IMLebanon

أغرته حبات الفطر قرب منزله… فكادت تودي بحياته!

إعداد: الرقيب أول جيهان جبور

لم يخطر بباله أنّ معرفته الواسعة بأنواع الفطر قد لا تكون كافية لإنقاذ حياته. وقع في الفخ، أغرته حبات الفطر في الحرج القريب لمنزله، جمع كمية منها واعتقد بأنها صالحة للأكل مستندًا إلى خبرته الطويلة. لكن المحظور وقع. لم تمر ساعات ليله كالمعتاد، باتت طويلة وأليمة، ومع الوقت راح الألم يزداد حدّة. حبة فطر كانت كفيلة بإدخال السم إلى جسمه، بدأت صحته بالتدهور، وكاد يخسر حياته.

ليس هناك من دواء لمعالجة التسمم من الفطر، فتأثيره السام يبدأ بحساسيةٍ بسيطة لا تلبث أن تطاول الجسم كله، ثم تخلق خللًا في عمل أعضائه، بدءًا بآلام موجعة في المعدة، إسهال شديد، ظهور بقع دم في البول وتقيؤ مستمر بعد ١٢ ساعة، قبل أن يصل الأمر إلى الإغماء والوفاة أحيانًا بسبب السم القاتل.

أمضى سليم 11 يومًا في المستشفى، أربعة منها في العناية الفائقة ذاق خلالها «زوم الزيتون»: مضاعفات في الكبد وفشل في وظائف الكلى وضعف في عمل عضلة القلب، فضلًا عن الشعور بالدوخة وفقدان التوازن والإرهاق الشديد. واستمرت فترة العلاج أسابيع طويلة قبل أن يستعيد عافيته علمًا أنه ما زال يخضع لفحوصاتٍ دورية. «كدت أفقد حياتي لو لم أتدارك الأمر بسرعةٍ»، يقول سليم متمنيًا ألا يعاني أحد ما عاناه.

سليم لم يكن حالة فريدة من نوعها، فمع بدء موسم الفطر وقع العديد من المواطنين ضحية الفطر السام الذي جمعوه من الأحراج، وقد توفي أكثر من شخص بسبب التسمم، ما دعا وزارة الصحة إلى تحذير المواطنين من جمع الفطر وتناوله.

سام… غير سام

توضح اختصاصية التغذية والمجازة في سلامة الغذاء والجودة جنيفر تومازو أنّ هناك الآلاف من أنواع الفطر السامة، وليس هناك من نظرية لمعرفة السام من غير السام إلا بواسطة التحليل الكيميائي، فالاعتماد على الشكل فقط غير كافٍ لمعرفته.

لذلك ننصح بعدم جمع الفطر إلا من قبل المتخصصين بشأنها والاكتفاء بالأصناف التي تباع في المحلات التجارية».

وتضيف أنّ الكثير من الناس ينتظرون موسم الفطر في فصلَي الخريف والشتاء، لما يمكن استخدامه في العديد من الوصفات النيئة والمطبوخة، ويمكن شراؤه من الأسواق إما طازجًا أو معلبًا أو مجمدًا أو حتى مجففًا. ويفضّل أن يتم تخزينه في أجواء باردة وجافة.

الفطر ثروة غذائية

تشرح الاختصاصية تومازو أنّ هناك ما يقرب 140 ألف نوع من الفطر في العالم، 10٪ منها معروف فقط ، وقد تم إجراء البحوث والدراسات على ما يقرب الـ100 نوع فقط. والنوع القابل للاستهلاك البشري هو ما ينتمي إلى عائلة Agaricus، وهو مصدر غني للعديد من المغذيات الضرورية للإنسان. يُعد من أفضل المصادر فيتامين د، كما يحوي السيلينيوم والبوتاسيوم Copper، وفيتامين B3، B2 وB5.

وتضيف: هو فقير بالصوديوم وخالٍ من الدهون والكوليسترول والغلوتين، ومنخفض السعرات الحرارية وغني بالألياف الغذائية ومضادات الأكسدة، فضلًا عن كونه يسهم في تعزيز المناعة ومقاومة نمـو الخلايــا السرطانيــة.

مخاطر التسمم بالفطر

ما هي مخاطر تناول الفطر السام وما هي الأعراض التي تظهر على من تناوله؟ تؤكد الدكتورة شادية بعيني رئيسة قسم أمراض الكلى في مركز ومستشفى بل فو أنّ مخاطر الفطر السام كثيرة جدًا، ويمكن أن تهدد الأعضاء الأساسية في الجسم، وقد تؤدي إلى الوفاة. ويرتبط الأمر بنوعية السم الموجود في الفطر من جهة، وبالكمية التي تناولها الشخص من ناحية أخرى.

