IMLebanon

“الاقتصاد المقاوم” يفتح طريق “جهنم” من بوابة الدولار

كتب خالد أبو شقرا في “نداء الوطن”:

غرقت المبادرة الفرنسية في “وحل” السياسة اللبنانية، وعام نموذج “الاقتصاد المقاوم”. السؤال عن قدرة “الناتج المحلي” المتهاوي إلى 20 مليار دولار أو أقل بان ينهض بالبلد لم يعد مهماً، وحق المواطن بالحصول على أبسط مقومات الحياة أصبح تفصيلاً جانبياً، وأمل المودعين باسترجاع جنى عمرهم أضحى رفاهية زائدة. حبل تعداد الحقوق الانسانية على جرار الازمة قد لا ينتهي. إنما كله أصبح غير مهم! ازرعوا، تقشّفوا وتحمّلوا تعيشوا. فإيران أمامكم تشكل نموذجاً “حياً”. انظروا واتعظوا.

من لا يذكر الدعوة إلى “الجهاد الزراعي”، وترنيمـــة التوجه شرقاً، وعدـــم الحاجة إلى الاســتعانة بـ “أدوات الاستكبـــار الامبريالية” للخروج من المأزق الاقتصادي في بداية العام؟

أرباب هذه “النظرية” كانوا على ثقة بنجاحها، إلا انهم تنازلوا وقدموا لأصحاب الرأي الآخر الداعي للاصلاحات والتعاون مع صندوق النقد الدولي “مكرمة” التجريب.

همسوا في آذان بعضهم بعضاً “فليجربوا” وان فشلوا، وسيفشلون فسيعودون إلى مربعنا مرغمين.

إيران مثالٌ لا يحتذى

المشكلة في نظرية “الاقتصاد المقاوم”، التي انطلقت من ايران في العام 2012 مع بدء ازدياد الضغوط الدولية إنها مجرّبة وفاشلة. وقد أوصلت الريال الايراني بعد 8 سنوات إلى 255 الفاً مقابل الدولار؛ فيما السعر الرسمي المثبّت من المركزي يعادل 42 الف ريال. ورفعت معدل التضخم السنوي إلى أكثر من 80 في المئة وتركت الاسواق تعاني من ارتفاعات هائلة بالاسعار ونقص كبير بالمواد المستوردة. فالمواطنون يشترون اللحوم بالغرام والمشتقات النفطية بالليترات وذلك على الرغم من انها بلد منتج للنفط.

ويعانون من انهيار قدرة رواتبهم الشرائية وفقدان مئات السلع والمنتجات. والبطالة بين الشباب تفوق 50 في المئة وعدد العاطلين عن العمل يتخطى 11 مليون شخص. النمو الاقتصادي سلبي والاقتصاد يذوب بوتيرة متسارعة منذ فض الاتفاق النووي في العام 2018 وإصابة البلد بجائحة كورونا.

غياب مقومات “الإقتصاد المقاوم

في لبنان الوضع لن يكون على هذا الشكل، بل أسوأ. فتفشيل المبادرة الفرنسية التي تتضمن شقاً اقتصادياً معلقاً بالسياسي، والعمل على اقصائها نهائياً “سيجر لبنان إلى أكثر الأشكال فشلاً في العالم”، بحسب نائب رئيس الحكومة السابق د. غسّان حاصباني. “ولا نستطيع ان نطلق على هذا الشكل مصطلح “نموذج”، او حتى أن نقارنه بأيٍ من النماذج الفاشلة حول العالم، والتي منها النموذج الايراني. لان الشكل الذي سيكون عليه لبنان لن يكون اشتراكياً ولا رأسمالياً ولا تنافسياً ولا صناعياً ولا خدماتياً. حتى ان النموذج الزراعي الذي يتحدثون عنه سيكون مصيره الفشل، ولن يكتب له النجاح في مثل هذه الظروف. لأن أبسط مقومات “الاقتصاد المقاوم” غير متوفرة”.

