IMLebanon

لبنان مقبل على أوضاع مأساوية

كتب معروف الداعوق في “اللواء”:  

دخلت عملية تشكيل الحكومة الجديدة في مرحلة جديدة من الجمود، لا أحد يعرف مدتها وكيفية انتهائها، بعدما كشف رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري «غيضٌّ من فيض» العراقيل والعقبات الرئاسية المتعمدة الموضوعة في طريقه لاعاقة تشكيل حكومة المهمة الإنقاذية استناداً إلى المبادرة الفرنسية، إما لحمله على الانصياع لمطالب ورغبات الفريق الرئاسي التعجيزية، باستنساخ نموذج تقريبي لصيغة الحكومة الوزارية السابقة، بثلثه المعطل الذي يوفّر استئثاره بقرارات وسياسة الحكومة الجديدة، أو ارغامه في النهاية على الاعتذار عن مهمة تشكيل الحكومة العتيدة، وترك هذه المهمة للفريق المذكور يتحكم بها على هواه ومصالحه كما حصل في مسار تشكيل حكومة حسان دياب المستقيلة.

ولكن يبدو هذه المرة ان حسابات الفريق الرئاسي لانتهاج سياسة وأساليب العرقلة لتطفيش الحريري لا تتطابق مع وقائع وظروف التوازنات السياسية والمحلية والإقليمية والدولية، وتقف حائلاً امام تكرار سيناريو تسمية رئيس وتشكيل حكومة على غرار الحكومة المستقيلة، ما يعني ان أزمة تشكيل الحكومة الجديدة دخلت في نفق طويل من التعطيل في حال بقيت مواقف الفريق الرئاسي على حالها من جهة، وتشبث الرئيس المكلف بعدم التراجع عن تمسكه بتشكيل حكومة المهمة ورفضه الاعتذار كما هو حاصل اليوم، بعدما أعلن ذلك صراحة منذ يومين من جهة ثانية، ولم تتدخل أي جهة أو شخصية، سياسية أو دينية، لتقريب وجهات النظر وإعادة الثقة المفقودة اساساً بين الطرفين، تمهيداً لوضع مسار تشكيل الحكومة الجديدة على السكة من جديد، وهو أمر ليس متوافراً، بعدما فشلت كل محاولات التهدئة ووساطات أكثر من جهة في هذا الخصوص.

ما هي الخيارات المطروحة للخروج من المأزق الحالي؟

لا يمكن لأي جهة أو مرجعية مسؤولة الإجابة عن هذا السؤال وغيره من التوقعات المرتقبة بهذا الشأن، لأن التصرفات غير المنطقية والسياسية الديماغوجية للفريق الرئاسي، لا تؤشر إلى إمكانية التوصّل إلى حلول وسط أو مخارج مقبولة لأزمة تشكيل الحكومة الجديدة في ضوء ما كشفه الرئيس المكلف بالوقائع والمستندات عن بعض أساليب العرقلة المفتعلة قصداً والمطالب التعجيزية الرئاسية لتعطيل تشكيل الحكومة المرتقبة.

ولكن برغم كل ذلك، لوحظ بوضوح ان الرئيس المكلف الذي التزم الصمت المطبق منذ تكليفه بتشكيل الحكومة ولم ينجرَّ إلى محاولات استدراجه للرد على حملات الكذب والافتراءات الزائفة والتهجمات اللاذعة من الفريق المذكور، إفساحاً في المجال لتسهيل ولادة الحكومة الجديدة، كاشف اللبنانيين ببعض ما لاقاه في مسعاه للتشكيل، لإزالة الالتباس الحاصل ووضع الأمور في نصابها الصحيح، ولكنه لم يقفل الأبواب كلياً امام إعادة التواصل والتشاور مع رئيس الجمهورية لتشكيل الحكومة الجديدة من خلال قوله، انه سيؤلف الحكومة العتيدة، وهذا يعني ان إمكانية معاودة التشاور ممكنة ولم تنقطع نهائياً. لكن كم يستغرق الأمر وكيفية تحقيقه فلا تزال غير معروفة.

وفي انتظار ما ستحمله الأيام المقبلة، لا يمكن التهكن بما ستؤول إليه الأمور وكيف ستتجه إليه عملية تشكيل الحكومة الجديدة، في حال بقيت المواقف على حالها ولم تنجح محاولات ووساطات، إعادة تفعيل عملية التشكيل من جديد، لأن الخيار البديل عن تأليف الحكومة سيكون الانزلاق بسرعة قياسية نحو الانهيار الذي بات يسابق كل التحركات والجهود البطيئة لوضع عملية التشكيل علي السكة الصحيحة، بينما لا يعي الفريق الرئاسي خطورة هذا الوضع ويستمر في سياساته التعطيلية تحت حجج وذرائع زائفة متعددة غير آبه بخطورة وتداعيات هذه السياسات المدمرة.

فما يتردد من احتمالات وتوقعات تبدو مقلقة لما سيكون عليه الوضع في لبنان مستقبلاً، في حال لم يتراجع الفريق الرئاسي عن اساليبه وطروحاته التعجيزية لتعطيل تشكيل الحكومة المقبلة، في ظل عدم وجود أي تحرك سياسي جامع ومضاد أو تدخل فاعل من حليفه التقليدي «حزب الله» يسهم بإعادة مسار عملية التشكيل إلى السكة الصحيحة ويساعد بتسهيل ولادة الحكومة العتيدة في المدى القريب، مقابل استمرار الرئيس المكلف التمسك بطروحاته ورفضه الاعتذار عن تشكيل الحكومة الجديدة، فهذا يؤشر بوضوح إلى استفحال أزمة تشكيل الحكومة نحو الأسوأ وإطالة أمدها إلى نحو غير معلوم، وقد يمتد حتى نهاية عهد الرئيس ميشال عون بعدما يقارب السنة وعشرة أشهر، في حين لا يمكن لأحد التكهن بما سيؤول الوضع عليه حتى ذلك الحين.

فالخيارات محددة، ولا يمكن تحقيق الانقاذ من الأزمة المتدحرجة التي يواجهها لبنان من دون تشكيل حكومة مهمة إنقاذية استناداً للمبادرة الفرنسية لكي يستطيع لبنان الحصول على المساعدات من الدول العربية والصديقة والصناديق الدولية لحل ازمته، وأي حكومة غيرها لا تنطبق عليها نفس المواصفات ستكون محاصرة وغير قادرة على القيام بالمهمات المطلوبة منها كما هي حال الحكومة المستقيلة حالياً.

ويبقى ان استمرار الدوران في حلقة أزمة تشكيل الحكومة من دون أفق واستقطاع مزيد من الوقت بلا سدى، يزيد من تكاثر الأزمات، وهو واقع يجب الخروج منه بسرعة فائقة، قبل وقوع المحظور وهو ما يحذر منه العقلاء بالداخل وأصدقاء لبنان بالخارج، ولكن يبدو ان خيارات الانقاذ تضيق أكثر من السابق.