحياة” ولو على حساب “كسر”الدولة واللبنانيين على حساب “جبر” خاطر بيئته ومحازبيه، عبر إدخالهم في جنة والي المال “النظيف” لتحيا ولاية الفقيه!

لم يكن المال هامشأً في صعود الايديولوجية الايرانية ونموذج “حزب الله” تحديداً وكل المؤسسات المالية والاجتماعية والأمنية والعسكرية والدينية التي تأسست وواكبت صعوده في عقد الثمانينات من القرن الماضي، لا يخفى على الذين عاصروا تلك المرحلة، ان الملاءة المالية شكلت عنصراً حيوياً ان لم يكن الأول في تعزيز نفوذ الحزب وترسيخه، مع تراجع بيّن وواضح للقوى اليسارية والوطنية والقومية في البيئة الشيعية لصالح تمدد “حزب الله”.

لا شك ان “حركة أمل” التي قاسمت “حزب الله” النفوذ شيعياً، في تلك المرحلة وما تلاها حتى اليوم، استندت الى نظام المصالح الطائفية لتوفير المنافع والوظائف لمحازبيها، فيما الحزب بقي مستنداً الى الموارد المالية الايرانية التي كان يتلقاها بالدولار الاميركي، ومنذ منتصف الثمانينات نجح الدولار (الايراني) باضافة جاذبية مضاعفة لـ”حزب الله” الذي كان مستفيداً من تراجع سعر صرف الليرة اللبنانية التي شهدت حينذاك وحتى العام 1992انهياراً وصل بالعملة الوطنية من حوالى خمس ليرات لبنانية مقابل الدولار، الى ثلاثة آلاف ليرة مقابل الدولار الواحد في نهاية العام 1991وهو وفر للحزب ايضاً وبسبب امتلاكه الدولار المتدفق اليه من ايران، قدرة على الانتشار وترسيخ النفوذ والانطلاق في عملية استحواذ على المنابر الدينية الشيعية بشكل متدرج، والى ذلك وفّر وجود العديد من المؤسسات الاجتماعية التي كانت تؤمن لعناصر “حزب الله” وعائلاتهم، موارد مالية وضمانات صحية وتغطية كلفة التعليم وقروضاً ميسرة، عززت الولاء له الذي كان بالنسبة اليهم الدولة الفعلية الراعية لمصالحهم.

ويذكر الذين عاصروا تلك الحقبة في الثمانينات ما شاع من مقولات وتعليقات وانتشر بكثافة لاحقاً مع إنطلاقة “حزب الله” في الثمانينات: “أن للمقاتل أم 16 لميعة (البندقية) والفولفو السريعة والمرأة المطيعة”، وهي دلالة على المميزات لدى المنتسبين للحزب، وان استخدمت من البعض في سياق تهكمي.

التركيز على الجانب المالي ولا سيما الدولار، لا يستهدف التقليل من الشأن المتصل بالايديولوجيا، ولا التهوين من شأن القناعات لدى المنتسبين، ولا بالتأكيد التقليل من دوره في المقاومة اللبنانية ضد اسرائيل، لكن الغاية في الاشارة الى المال كعصب اساسي في صعود هذه الظاهرة الحزبية في لبنان وفي المجتمع الشيعي على وجه الخصوص.

مسار صعود

وفي عرض لمسار صعود “حزب الله”، من الملاحظ ان الدعم الايراني المالي وبالدولار الاميركي، هو من هوية الحزب، وحتى لو دخلت اليه موارد مالية من مصادر أخرى فهي تتم امام اعين الايرانيين واشرافهم، سواء تلك التي قدمتها دول عربية، او تلك المتصلة بعمليات مالية خارجية مشروعة وغير مشروعة.

المال هو الرسالة التي كان يحسن الأمين العام للحزب مخاطبة جمهوره بها، ففي خضم الحرب او التهديد بها، كان نصرالله يطمئن الجمهور والقاعدة الحزبية الى انها موجودة وانها لن تتأثر بكل ما يجري من حصار او تهويل على “حزب الله” من جهات خارجية.

ويمكن بقليل من المتابعة للعديد من مواقف حلفاء “حزب الله” ولا سيما بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري وخروج الجيش السوري من لبنان، الملاحظة ان العنصر المالي كان اساساً في ترسيخ تحالفاته الداخلية، والدعم المالي الذي قدمه لعشرات الاحزاب والمجموعات والشخصيات السياسية وغير السياسية ومنها سرايا المقاومة، الى جانب استثمار نفوذه في الدولة اللبنانية لتمرير مصالحها من توظيف وتلزيمات ومعونات، كل ذلك كان ابرز مصادر قوة “حزب الله” للتمدد والنفوذ خارج الطائفة الشيعية، ولم يكن دوره العسكري والأمني وحده كافياً لجذب الحلفاء، المال هو العصب وهو القوة الناعمة التي اخترقت حصوناً كان من الصعب على “حزب الله” اختراقها بالايديولوجيا وحدها.