“الحل لم يعد اقتصادياً” يقول حاصباني. “فالطبقة السياسية التي لم تستطع تشكيل حكومة إنقاذية رغم كل الضغوط الدولية والمحلية، لن تنجح في اجتراح حلٍ اقتصادي. وما سنصل اليه هو النتيجة الحتمية لعدم احترام الدستور واستمرار رفده ببدع وتفسيرات وأعراف ستسبب المزيد من استشراء الفساد والتفكك الاقتصادي والاجتماعي.

ماذا سيحصل؟

السيناريوات الاقتصادية فتحت على كل الاحتمالات مع اغلاق باب المبادرة الفرنسية. أول الانعكاسات سيكون بدء تحليق الدولار، حيث من المتوقع ان يشهد في الايام المقبلة ارتفاعاً وفق متوالية حسابية ( 8 – 8.5 – 9 – 9.5…). لكن مع النقص الكبير في الدولار بسبب بدء رفع الدعم بشكله الناعم، والمتمثل بصعوبة وتأخير فتح الاعتمادات، ومع تراجع التحويلات وعدم وصول القروض والمساعدات فان الارتفاع قد يتحول إلى متوالية هندسية (9 – 13.5 – 20…) أساسها، أي المعادل الذي يُضرب به، هو الطلب على الدولار. ولا عجب إن تحققت توقعات “بنك أوف اميركا” بان يصل سعر الصرف إلى 46500 ليرة مقابل الدولار قبل نهاية العام الحالي. هذا الواقع المسبب للتضخم وانهيار القيمة الشرائية سيكون كفيلاً بتدمير باقي المعطيات الاقتصادية. فالايام القليلة التي تفصل بين انقطاع المحروقات ستصبح أسابيع؛ وتوفّر الدواء في صيدلية من أصل 5 ستنخفض نسبته إلى 1/‏100، وسترتفع ساعات التقنين وسيعجز أصحاب المولدات عن توفير المازوت.. وسينحو الاقتصاد رويداً رويداً نحو التجربة الايرانية والسورية وحتى الفنزويلية. وبرأي حاصباني فان “الاتجاه الذي نراه اليوم يقود الى مزيد من التفكك الاقتصادي للبنية الاجتماعية. حيث زالت الطبقة الوسطى، والفقيرة أصبحت أكثر فقراً وأضحى الموت على قوارب الهاربين أخف قسوة من خطر البقاء في لبنان.

تدمير فكرة لبنان

سياسات تحجيم معيشة الفرد في لبنان إلى درجة “كائن بيولوجي”، يأكل ويشرب وينام فقط هو “تدمير لفكرة لبنان” يقول حاصباني. “فالانسان يجب ان يتميز بحضارته وقدرته على الخلق والابداع والفرح والحلم والطموح وتحقيق الذات وتوفير كل الاحتياجات. فكيف نستطيع ان نمحو كل حقوق الفرد والمواطن ونسمي ذلك انتصاراً، فهذا سيكون قمة الانكسار والفشل غيرالمسبوقين في التاريخ”.

الحل ما زال ممكناً.. ولكن!

تضييع لبنان للفرص الانقاذية قد يدخله موسوعة “غينيس” من الباب العريض، إلا ان اللافت ان امكانية الانقاذ ما زالت متوفرة، وهي لا تتطلب بحسب حاصباني “إلا سلطة تنفيذية قادرة وخبيرة ولديها مساحة كافية من الحرية لمعالجة الازمة المالية والاقتصادية”. فالحلول واضحة وهي تتركز على بدء الاصلاحات في القطاع العام والكهرباء وفي المصارف وعلى الحدود. “أمّا بخصوص الاختلافات فهي تقنية بدرجات متفاوتة وحلها ليس مستحيلاً” برأي حاصباني. فهل ندخل زمن الاصلاحات سريعاً أم نبقى في بازار السياسة المهدِمة التي تزيد الكلفة على الاقتصاد والمواطن جراء كل يوم تأخير ومماطلة؟