IMLebanon

“التدقيق الجنائي” وخروقات إسرائيل في استقبال لودريان

كتب عمر حبنجر في جريدة الأنباء الكويتية:

استقر رأي الحكومة اللبنانية على اختيار شركة «الفاريز اند مارسيل»، لإجراء التدقيق الجنائي في المصرف المركزي، ومقر الشركة الأساسي في نيويورك ويعمل فيها نحو 4500 موظف، وخبرتها في التدقيق المالي تمتد الى 35 سنة، لها 65 مكتبا في 24 دولة، بينها دول عربية وليس بينها إسرائيل، وسعرها الأغلى بين كل الشركات، التي سبق ترشحها لهذه المهمة، وهي ستتقاضى مليونين و200 ألف دولار، في حين ان شركة «بيكر» عرضت تنفيذ المهمة أقل بمليون دولار.

ويعتقد مسؤولون حكوميون ان قرار هذا التكليف عشية وصول وزير الخارجية الفرنسية جان ايف لودريان الى بيروت مساء امس، هو بمنزلة رسالة الى المجتمع الدولي والى صندوق النقد الدولي، الذي ضجر من مطالبة الحكومة اللبنانية بالإصلاحات الإدارية والاقتصادية بلا طائل، علما ان صندوق النقد طرح 9 نقاط إصلاحية على الحكومة وليس واحدة وحسب.

ويبدو ان إسرائيل أرادت ان تضيف الى جدول أعمال زيارة لودريان بندا جديدا بالاختراقات المتلاحقة للأجواء اللبنانية الجنوبية طول فترة الصباح، في وقت كانت الدوريات العسكرية الإسرائيلية تجوب منطقة السياج الحدودي، انطلاقا من محور الوزاني حتى وادي العسل، متفقدة كاميرات المراقبة، على ان ما استوقف الأوساط السياسية في بيروت، هو اعتراف “حزب الله” بمقتل احد عناصره في القصف الإسرائيلي الأخير على جنوب دمشق العاصمة السورية، حيث القاعدة المتبعة عند الحزب، ان اعترافه بمقتل أحد عناصره يجعله ملزما بالرد!

في الأثناء، مقترح الحياد الإيجابي الذي اطلقه البطريرك الماروني بشارة الراعي مازال يتفاعل، وسيشغل جانبا واسعا من زيارة وزير الخارجية الفرنسية، وقد أكد المكتب السياسي لحزب “الكتائب” وجوب تحرير لبنان من أوزار المحاور التي حاولت كل الأطراف زجه بها دائما»، وحذر من جر اقتراح الراعي الى منطلقات طائفية او عددية رقمية تغلب مكونا على آخر.

وقال بيان المكتب السياسي إنه «لا يمكن للبنان ان يساق من طرف واحد مهما كبر أو عظمت ترسانته»، مسجلا تخبط الحكومة وعجزها حيال كل الملفات.

أما الهموم اللبنانية المزمنة الأخرى، كتفشي «كورونا» مع قوافل الوافدين من المغتربات او توالد أزمات المحروقات، حيث وصلت شحنات الفيول اويل المشغل لمعامل الكهرباء، لكن مادة البنزين المحرك للسيارات اختفت، فهي أمور تبقى خارج دائرة اهتمام الزائر الفرنسي.

وبالعودة الى ملابسات صدور قرار التكليف، فقد سألت وزيرة العدل ماري كلود نجم لماذا استبعدت شركة «كرول» طالما ان البعد الأمني شبيه لدى كل الشركات، في إشارة إلى العلاقة بالمؤسسات الإسرائيلية، خصوصا ان عرضها المالي اقل بـ 500 ألف دولار، فأجابها الريس حسان دياب بقوله ان الشركة المكلفة هي الأنسب، بينما شدد الرئيس ميشال عون على إنهاء العمل في مهلة 6 اشهر، وأكد على الشركة بوجوب الحفاظ على سرية المعلومات.

وزراء “أمل” و”حزب الله” حمد حسن وعماد حب الله وعباس مرتضى أوراق بيضاء، لاعتبارات شتى أثناء التصويت على تكليف الشركة، علما ان أحدهم وزير المال غازي وزني هو مقدم الاقتراح.

وبالفعل فقد تبين ان المدير الرئيسي للشركة يدعى الن كريستمان، درس في جامعة تل أبيب وهو مخول ممارسة المحاماة في كل من تل أبيب ونيويورك، وحاصل على بكالوريوس المحاسبة و«ليسانس» في الحقوق من جامعة تل أبيب.

وشمل التكليف، كل السنوات السابقة، وهذا يتطلب تعديلات في قوانين السرية المصرفية، والنقد والتسليف وصلاحيات حاكم مصرف لبنان، وهيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان المركزي، ومثل هذه التعديلات دونها عبور مجلس النواب، خاصة ان توسعة المدى الزمني للمهمة من 4 سنوات الى كل السنوات، قد ينطوي على استهداف للرئيس نبيه بري والرئيس سعد الحريري ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط.

كتلة “المستقبل” قالت انه كان الأجدى بالحكومة ان توافق على ان يشمل التدقيق الجنائي كل مؤسسات الدولة، خصوصا وزارة الطاقة، واعتبرت ان حكم القاضي محمد مكي بحق الحاكم رياض سلامة غير قانوني، ودعت مجلس القضاء الأعلى لاتخاذ التدابير المناسبة، أما «تكتل لبنان القوي»، فقد اعتبر تكليف هذه الشركة خطوة في الاتجاه الصحيح.

وواضح ان التدقيق الجنائي سيشمل فقط حسابات مصرف لبنان، عملا بقرار مجلس الوزراء، ومن دون مقاربة أوكار الفساد في الوزارات والإدارات ومجالس هدر المال العام، وعلى الأخص وزارة الطاقة المسؤولة عن نصف الدين العام المتجاوز لـ 80 مليار دولار، ضاعت في سراديب الكهرباء والمشتقات النفطية، ووزارة الاتصالات التي تنافس الكهرباء، في الهدر.

لكن مصادر حقوقية ترى أن التحقيق الجنائي، لا يكون حصريا بجهة معينة، فإلى جانب من اقرض المال للدولة، هناك من هدر وبدد الأموال المقترضة، داخل مؤسسات الدولة، الملوثة بفيروس الصفقات والسمسرات المزمن.

المصادر الحقوقية اعتبرت أن حصر التحقيق بقيود البنك المركزي دون سجلات الإنفاق العام يختزل الهدف منه، وهو حاكم مصرف لبنان رياض سلامة الذي استعصت إقالته أو إقناعه بالاستقالة على التيار الوطني الحر الحاكم، فكان التدقيق الجنائي السبيل الممكن إليه، مع طمأنة القوى السياسية التي يعبر مجلس الوزراء عن إرادتها بأنها لن تكون في المرمى، وهذا ما سيشوه صورة الإصلاحات التي تحاول الحكومة تقديمها للمجتمع الدولي، وهذا ما ستكاشفه عندما يواجهها صندوق النقد بكونه يريد إصلاحات جذرية ولا يبحث عن كبش محرقة.