في حرب العام 2006 لم تكن نتيجة الحرب انتصاراً للبنان، فحجم الدمار الذي طال الدولة شعباً ومؤسسات لم يكن مسبوقاً، ولكن “حزب الله” استفاد من هذه الحرب بخلاف الدولة اللبنانية، ولعل ابرز وجوه الاستثمار، او الأهم شيعياً، كان المال الذي تدفق بالمليارات لاعادة البناء، وخروج نصرالله نفسه للقول لجمهور الشيعة المنكوبين بعد الحرب، ان بيوتهم وقراهم ومدنهم سيعاد بناؤها افضل مما كانت، وقام “حزب الله” مباشرة بدفع التعويضات للايواء وبشكل سريع بالدولار ايضاً، وهذا ما ساهم في امتصاص النقمة عليه بسبب الحرب، ونجح في تحويل نتائج الحرب السلبية الى قوة دفع شيعية ليس في اتجاه اسرائيل، بل الى الداخل اللبناني، بحيث بدأت بشكل واضح ومستتر عملية السيطرة والتحكم بالدولة اللبنانية، والانتقال لاحقاً الى سوريا والعراق واليمن وغيرها…، وبدأ رواج مقولة الحزب الاقليمي في دلالة على دور الحزب الفاعل خارجياً، وبالتأكيد الفاعلية هنا عربية وتحت مظلة التمدد الايراني في هذه الدول، فيما اسرائيل حققت منذ العام 2006 قفزات استراتيجية أمنياً وعسكرياً واقتصادياً.

هزيمة لبنان وسوريا

المال ثم المال ثم الايديولوجيا والخيارات السياسية والعسكرية والأمنية، بل لم تكن الايديولوجيا لتتمدد وتسيطر، لو لم تكن مشروطة بمنافع مادية، فولاية الفقيه العامة التي تقوم عليها ايديولوجية “حزب الله”، اتيح لها ان تنتشر لدى بعض الشيعة العرب، بعدما كانت هامشية ويرفضها معظم فقهاء الشيعة بل الأكثرية الساحقة في تاريخ المذهب الشيعي، لم تكن لتتمدد لولا دور المال والسلطة الذي مثلته الدولة الايرانية، على رغم ما لهذه الايديولوجية من تعارض جوهري مع الانتماء للدولة الوطنية والولاء لها، فالولاء للدولة الوطنية والاندماج في مجتمعاتها، هو الغالب والشائع في آراء الفقهاء والمفكرين الشيعة، بل لم يخرج من الفقهاء من طرح فكرة الدولة الشيعية باعتبارها غاية او هدفاً لهذه الجماعة.

كل ما تقدم يشير الى اهمية المال ونظام المصالح للفرد او الحزب او الجماعة او الدولة الوطنية وحتى النظام الاقليمي الذي يقوم على منافع مشتركة بين الدول المكونة له، كحال النظام الاقليمي العربي، واذ نجح “حزب الله” الى حدّ ما في ليّ عنق نظام المصالح الوطني والعربي والدولي للبنان، وقبل ذلك لمحازبيه وللجماعة الشيعية الى حدّ معتبر، فان هذه القدرة لم تكن لتتحقق لولا تقاطعها مع مصالح اقليمية ودولية، وبدا ان “حزب الله” يؤدي وظيفة تتناغم مع خيار التفتيت، العربي والوطني، فيما كانت اسرائيل تنمو وتتمدد وتحقق اختراقات استراتيجية عربياً ودولياً، ولم يكن الدخول الروسي والصيني الى المنطقة من دون شرط ضمني هو الدخول عملياً عبر علاقة وثيقة مع اسرائيل.

الهزيمة هي المحصلة مهما قيل عن صواريخ “حزب الله” الدقيقة، الهزيمة اللبنانية والسورية والعربية على وجه العموم، غير ذلك مكابرة وامعان في مزيد من ترسيخ الهزيمة.

اللبنانيون مهزومون في نموذج سلطتهم، في الفساد وفي ضعف الدولة، وضعف العدالة في تطبيق القانون، ان لم نقل غيابها كلما تعلق الأمر بمحاسبة الفاسدين المفسدين.

العودة الى نظام المصالح الوطني والولاء للدولة، والتسليم بأن هذه المصلحة تمثل المقدس اللبناني، وأول ما يعني اللبنانيين اليوم هو الحدّ من الخسائر ولجم الانهيار، واذا كان “حزب الله” لديه ما يقدمه للبنانيين على هذا الصعيد، فهم جاهزون لاتباعه، لكن لن يقبلوا بأقل ما قبل به محازبوه، اي ان يزيل عنهم شبح الفقر، وان يوفر لهم شروط العيش الكريم، وان يضمن لهم سريراً في مستشفى، ومقعداً لأبنائهم في المدرسة والجامعة، وفرصة عمل تتيح الحصول على راتب لا يهتز باهتزاز سعر الصرف لليرة اللبنانية، وان يضمن لهم حداً معقولاً من كرامتهم الانسانية، فالولاء والطاعة لا يتحققان بغير ذلك هذا ما قالته سيرة “حزب الله”، ولا يمكن ان يتحقق له لبنانياً من دون ذلك السبيل.

محصلة الفساد والافساد وإضعاف الدولة، مضافاً اليها قانون “قيصر” ضد النظام السوري، فضح حجم الانهيار للدولة في لبنان وكشف عن حجم المكابرة والادعاءات التي طالما شكلت عنصراً قاتلاً ومدمراً للوطن والمجتمع…قليل من التواضع يحيي لبنان!.