IMLebanon

جبران باسيل.. رئيس لبنان الخفي المتمسك بإنجازاته

كتب صلاح تقي الدين في “العرب اللندنية”:

لا شيء يجمع اللبنانيين هذه الأيام سوى النكبات التي لا تفرق بين أبناء الطوائف والمذاهب، غير أن اللافت هو شبه الإجماع الوطني العام على الكراهية التي يكنونها لشخص رئيس “التيار الوطني الحر” النائب جبران باسيل الذي يوما بعد يوم، ومنذ دخوله الطارئ إلى عالم السياسة اللبنانية فرّق ولم يجمع، ولم يراع التوازنات التي قام عليها لبنان، فحاول الاستئثار بكل مقدرات الدولة متسلّحا بوصول عمه ميشال عون إلى سدة الرئاسة ومستغلا تقدّم الأخير بالسن ليصبح الرئيس الفعلي للبلاد ليحاول إدارتها بأسوأ الطرق الممكنة ما جعل وتيرة الانهيار متسارعة وصولا إلى القعر الذي يبدو أن لا عمق محددا له.

المصيبة، كما يتردّد بين اللبنانيين اليوم، أن باسيل لم “يشبع” بعد، لا مالا جناه من صفقات مشبوهة في كل الوزارات التي وكّله فيها عون، ولا توزيع محسوبياته على المناصب الإدارية والتنفيذية في محاولة لاحتكار كل ما يعود إلى الطوائف المسيحية من هذه التعيينات، وتنكّر لكل الاتفاقيات والعهود التي قطعها مع سائر الفرقاء السياسيين بعدما استنفد منها ما يفيده ورماها خلفه غير آبه بالانتقادات و”كشف” الفضائح من ورائها والتي جعلته هدفا لكل اللبنانيين الذين يحاولون الانتفاض على الواقع المأزوم الذي وصلوا إليه ويحمّلون باسيل جزءا كبيرا من المسؤولية عنه.

سجلُّ باسيل الإشكالي غنيٌ لا ينضب، بدءا من اتفاق مار مخايل الذي أبرمه عمه مع “حزب الله” في العام 2006، وصولا إلى اتفاق معراب الذي وقعه مع “القوات اللبنانية” والذي كان الغلطة الأكبر في تاريخ رئيسها سمير جعجع، وتبنى بموجبه ترشيح عون إلى رئاسة الجمهورية، مرورا بكل المقولات الشهيرة التي أطلقها عون من “كرمال عيون الصهر” إلى “يروحوا يلعبوا بشي تاني”، والتي كلها تصب في خانة تأمين مصالح صهره غير آبه بمصالح لبنان واللبنانيين عموما.

“إذا ابتليتم بالمعاصي فاستتروا”، على هذه القاعدة الذهبية سار معظم العاملين في الشأن العام في لبنان باستثناء باسيل، الذي لم يترك معصية إلا وابتلي بها لكنه جاهر علنا وفاخر بما يفعله، لا بل ذهب إلى حد محاولة ذر الرماد في العيون وإقناع اللبنانيين من خلال مؤتمرات صحافية وشعارات شعبوية بأنه “المنقذ” و”المخلّص” لكنهم “ما خلونا نشتغل” مبررا الأخطاء والخطايا التي ارتكبها.

وعوض التعلّم من دروس التاريخ وأخذ العبر منها، يبدو أن باسيل “مغرم” بمقولة التاريخ يعيد نفسه، ليكرر أخطاءه نفسها حتى ولو كانت على حساب أرزاق ودماء اللبنانيين وحديثه هذه المرة، الشروط التي يريد فرضها على الحكومة العتيدة قبل ولادتها، ضاربا عرض الحائط الاندفاعة الدولية عبر الرئيس إيمانويل ماكرون تجاه لبنان عقب الزلزال المدمّر الذي أصابه نتيجة انفجار عنبر في مرفأ بيروت “خزّنت” فيه كميات ضخمة من مادة نيترات الأمونيوم، لم يسلم باسيل شخصيا من شبهة الشك في أنه يقف وراء قرار استيرادها عندما كان وزيرا للطاقة على ما نشرته الإعلامية ديما صادق عبر منصات التواصل الاجتماعي.

