IMLebanon

هل تطيح استقالة ناصيف حتّي بالحكومة؟

كتبت غادة حلاوي في “نداء الوطن”:

حتى كتابة هذه السطور كانت استقالة وزير الخارجية ناصيف حتي بحكم المؤكدة. حيث يعتزم زيارة رئيس الحكومة حسان دياب في السراي الحكومي لتقديم إستقالته ويتلو بياناً عن الأسباب والدوافع، ليطوي بذلك صفحة أقصر فترة لوزير خارجية لبناني لم يتمكن من أن يكون وزير خارجية العهد. لكن حتى ساعات المساء لم يكن رئيسا الجمهورية والحكومة في جو الاستقالة. وقالت أوساط السراي الحكومي إن حتي لم يفاتح رئيس الحكومة بموضوع استقالته وانه علم بالامر من خلال الاعلام وتعاطى معها على أنها مجرد شائعات، وانه اذا صحت المعلومات فهو يدعوه للتريث ولا يرى مبرراً للإستقالة، ويدعوه لمناقشة مأخذه مباشرة مع الرئيسين وداخل مجلس الوزراء.

ربما هي الظروف أو أنه العمل الديبلوماسي الذي ضاع في دهاليز العمل السياسي في لبنان. وتدفع هذه الإستقالة الى الواجهة مجدداً طرح نظرية حكومة التكنوقراط ومدى جدواها في مواجهات الازمات الاستثنائية التي تتوالى على لبنان. بلد غارق بأدق تفاصيله بالأمور السياسية يتولى دفته وسلطته التنفيذية خبراء واكاديميون ومستشارون، حتى غدت حكومة مستشارين بإمتياز. الا أن اللافت أيضاً هو كثرة الحديث عن نية استقالة عدد من أعضائها وهي حكومة ما كادت تتجاوز الستة أشهر بقطع النفس. ليس الموضوع شخص الوزير حتي أو قراره بالتنحي إنما الدلالة لهذه الإستقالة الموجهة الى رئيس “التيار الوطني الحر” جبران باسيل أولاً، ومن ثم الى رئيس الحكومة حسان دياب الذي لم يهادن وزير الخارجية الفرنسي صديق حتي الحميم. وقد يكون وزير الخارجية على بينة اكثر من غيره حول ما ينتظر لبنان في الأيام والأشهر المقبلة من تداعيات، ويريد ان يتنحى كي لا يحسب عليه اي فشل او مواجهة لا يريدها. فهل تستعجل خطوة حتي إن حصلت أو لم تحصل إعادة طرح تشكيل حكومة وازنة على المستوى السياسي، قد تستطيع لملمة الاوضاع المنهارة والمتردية الى مستوى غير مسبوق في الحياة السياسية اللبنانية؟

منذ فترة وهو يردد في مجالسه الخاصة: “استقالتي جاهزة”. وزراء وأصدقاء له نصحوه أخيراً بأن ما ينقل عن لسانك ويقال غير مفيد، ومن الأفضل أن تعبر صراحة أمام مجلس الوزراء وليس عبر جلسات اعلامية ضيقة.

“مش رمانة قلوب مليانة”، مثلٌ يصفُ حال حتّي الذي بدأت مشكلته مع إنتداب مدير عام الأمن العام اللواء عباس ابراهيم للقيام بجولة خارجية شملت الى العراق، الكويت وقطر في محاولة لحث الدول العربية الصديقة على مساعدة لبنان في محنته الإقتصادية والمالية. كان واضحاً لكثيرين وبينهم حتّي تقدم دور اللواء على دوره كوزير للخارجية. ما دفعه الى تقديم احتجاجه لإعتباره ان ما يجري بمثابة تعدٍّ على صلاحياته كوزير للخارجية قبل أن يأتي من يقنعه أن الأمر غير مقصود، بالنظر الى العلاقة التي تربط ابراهيم بالمسؤولين الامنيين في تلك الدول من جهة وبالنظر الى صلاحية رئيس الجمهورية ميشال عون المنصوص عنها في المادة 52 من الدستور، والتي تمنحه حق تكليف المدير العام للأمن العام بالمهام التي يرتئيها. على مضض إقتنع ممثل الديبلوماسية اللبنانية لولا أن مني بمصاب ثانٍ عبّر عنه مقربون، تَمثل في عرقلة باسيل التشكيلات الديبلوماسية التي يعتزم السير فيها.

