IMLebanon

حكومة مع “الحزب” تحجب الإحتضان عن الحريري!

كتب أنطوان الأسمر في “اللواء”:

الإستهداف الأميركي الجوّي للقواعد الإيرانية داخل سوريا، فجر الجمعة، هو الأول من نوعه في عهد الإدارة الجديدة. لا ريب أنه يحمل رسالة واضحة الى طهران، بأن اللين في المفاوضات معها لا يعني إغماض العين عن الجانبين الآخرين اللتين تعتبرهما واشنطن، وإستطرادا تل أبيب، تهديدا وجوديا يوازي التهديد النووي، أي السلاح الباليستي والتأثير في الإقليم عبر البروكسيات أي الجماعات البارا-عسكرية paramilitary . والنقطة الأخيرة هي موضوع الضربة الأميركية الجوية على سوريا.

كان لافتا أن بيان البنتاغون حرص على إقران الإعلان عن الضربات الجوية بعبارة «نُفذت مع تدابير ديبلوماسية بما فيها التشاور مع الحلفاء»، وهي إشارة معبّرة، تحمل مجموعة دلالات، في مقدمها أن الضربة موضعية بتأثيراتها الجانبية. إذ يفترض أن يعني الإعلان الأميركي أن إدارة جو بادين إستبقت الضربة بالتنسيق مع اللاعبين المؤثرين في سوريا، وهما فعليا إثنان: إسرائيل وروسيا. وهو ما يؤشر الى أن الإستهداف الأميركي لإيران لن يجرّ، على الأرجح، تصعيدا مقابلا نتيجة إحتوائه مسبقا بالتواصل مع موسكو. فهو وفق واشنطن عمل عسكري دفاعي ردا على الهجمات الأخيرة على الأميركيين في العراق، وليس عملا عسكريا إبتدائيا. أما التنسيق مع الحلفاء الوارد في بيان البنتاغون فيعني أن دولا خليجية وضعتها واشنطن مسبقا في صورة العملية العسكرية الجوية، وهو أمر لافت في وقت تطالب الرياض، على سبيل المثال، بأن تكون جزءا من أي حوار أميركي – أوروبي مع طهران.

كما كان بليغا أن الضربة العسكرية أتت بعد ساعات قليلة من إعلان البيت الأبيض عن الإتصال الأول بين الرئيس جو بايدن والعاهل السعودي الملك سلمان بن عبر العزيز، وكذلك إعلان وزارة الخارجية عن إتصالين للوزير أنطوني بلينكن مع كل من وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله ووزير الخارجية الكويتي الشيخ أحمد ناصر المحمد الصباح. وحمل الإتصال الأخير إشارة معبّرة تمثّلت بثناء بلينكن على «دور الوساطة الذي تقوم به الكويت في المنطقة». وهو على الاكيد يقصد الدور الذي تصدّت له لتقريب وجهات النظر بين الرياض والدوحة (قمة العلا)، لكنه قد يقصد أيضا دورا مفترضا في الحوار مع إيران.

طرح إدارة بايدن العودة إلى «حل الدولتين» يعني عملياً وأد «صفقة القرن»

وسبق لبلينكن أن اتصل، الأربعاء، بوزير الخارجية العماني بدر بن حمد البوسعيدي، شاكرا كذلك «دور الوساطة التي تقوم به عُمان للدفع قدما بالسلام والإستقرار في المنطقة»، بالتزامن مع تذكير مسؤول في الخارجية الأميركية بـ «الدور الهام» الذي لعبته السلطنة «في المفاوضات السابقة مع إيران»، وهي التي استضافت عام 2014 جولة مفاوضات الملف النووي بين إيران ومجموعة 5 زائد 1.

يشي مجمل تلك المشهدية الأميركية في المنطقة، من اللين حتى الخشن المتزّن، بالطبع الى جانب التطور الهام المتمثّل في تأكيد بلينكن لنظيره الإسرائيلي غابي أشكينازي أن حل الدولتين هو «الطريق الأفضل لتأمين مستقبل إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية»، وهو ما يعني عمليا وأد مشروع صفقة القرن، أن الإدارة راغبة في إعادة ترتيب الإقليم على أنقاض سياسة الرئيس السابق دونالد ترامب، لكن وفق اولويات واضحة، بدءا من المسألة الإيرانية وصولا الى الحل الإسرائيلي – الفلسطيني وبينهما العراق والحرب اليمنية. هذه السياسة الأميركية الشاملة من شأنها إراحة المنطقة الى حد بعيد.

غير أن لبنان لا يزال حضوره خجولا في خلفية الإهتمام الاميركي، ربما لانه يُراد له أن يكون من ترددات أي تطور أميركي – إيراني. هذا الواقع يزيد التأزم، وإستطرادا الإحتقان، ويُطيل إنتظار إحتمال فتح نافذة لو صغيرة يُبنى عليها، أو يبني عليها اللبنانيون بعضاً من الأمل.

مما سبق، يصبح الإستنتاج بطول الغيبة الحكومية أقرب الى الحقيقة، خصوصا متى تم ربطه بوافر من المعطيات عن عثرات وعقبات خارجية تمنع على الرئيس المكلف سعد الحريري التشكيل. فما يبحث عنه في جولاته الخارجية لا يزال يقف عند رفض عواصم مؤثرة في قراره وتوجهاته، أي مشاركة لـ «حزب الله» في حكومته العتيدة. ولا ينفع نكرانه او حتى نفي حزب الله وجود فيتو خارجي أو ترويج الرئيس نبيه بري لعبارة «العائق من عندياتنا»، واقع أن رفض العاصمة الأكثر تأثيرا في الرئيس المكلف، أي إتصال بينه وبين حزب الله، هو العائق الأبرز في وجهه. الأمر أكثر من واضح، حتى لو كانت الحقيقة مرة عليه وعلى حلفائه: حكومة مع حزب الله تعني لا مساعدات ولا إحتضان ولا صلح ولا مصالحة ولا مستقبل!