“الشارع السني” في لبنان يعبّر يومياً، ومن خلال مظاهر عديدة، عن غضبه من مصادرة عون لصلاحيات رئيس الحكومة “السني” بإجراء ما يسميها بـ”مشاورات” تضمن حصته وحصة باسيل في التشكيلة الحكومية. وهو ما يفترض برئيس الحكومة المكلف أن يقوم به

عقب استقالة حكومة حسان دياب، التي يصفها كثيرون هنا في بيروت بغير المأسوف على رحيلها، وتدخّل الرئيس ماكرون شخصيا عند زيارته لبنان ودفع الفرقاء السياسيين الذين التقى بهم في قصر الصنوبر، مقر إقامة السفير الفرنسي في بيروت، إلى ضرورة تغيير ذهنية السلطة الحاكمة وتشكيل حكومة جديدة بعيدة عن شبهات الفساد وتطبيق الإصلاحات الضرورية التي هي شرط رئيس للمجتمع الدولي لمساعدة لبنان، أدار رئيس مجلس النواب نبيه بري محركاته وراح يعمل باتجاه تنفيذ الوعود التي تلقاها ماكرون واتجه صوب قصر بعبدا في محاول للبحث في قضية تشريع الاستشارات النيابية الملزمة التي على ضوئها يسمّي أعضاء مجلس النواب رئيس الحكومة العتيد.

غير أن عون الذي استقبل بري، وفي خطوة استعاد بها مآثره من رئيس السلطة الاشتراعية، عاد إلى الخوض في التفاصيل مع باسيل، وأقل ما يقال عن ذلك أنه إما استقالة لعون من مسؤولياته كرئيس للجمهورية وتفويضها إلى باسيل، أو أنها إدارة ظهر للرئيس بري ومحاولة إفشال مبادرته “الإنقاذية”.

ولأن تجربة بري وخبرته السياسية وحنكته تتجلّى في مثل هذه المواقف، استدعى باسيل إلى قصره في عين التينة واجتمع إليه بحضور معاونه السياسي النائب علي حسن خليل والمعاون السياسي لأمين عام “حزب الله” السيد حسن خليل، لما للأخير من “مونة” على باسيل، علّه يساهم في ليس جس نبضه فحسب، بل ربما إقناعه بتسهيل مهمة بري الذي يبدي في مجالسه امتعاضه من لجوء عون مجددا إلى تأخير الدعوة إلى الاستشارات النيابية الملزمة وفقا للدستور لتسمية رئيس جديد للحكومة.

تجدر الإشارة إلى أن “الشارع السني” في لبنان بدأ يعلن عن نقمته من مصادرة عون لصلاحيات رئيس الحكومة المكلّف “السني” بإجراء ما يسميه “مشاورات” تضمن التشكيلة الحكومية وحصته وحصة باسيل فيها، وهو ما يفترض برئيس الحكومة المكلّف أن يقوم به.

ويقول المحامي والوزير الأسبق رشيد درباس إن “عدم ذكر الدستور اللبناني مدة محدّدة تلزم رئيس الجمهورية بالدعوة إلى استشارات نيابية، لا يعني أنه بإمكان الرئيس التأخر في الدعوة”، مؤكدا أن “المسكوت عنه في النص الدستوري، أي تحديد مهلة زمنية، مسكوت عنه لأنه ليس بحاجة لأن يُكتب، فبحكم الدستور على رئيس الجمهورية أن يدعو إلى استشارات نيابية بمجرد استقالة الحكومة لأنّ من مسؤولياته عدم حصول الفراغ”.

