IMLebanon

“اتفاق الإطار” على ترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل: تساؤلات عن التوقيت

لم يشأ الرئيس نبيه بري لإعلان التوصل الى اتفاق إطار بين لبنان وإسرائيل على ترسيم الحدود أن يمر من دون مظاهر وضجة «احتفالية» ترتقي به الى مرتبة الحدث السياسي البارز، في وقت يضع الأميركيون هذا الاتفاق في مصاف الاتفاقات التاريخية ويتعمدون المبالغة في استباق الأمور واستعجالها.

فالرئيس بري الذي يتباهى بأن هذا الإنجاز صنيعته، وهو من هندس «اتفاق الإطار» ونسج خيوطه في جهد ديبلوماسي استلزم سنوات، والذي يجهد في نفي أي صلة لهذا التطور بالعقوبات الأميركية التي طالته أخيرا، نجح في قطف الثمار الإعلامية والسياسية لهذا الاتفاق، راسما إطار المفاوضات و«حدودها» وخريطة طريق للمفاوض اللبناني، معتبرا أن دوره ينتهي عند هذا الحد، وأن مهمة المفاوضات يتولاها الجيش اللبناني تحت قيادة ومرجعية رئيس الجمهورية.

 

«اتفاق الإطار»، كما اعلنه وأوجزه رئيس المجلس النيابي، واضح في نقاطه وبنوده:
٭ الاستناد الى آلية المفاوضات الثلاثية الموجودة منذ «تفاهم نيسان» 1996، وحاليا بموجب القرار الدولي 1701.
٭ المفاوضات غير المباشرة تعقد في مقر الأمم المتحدة في الناقورة وتحت رايتها وبوجود «الوسيط الأميركي».
٭ إيداع اتفاق ترسيم الحدود البحرية لدى الأمم المتحدة عملا بالقانون الدولي.
بعد الإعلان اللبناني عن «اتفاق الإطار»، جاءت ردة الفعل الأميركية والإسرائيلية السريعة لتكشف عن أمرين:
٭ الأول هو وجود تنسيق مسبق بين الجانب اللبناني والجانب الأميركي، واتفاق على «الإعلان الرسمي» لاتفاق وضعته الولايات المتحدة وعدَّلت نسخته الأخيرة يوم 22 سبتمبر 2020.
٭ الثاني هو «الطريقة الاحتفالية» التي جرى بها التعامل الأميركي والإسرائيلي مع الإعلان اللبناني وملاقاته.
وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو سارع الى الإعلان عن ترحيب بلاده بما وصفه «اتفاقية تاريخية بين حكومتي إسرائيل ولبنان»، توسطت فيها الولايات المتحدة.. ووزير الطاقة الإسرائيلي يوفال ستاينتس رحَّب بتصريحات بري، فيما وصلت المقاربة الإسرائيلية الإعلامية لهذا الاتفاق الى حد اعتباره اتفاقا ينهي النزاع البحري بين البلدين ويشكل امتدادا لاتفاقات التطبيع الخليجية مع إسرائيل. وفي الواقع، فإن سرعة المواقف المرحبة والتقاطعات الحاصلة في المثلث اللبناني ـ الأميركي ـ الإسرائيلي تعكس تقاطع المصالح بين هذه الأطراف الثلاثة: لبنان الذي يريد استرجاع حقوقه كاملة والاستفادة من ثروته النفطية، وإسرائيل التي تريد إقفال هذا الملف ونزع فتيل التوتر والنزاع، والولايات المتحدة، وتحديدا إدارة ترامب، التي تريد أن تقدم هذا الإعلان كواحد من إنجازات السلام في المنطقة.

