IMLebanon

التحقيق في انفجار المرفأ أكبر من قدرة صوان على الاستمرار به

كتب حسن بيان في “اللواء”:

شهد مسار التحقيق القضائي في جريمة تفجير مرفأ بيروت تطوران بارزان، الاول، من طرف المحقق العدلي بتوجيه الاتهام لرئيس حكومة تصريف الاعمال وثلاثة وزراء سابقين ،هما وزيرا اشغال ووزير مالية. والثاني، تقدم وزيرا المالية والاشغال السابقين ( علي حسن خليل وغازي زعيتر) ، بطلب تنحي المحقق العدلي لعلة الارتياب المشروع. وتأسيساً على ذلك ،توقف المحقق العدلي عن متابعة اجراءات التحقيق ريثما تبت محكمة التمييز- غرفتها الجزائية- بطلب التنحي، علماً ان لا يوجد مانع قانوني يحول دون القاضي متابعة الاجراءات ،طالما لم تتخذ محكمة التمييز قراراً تطلب اليه وقف السير بالاجراءات التحقيقية ريثما يبت بالطلب . لكن اقدامه على اتخاذ قراراه، يبدو ان الهدف منه هو اعطاء فرصة لالتقاط الانفاس بعدما اصبح الملف اسير تجاذبات مثلثة الاتجاهات.

اتجاه اول، هو الاشكالية الدستورية التي نشأت عن قرار المحقق العدلي بالادعاء على رئيس حكومة وثلاثة وزراء ،وما اثاره هذا القرار من تباين في وجهات النظر حول مدى دستوريته وقانويته.

اتجاه ثانٍ، هو ضغط الراي العام لمعرفة الحقيقة في اسباب جريمة تفجير المرفأ، وما تولد عنها من نتائج كارثية.

اتجاه ثالث، هو الضغط غير المنظور على الملف من جانبين: الاول، جانب توظيفه في عملية مقايضات سياسية على ملفات اخرى، وجانب ثاني، هو توجيه التحقيق بالاسباب والمسببين، بما يخدم الجانب الاول.

هذه التجاذبات الثلاث، تجعل التحقيق في التفجير الذي يرتقي حد الجريمة ضد الانسانية، اكبر من قدرة المحقق العدلي على استمرار السير به في ظل المناخات السياسية والدستورية والامنية والشعبية الضاغطة عليه. فهو لا يستطيع تجاهل تأثيرات الرأي العام المحق في مايطالب به ، وهو لايستطيع ان يضع نفسه في مواجهة مع السلطة الاشتراعية الذي يبدو مرتبكاً في التعامل معها، من مخاطبتها بداية ومن ثم تجاوزها من خلال ادعائه ،وهو لايستطيع ان يسمي الاشياء باسمائها حول من تدور حوله التساؤلات والشبهات في توفير كل المعطيات التي ادت الى حصول تفجير المرفأ.

لو سلمنا جدلاً، ان المحقق العدلي لا يتماهى مع اية ايحاءات او تأثيرات سياسية، وهذا مايجب ان يكون، فهل القضاء الذي يفترض فيه ان يصدر قراراته ،على مستوى التحقيق والاتهام والحكم، هو بمعزل عن الضغوطات التي تمارس من هذه الجهة اوتلك؟

لو كانت السلطة القضائية في لبنان ،تمارس دورها باستقلالية ،بالاستناد الى احكام الدستور التي نصت على الفصل بين السلطات، لكان قضي الامر، واستكانت للناس لسير الاجراءات القضائية.اما وان الواقع هو عكس ذلك، بسبب الاطباق السياسي على المرفق القضائي، وهو غير خافٍ على احد، بدءاً بعدم اصدار قانون استقلالية القضائية، وهو بالاساس لم يكن من حاجة لاصداره ،لو احترمت السلطة السياسية الدستور ولم تتدخل في اعمال هذا المرفق، الذي بدا كلياً بتعطيل التشكيلات القضائية، التي ماتزال عالقة منذ اكثر من سنة، بسبب تمنع رئيس الجمهورية عن توقيع المرسوم، فإن المرفق القضائي يعيش حالة تعطيل واقعية، ومعها تعطلت انتظامية عمل المحاكم بما لذلك من انعكاسات سلبية على مصالح المتقاضين سواء كانوا اشخاصاً طبيعيين او معنويين.

وبسبب الازمة السياسية الحادة التي تعصف البلد، فإن التحقيق في جريمة المرفأ لن يكون منعزلاً عن سياقات الازمة القائمة ،بل هو وجهاً من اوجهها المتعددة ،و بالتالي فإن مأزقه ليس الا انعكاساً للمأزق السياسي الذي ينوء تحت عبئه لبنان.

ولما كانت الازمة السياسية هي على درجة من الاستعصاء والتعقيدات بحيث لم تعد القوى الداخلية قادرة على انتاج حلٍ يحاكي اسباب الازمة باسبابها الداخلية والخارجية وبكل ابعادها السياسية والامنية والاقتصادية والاجتماعية، وهذا ما استدعى حضوراً دولياً للمساعدة، فإن الامر ذاته ينطبق على التحقيق في جريمة المرفأ. اذ ان التجاذبات والتعقيدات الداخلية التي تحيط بهذا الملف، تجعل القضاء اللبناني اعجز من ان يتوصل الى النهايات التي تكشف الحقيقة، وهذا ليس لان القضاة اللبنانيين ليسوا اكفاء، بل لان جريمة المرفأ تتداخل فيها كل عناصر الازمة السياسية التي تثقل الواقع اللبناني، تحتاج الى مساعدةدولية، تمكن القضاء اللبناني من صلاحية الاستعانة بالتقنيات والخبرات التي تكشف الحقيقة التي ينتظرها اهل الضحايا والمتضررين اولاً، فضلاً عن توفير الحصانة والحماية السياسية، و مبرر هذا الطلب هو الخشية من ان يكون الاقتراب من الحقيقة هو كالاقتراب من كرة نار تحرق كل من يقترب منها.