ماذا يريد رئيس مجلس النواب مدعوما من “حزب الله“؟ عودة الرئيس السابق للحكومة سعد الحريري إلى رئاسة الحكومة الجديدة لما يمثله من ثقل سياسي “سني” خصوصا وثقة دولية جاذبة للاستثمار؟ لكن باسيل الذي لم تعد تربطه أي علاقة “ود” بالحريري، عرض شروطه للقبول بالحريري في استعادة للشروط نفسها التي كان عرضها عقب استقالة حكومة الحريري في أكتوبر الماضي بعد اندلاع الثورة الشعبية المطالبة بالتغيير. وهذا ما يفسّر إعلان الحريري قبل يومين عن عدم رغبته بالترشّح لرئاسة الحكومة مطالبا بسحب اسمه من التداول.

استنادا لمصادر مطلعة على اللقاءات الأخيرة، فإن باسيل اشترط تسمية كل الوزراء المسيحيين في الحكومة العتيدة، متجاهلا كل الفعاليات المسيحية بدءا من البطريرك مار بشارة بطرس الراعي وجعجع، هذا على الصعيد الماروني، وصولا إلى مصادرة قرار باقي المذاهب المسيحية الأرثوذكسية والكاثوليكية والأرمنية، كما لو أنها تحصيل حاصل ورهن إشارة باسيل.

شدّد باسيل على ضرورة احتفاظ تياره بوزارة الطاقة “لاستكمال” الإنجازات الفاشلة التي حققها وفي مقدمها الإصلاحات في قطاع الكهرباء التي كانت هي العلة الأساس في عجز ميزانية الدولة اللبنانية والتي يعترف بها ماكرون وصندوق النقد الدولي والمجتمع العالمي ككل،  على أن بدء الإصلاح يتم من خلال معالجة هذا الملف. كما طالب باسيل بالمضي في التحقيق الجنائي في ملف مصرف لبنان، وهي مسألة ليست مرفوضة من أي جهة سياسية ضمن ضوابط السيادة والالتزام بالقوانين اللبنانية المعمول بها، وهو ما أشار إليه وزير المالية غازي وزني الذي قدّم إلى عون المسودة النهائية للاتفاق الذي سيوقع مع شركة “الفاريس ومارسال“.

لكن بعدما “عجز” بري عن إقناع باسيل بضرورة التوافق على اسم الحريري كرئيس للحكومة العتيدة، تبيّن أن عون لن يتردد في إحباط أي محاولة لحلحلة الأزمة ما لم تكن حقوق باسيل محفوظة فيها، وكل الباقي تفاصيل. هكذا كان عون رئيسا لـ”التيار الوطني الحر”، وهكذا هو في بعبدا، عناد واستماتة في سبيل تأمين مستقبل ولي عهده حتى ولو على حساب بلد بأكمله وشعب لم يعد يطيق مجرد النطق باسم باسيل وحتى عون نفسه.

لم يعد خافيا على أيّ لبناني أن باسيل لم يدخل دارا إلا وهدمها أو فرّق بين أهلها، هكذا فعل في دار “عمه” فالخلافات بين البنات اللواتي كنّ لا يرين في هذه الدنيا سوى الجنرال، أصبحن منقسمات بين جبران والصهر الثاني شامل الذي ابتعد وانسحب من الحاشية العونية الضيقة.

وهكذا حصل في صلب “التيار الوطني الحر”، حيث توالت الاستقالات امتعاضا من شخصية باسيل السلطوية وتعطشه الدائم للمال والصفقات وتقديم من يسمونهم بـ”الزحفوطنيين” على الكفاءات، وسط التنبؤات الكثيرة بانفراط عقد التيار وانحلاله إلى ما يشبه حالة الحزب “السوري القومي الاجتماعي” أحزابا وفرقا بعد رحيل عون، لأنه لن يكون بمقدور باسيل الاستمرار في العمل الحزبي والسياسي. لبنان في غرفة العناية الفائقة المركزة، وأطباء العالم هبّوا لإنقاذه، لكنهم ولدى معاينتهم للمريض اكتشفوا أن سبب العلة هو الدواء نفسه: جبران باسيل، فما هي الوصفة السحرية التي سيقررونها لتفعيل الدواء؟