في ما يتعلق بالأعراض ثمة فئتان: فخلال الساعات الأولى من تناول الفطر السام، يعاني المصاب آلام البطن والغثيان والتقيؤ والإسهال، وربما الهلوسة وما يُعرف بـ«نوبة صرع» في حال إصابة الجهاز العصبي. ويُضاف إلى ذلك عدم انتظام في دقات القلب وضيق في التنفس. وهناك أنواع من الفطر تبطّئ وظائف الجسم (مثلًا نبض القلب يصبح بطيئًا)، وتضرب الجهاز التنفسي. الفئة الثانية من الأعراض تظهر بعد مرور 6 ساعات على التسمم، ويمكن أن تكون خطيرة جدًا، ومنها: الفشل في عمل الكليتين والكبد، وخلل في عمل القلب، فضلًا عن الأذى الذي يلحق بالجهاز العصبي، ما يؤدي إلى فقدان التركيز وحتى فقدان الوعي. ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فقد يؤدي التسمم إلى ما يُعرف بالانحلال العضلي، في هذه الحالة تُفرز المعادن الموجودة في العضلات من جديد، وهذا ما يؤثر على وظائف عدة اعضاء من بينها الكلى ويؤدي إلى «نوبة صرع».

المضاعفات والأعراض

توضح الدكتورة بعيني أنّ المضاعفات الخطيرة قد تظهر بسرعة، أو بعد يومين وربما عدة أيام، وتشير إلى الارتباط بين العضو المصاب والعوارض الناتجة عن الإصابة. فتضرُّر الكلى يؤدي إلى احتباس البول وارتفاع نسبة المعادن في الجسم والتقيؤ والغثيان والتورّم وارتفاع الضغط. وينتج عن تضرر الكبد اصفرار البشرة والغثيان والتقيؤ واحتباس الماء… وفي حال أصاب الأذى الجهاز العصبي نكون أمام أعراض مثل «تنميل» الأطراف، والهلوسة، والكوما… أما الضرر الذي يصيب القلب فيؤدي إلى عدم انتظام دقاته، وربما إلى الذبخة القلبية. كذلك قد يؤدي الضرر في الجهاز التنفسي إلى مشاكل في عمل الرئتين. لذلك، عندما يشعر شخص ما تناول الفطر، بأي من العوارض التي سبق ذكرها، عليه التوجه فورًا إلى الطبيب.

قد لا ينفع العلاج!

ماذا عن العلاج؟ تشير الدكتورة بعيني إلى أنّ العلاج قد يتطلب أيامًا أو أسابيع لكنّه لا يقود دومًا إلى الشفاء التام. فالفشل الكلوي مثلًا قد يرافق بعض المصابين طوال حياتهم، وكذلك فشل الكبد، وثمة من يحتاجون إلى زراعة كلى أو كبد، وهناك من يفقدون حياتهم بسبب التسمم بالفطر.

يركّز العلاج على ثلاث نقاط أساسية. أولًا، يستجوب الطبيب المريض للتأكد من أنّه تناول الفطر، ويطلب الحصول على عينة منه. وثانيًا، تُجرى فحوصات لجميع أعضاء الجسم. وثالثًا، يتم التركيز على حياة المريض، ويُعطى العلاج المناسب وفق المضاعفات التي يعانيها ونوع الفطر الذي تناوله، وبالتالي نوع السموم التي دخلت جسمه.. مثلًا، إذا كان يعاني ارتفاع نسبة البوتاسيوم غالبًا ما نلجأ إلى غسيل الكلى.

وما ينبغي الإشارة إليه هو عدم وجود علاج محدد، فالأمر يتعلق بنوعية السم الموجود في نوع الفطر الذي تناوله المصاب. لذلك، عندما نبدأ بعلاج مضاعفات التسمم، يتولى المختصون تحديد نوعية السم من خلال الفحوصات المخبرية.

الأمر الأهم أنّه حين نكون أمام تشخيص حالة تسمم بالفطر، ينبغي أن يتولى العلاجَ فريقٌ متكامل يتضمن اختصاصيين في الكبد والقلب والكلى والرأس والعناية، والسموم، وهؤلاء يعملون معًا ليكون العلاج فاعلًا وكاملًا.

في النهاية، غنى الفطر بالعناصر الغذائية لا ينبغي أن يدفعنا إلى جمعه واستهلاكه لأنّ العاقبة وخيمة، والتمييز بين الأنواع الجيدة وتلك السامة يبقى متعذرًا. وبالتالي الطريقة الوحيدة للاستفادة من الفطر هي في شرائه طازجًا أو معلبًا أو مجففًا.