IMLebanon

لماذا استقال ميشال دي شادارفيان من “التيار”؟

بعد ثلاثين سنة من نضاله في “التيار الوطني الحر”، وعمله كمسؤول عن العلاقات الدبلوماسية فيه، قدّم ميشال دي شادارفيان استقالته اخيراً، في خطوة فاجأت كثيرين، فـ”الشواذات” حوله ولّدت لديه حالة قرف شديد، وسياسة “التيار” في الفترة الاخيرة لم تعد تُقنعه.

فدي شادارفيان البعيد عن المشهد الاعلامي، هو من مؤسّسي “التيار”، حتّى قبل وصول العماد ميشال عون، فحين كان الأخير رئيس حكومة عسكرية، شاء التعرّف الى هذا الشخص وهو يطلّ في مقابلة صحافية مع محطة الـ”CNN” الاميركية في العام 1988، وطلب منه ان يبقى الى جانبه، وهكذا حصل. إلا ان اسباباً كثيرة دفعت بدي شادارفيان الى الاستقالة، وقد برّر بعضها في كتاب رفعه الى قيادة “التيار”، بعيد من اللهجة الديبلوماسية، لا بل يلبس لبوساً قاسياً.

وهو يفصح لـ”نداء الوطن” عن بعض مكنوناته، ويقول بحسرة شديدة: “انا لا اطالب باستقالة الرئيس عون، فعهده كان يمكن ان يكون من افضل العهود لو ان الظروف لم تعاكسه، فقد ورث تركة 30 سنة، وكان يفترض بالجميع مساعدته لكي ينجح، لكنّ هذا الامر لم يحصل. فالرئيس ليس الوحيد المسؤول عن الوضع، ولا صلاحيات عنده، لكن بغضّ النظر عن هذه الصلاحيات، كان يستطيع ان يضرب على الطاولة بيد من حديد، وكان الأفضل ان يكون المحيطون به في القصر رافعة لأدائه”. ويضيف: “ليس هناك من بلد في العالم تعامل سياسيّوه مع المحتلّ، ويبقون بعد خروجه، ولو كنّا في بلد غير لبنان لعلّقت المشانق، لكننا في بلد ينتهج سياسة “التوافق”.

ويتوقّف دي شادارفيان عند بيان “التيار” لتبرير استقالته ويقول: “استقالتي اسبابها واضحة جداً، والبيان يتحدث عن اعادة هيكلة، لكن عند اعادة الهيكلة مبدئياً يصدر تعميم يشرح ان فلاناً قد استبدل بفلان، وهذا لم يحصل، ثم لو شئت ان استقيل في اطار اعادة الهيكلة، لما كنت علّلت اسباب استقالتي”.

ويؤكد انه لم يعد يستطيع تحمل ما يحصل، ولا ان يدافع عن سياسة “التيار” امام السلك الدبلوماسي الأجنبي والعربي، اضف الى ان “ظروفاً” كثيرة واجهته، لجهة عمله الدبلوماسي.

ويرسم دي شادارفيان صورة سوداوية للوضع، من خلال محادثاته مع السفراء باستمرار، “فهؤلاء يحذّرون وبشدّة من خطورة الوضع، ومن امكانية زوال لبنان قريباً جداً اذا ظلت العقلية السائدة حالياً هي المتّبعة”. ويرى بدوره ان “السياسيين يفتقدون الى المعطيات الحقيقية ويعملون بالطرق التقليدية بالرغم من المحنة العصيبة التي يمرّ بها لبنان”.

ولدى سؤاله هل يترك “التيار” إذن في عزّ هذه الحشرة؟ يسارع الى القول: “كلا، انا “التيار”، فلطالما نبهت ونقلت تحذيرات السفراء واجواءهم التي لا تبشر بالخير لكن لا صدى لتحذيراتي!! لم اعد استطيع تحمّل هذا الضغط، فهل هناك اوضح من تشبيه وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان غرق لبنان بسفينة الـ”تيتانيك” من دون أوركسترا، وقوله ان اللبنانيين في حالة إنكار تام؟؟ الناس لا تستطيع تأمين لقمة طعام فيما المسؤولون يبحثون في كيفية الفوز بوزير بالزائد او وزير بالناقص، وعندما ينزل الجائعون الى الشارع غداً سنرى ماذا سيفعلون، وانا هنا لا اعني “التيار” فقط بل الجميع، احاسب نفسي قبل الآخرين، ولذلك استقلت”.

وعن وجهته المقبلة، يؤكد دي شادارفيان ان كل من سيعمل للبلد من دون اهداف شخصية له سيعمل معه، فهدفه انقاذ لبنان وليس انقاذ الاشخاص “هكذا عملت من 30 سنة وهكذا سأظلّ في الـ30 سنة المقبلة”.

وجاء في كتاب الاستقالة: “لما كانت مسؤوليتي النضالية في التيار الوطني الحر، كمسؤول عن العلاقات الدبلوماسية، تقتضي التفاعل مع جميع البعثات الدبلوماسية المعتمدة في لبنان، من اجل توضيح مبادئ التيار واهدافه والدفاع عنها والمساهمة في السعي إلى تحقيقها… وبعدما أصبحت هذه المهمة شبه مستحيلة، في ظل التناقضات والشطحات والحسابات الخاصة والشخصية، المغايرة مع كل المبادئ التي أرساها العماد عون…

ولما تحول هذا الواقع موضوع انتقاد دائم لسياسات التيار الوطني الحر، من قبل كل أعضاء السلك الدبلوماسي الموجود في لبنان، بما يجعل من مسؤوليتي مهمة عبثية،

وانسجاماً مع ضميري ومبادئي الوطنية والعونية الحرة، ارى من واجبي ان استقيل من المهمة التي تحملتها منذ ثلاثين عاماً أي منذ عام 1990 بشكل غير رسمي، ومنذ 2005 بشكل رسمي، كمسؤول عن العلاقات الدبلوماسية في التيار الوطني الحر، وأتمنى لمن سيستلم هذا المنصب من بعدي كل التوفيق في هذه المهمة الصعبة”.

في المقابل، جاء في بيان أمانة السرّ في “التيار” انه “في اطار اعادة هيكلة وتوزيع المسؤوليات في “التيار”، خاصة في ما يتعلّق بإعادة توزيع الأدوار في العلاقات مع الآخرين من احزاب ومراجع وسفارات، قدّم السيد ميشال دي شادارفيان أمس الى رئيس “التيار” استقالته من لجنة العمل الدبلوماسي في مكتب نائبة الرئيس للشؤون السياسية وقد قُبلت استقالته وتمّ شكره على كلّ جهوده السابقة”.