IMLebanon

مبادرة ماكرون هل تحظى بغطاء أميركي- عربي؟

كتبت رلى موفّق في “اللواء”:

عبَّر الرئيس الفرنسي إيمانوبل ماكرون عن فيض عاطفي تجاه لبنان وشعبه. وعاش على أرض الواقع الانفصام بين طيف واسع من اللبنانيين وبين حكامهم وحتى سياسييهم. لمس حجم اللاثقة المتناهية بالسلطة وتوقهم إلى التغيير ومطالبتهم باقتلاع الفاسدين، وإلى العيش بكرامة وحرية بعدما فقدوا كل الأمل. خاطبهم بحب، وملأ فراغاً سياسياً قلما شهده لبنان. وأكد انه إلى جانب الشعب اللبناني وان بلاده لن تترك لبنان يموت وأن مساعدات دولية ستصل تحت مظلة الأمم وستسلم مباشرة إلى الشعب.

عرّى ماكرون السلطة الحاكمة والطبقة السياسة التي آن أوان أن تتحمل المسؤولية، فما بعد انفجار بيروت ليس كما قبله لجهة حجم المأساة التي ستحل باللبنانيين.  أعاد في اللقاءات الرسمية مع الرؤساء الثلاثة وفي لقائه مع رؤساء الكتل النيابية من الموالاة والمعارضة بأن الوقت ضاق، ولا بد من البدء بمسار آخر سمّاه «ميثاق سياسي جديد».

لكن هذا الميثاق الجديد لا يعدو كونه «خريطة طريق» لإنقاذ ما يمكن إنقاذه تفادياً للسقوط الحتمي للبنان حياتياً واقتصادياً ومالياً. وتستند «خريطة الطريق» هذه على العمل لتأليف حكومة «وحدة وطنية»، من منطلق أن أي فريق سياسي غير قادر على الحل لوحده، والمباشرة على الفور بتنفيذ الإصلاحات التي يطالب بها المجتمع الدولي في القطاعات الحيوية، ولا سيما الكهرباء، ومكافحة الفساد مكرراً مقولة وزير خارجيته «ساعدونا حتى نساعدكم». منح ماكرون القيادات السياسية فترة زمنية حتى الأول من أيلول، حيث سيعود للمشاركة في الذكرى المئوية لولادة لبنان الكبير، وسيقف عند ما يمكن أن تكون تلك القيادات قد أنجزته.

على أن لا رهانات لإمكان حدوث اختراقات في الأزمة اللبنانية. فما طرحه ماكرون هو مبادرة فرنسية منبعها تلك العلاقة التي تربط «الأم الحنون» ببلاد الأرز، بتشعباتها السياسية والاجتماعية والثقافية والمصلحية. لم يأتِ الرئيس الفرنسي مفوّضاً من الأميركيين ومن العرب لطرح مبادرة تحل الأزمة السياسية الراهنة التي آلت إلى عزلة لبنان عن محيطه العربي وعن ارتباطه الطبيعي بالغرب، وإلى حصار يعيشه نتيجة اختلال التوازنات السياسية وسقوطه في فلك المحور الإيراني. ولا جاء ماكرون حاملا دعماً يتعدى المساعدة الإنسانية للتصدي لكارثة المرفأ والتداعيات التي ستنتج عنها. فهو تحدث عن أن بلاده ستنظم مع أميركا والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي مؤتمرا عالميا لدعم اللبنانيين بهدف دعم المساعدات المالية الأوروبية والأميركية لتأمين الأدوية والغذاء وكل ما هو ضروري للسكن.

ترك ماكرون المعضلات السياسية الكبرى جانباً، غابت مصطلحات السيادة وسلاح «حزب الله» وموقع لبنان ودوره، ولم تحضر «مبادرة الحياد» التي طرحها البطريرك الماروني بقوة، التي كان يمكن أن تُشكّل مدخلاً لإخراج لبنان من عنق الزجاجة. فليس لفرنسا القدرة على التأثير في مجرى المواجهة الكبرى الدائرة بين أميركا وإيران، وفي تجنيب لبنان ارتداداتها.  فماكرون يعلم علم اليقين أن الكلمة الفصل أميركية بامتياز، ولن يكون الحل قبل أن تحط المواجهة أوزارها، غير أنه يسعى إلى دفع السلطة الحاكمة والطبقة السياسية لخطوات عملية تخفف من وقع الانتظار الثقيل على لبنان وكلفته الهائلة التي لم يعد بإمكانه تحمل انعكاساتها بعد انفجار بيروت، الذي سيُسرّع عجلة السقوط إذا لم تتدارك الطبقة السياسية سريعاً حجم المأزق الراهن.

في رأي متابعين، أن ماكرون رمى حبل النجاة للتركيبة السياسية الراهنة. فهو حين يبني خريطة الطريق على حكومة وحدة وطنية، يتّجه صوب إعادة احياء التسوية الرئاسية التي تصدّعت وبات من الصعب ترميمها، فيما المطلوب الذهاب إلى حكومة حيادية قادرة على القيام بإصلاحات جذرية على مستوى الدولة ومؤسساتها وقطاعاتها تعيد إعطاء الثقة للبنانيين وللمجتمع الدولي بحيث يمكن معها لصندوق النقد الدولي أن يمد يد المساعدة المالية ويمكن معها إطلاق أموال مؤتمر «سيدر» لضمان النهوض بالاقتصاد.

وهو في المقابل، أرسل اشاراته الواضحة إلى الشعب اللبناني الذي ثار في 17 تشربن الأول الفائت، بأن المسؤولية تقع عليه ايضاً، فمن أتى بالسياسيين هي أصواتهم في صناديق الاقتراع، وعليهم تالياً أن ينخرطوا أكثر في الحياة العامة وأن يذهبوا في مطالباتهم وفي ضغطهم إلى حيث يمكن أن يحدثوا فرقاً. فمشهد التفاف الناس وأصواتها المطالبة للمساعدة كانت مؤثرة، لكن هذا الالتحام من شأنه، في رأي مراقبين، أن يعيد الزخم إلى حركة الشارع، وأن يمدها بزخم جديد بعدما تراجعت إلى حد الاندثار.

لا شك أن زيارة ماكرون حرّكت المياه الراكدة، لكن مفاعيلها قد لا تكون مؤثرة على مستوى حصول تحول في الأداء السياسي للسلطة، ولا حدوث تغيير حكومي يفتح الطريق على رحلة الإنقاذ. قد يكون أكثر ما يمكن توقعه هو نهوض جديد على مستوى حركة الشارع بعد أن يكون قد استفاق من وقع صدمة الكارثة التي ألمت ببيروت.