سبب آخر وأهم إضافة الى ما تقدم وهو الإحراج الكبير الذي تسبب به رئيس الحكومة نتيجة “التويت” الشهير، الذي انتقد فيه وزير خارجية فرنسا جان ايف لودريان، فاعتبر أن المسألة أصابته شخصياً نظراً لما روج له أنه على علاقة صداقة متينة مع الفرنسيين ووزير الخارجية، وقوله مرات عدة أمام المسؤولين اللبنانيين وأصدقاء له: أنا أتحدث معه كأي صديقين حميمين.

تسبب “تويت” رئيس الحكومة بإزعاج شخصي لحتّي الذي سارع لزيارة رئيس الحكومة لإستيضاح الأمر والاحتجاج، وكان من جملة من ضغطوا لحذف مضمون ما قاله دياب. وثمة دوافع وأسباب شخصية تلفت اليها اوساطه لتقول إن وضعه العائلي يدفع به الى الإستقالة، فهو متزوج من امرأة تونسية وأفراد عائلته خارج لبنان يقعون تحت تأثير ما يكتب عنه في الصحف.

وينقل احد زملائه داخل الحكومة أن سبب الإستياء من حتّي قلة مداخلاته وأنه لا يعطي رأيه في أي ملف خارج ملفات وزارة الخارجية، كأنه غير معني بصيغة الحكم كحكم وان صوته لا يسمع خلال الجلسات إلا في ما ندر. وفي مناسبات مختلفة كرر حتي انتقاداته بحق رئيس الحكومة حسان دياب. أوساط تعرف حتي عن كثب تتحدث عن مجموعة أزمات يعاني منها وزير الخارجية ابرزها أنه يريد إمساك العصا من الوسط، في الوقت الذي لا يسمح مسار الأحداث في لبنان بالمنطقة الرمادية في المواقف. الرجل المتمرس في الديبلوماسية من بوابة الجامعة العربية ربما لم يكن يتوقع حين رضي بتولي حقيبة الخارجية في الحكومة الحالية في بلد معقد مثل لبنان، ان يختلف العمل الديبلوماسي فيه كثيراً عن ممارسة العمل الديبلوماسي في جامعة الدول العربية.

لا أحد ينكر على حتي ديبلوماسيته وخبرته التي بناها خصوصاً في فرنسا وإيطاليا حيث مثل جامعة الدول العربية وتمرس على يد الأمين العام السابق عصمت عبد المجيد، ولكن مغاور وكهوف الحياة السياسية في لبنان تضغط على الوزير لتظهير مواقف ربما لم يدخلها في حساباته.

يرجح اصدقاء حتي انه يطرح استقالته من باب الامتعاض وليس من باب الموقف. ما يعني أنها حالة امتعاضية وليست حالة موقف. التلميح المتعدد في كل مرة للإستقالة وصفه أحدهم بالقول “اللي بدو يضرب ما بيهمز”.

هل هي أزمة وزارة خارجية أم أزمة سياسة خارجية لحكومة لم تعرف كيف تتعاطى مع الخارج، لا مع فرنسا كدولة راعية لمؤتمر “سيدر” وداعمة للبنان، ولا مع الولايات المتحدة الأميركية صاحبة القرار الدولي الأول، وبالمقابل لم يعرف كيف يستفيد لبنان من تظهير دور روسيا كصديق للبنان ولا يبدو انه قادر على فتح آفاق تعاون مع الصين. أم أنها أزمة وزير خارجية مني بأكثر من خيبة على مستوى عمله الديبلوماسي؟