ولكن كل هذه الأجواء والإشارات الإيجابية لا تلغي تساؤلات وإشكاليات موجودة، تتوزع حاليا في أربعة اتجاهات:
1 ـ «الداخل اللبناني» بعدما أوحى انفراد بري في الإعلان عن هذا الاتفاق (بصفته الرسمية كرئيس للمجلس وبصفته السياسية كمسؤول ومكلف ومفوض من حزب الله لمتابعة الملف ومهمة التواصل مع الأميركيين) بأن هناك تنازع صلاحيات بين رئيسي المجلس والجمهورية، خصوصا أن الرئيس ميشال عون تجاهل مؤتمر بري ورحب بالإعلان الصادر عن وزير الخارجية الأميركي بومبيو بالتوصل الى الاتفاق، وسارع الى التأكيد على أنه سيتولى المفاوضات وفقا لأحكام المادة 52 من الدستور، بدءا من تأليف الوفد اللبناني المفاوض ومواكبة مراحل التفاوض.. ولكن بري تنبه خلال مؤتمره الى هذه الناحية، موضحا أنه لا يتعدى على صلاحيات رئاسة الجمهورية، وهو الذي بدأ حراكه في هذا الملف بتكليف من رؤساء الحكومات المتعاقبين منذ العام 2010 ومن الرئيسين ميشال سليمان وميشال عون، مشددا على أن المادة 52 من الدستور تعطي الصلاحية لرئيس الجمهورية في موضوع المفاوضات والاتفاقات الدولية.

ولكن الاعتقاد السائد أن التخلي عن قيادة زمام هذا الملف لا تعود فقط الى اعتبارات دستورية وإنما الى اعتبارات سياسية وعدم قدرة الثنائي الشيعي على أن يتقدم المشهد حين تفضي المفاوضات الى اتفاقات تشق الطريق نحو اتفاق سلام، أو حين تصل المفاوضات الى عراقيل وعقبات يصعب تحمل مسؤوليتها مباشرة.

2 ـ الإطار التفاوضي الذي يلزمه توضيح في مسألتين: التفاوض غير المباشر الذي تحدث عنه بري، فيما يتحدث الإسرائيليون والأميركيون عن مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل تحت راية الأمم المتحدة.. ومسألة ترسيم الحدود البحرية والبرية، بما يعني التلازم بينهما الذي تحدث عنه بري، فيما ركز الأميركيون على الحدود البحرية وقالوا ان للحدود البرية قناة معالجة مختلفة.

3 ـ التوقيت الحساس لهذا الإعلان الذي يقع على مسافة شهر من الانتخابات الأميركية وعلى مسافة أسابيع من اتفاقات إسرائيلية مع دول خليجية. فالمشهد القريب من الناقورة سيضفي حالة من الزهو لدى البيت الأبيض لنجاح ترامب في الإتيان باللبنانيين والإسرائيليين الى طاولة ترسيم الحدود على الساعة الاميركية، كما أنه سيضيف انتصارا جديدا للديبلوماسية الأميركية بعد إنجاز التطبيع الإماراتي والبحريني مع إسرائيل.

4 ـ حزب الله وموقعه في هذا «الاتفاق» وموقفه منه، بدءا من قبوله بالتوقيت الذي يخدم ترامب ويتماهى مع المناخ العام في المنطقة، وصولا الى كيفية التعاطي مع مسرح المفاوضات ومن وراء الستار. الاعتقاد السائد حاليا أن حزب الله، ومع احتفاظه بقدرة التحكم وإبقاء زمام الأمور في يده والملف التفاوضي تحت السيطرة، يتعاطى من خلفية تكتيكية مع هذا الملف في إطار سياسة كسب الوقت وإعطاء إشارات إيجابية مهدئة للعقوبات والضغوط الأميركية ومطمئنة للرأي العام اللبناني، لأن الموافقة على انطلاق المفاوضات يعني أولا عدم وجود رغبة وإرادة بالحرب، ويعني ثانيا إعطاء أمل ولو في أفق بعيد بوجود مخرج للأزمة المالية الاقتصادية وعامل مساعد.

في إسرائيل، هناك من يبدي تحفظا وحذرا حيال حزب الله ودوره في المفاوضات. من جهة المفاوضات بين إسرائيل ولبنان محصورة بالخلاف حول المياه الاقتصادية، ولا يوجد هنا اتفاق سلام بين الجانبين كما حصل مع الإمارات والبحرين. ومن جهة ثانية موافقة حزب الله الضمنية على التفاوض لا تعني تغييرا يتعلق بالتوتر في الشمال. فالقصة برمتها لا تعني شيئا بالنسبة إلى حزب الله الذي يقول إن إسرائيل هي العدو. لا يوجد أي تغيير، وإنما فقط مسار تفاوضي متعلق بالخلاف حول المياه الاقتصادية.