IMLebanon

“اعتذار” الحريري في الميزان السياسي وحسابات الربح والخسارة

وصل الرئيس المكلف سعد الحريري إلى لحظة اتخاذ القرار الصعب والحاسم، بعدما حصرت الخيارات في اثنين:

التأليف بشروط حزب الله ورئيس الجمهورية، أو الاعتذار والانسحاب من المشهد الحكومي والانتقال إلى ضفة المعارضة.. وليس أمام الحريري متسعا من الوقت لأخذ قراره، وكل المؤشرات تدل إلى أن النصف الثاني من مايو الجاري، بعد انتهاء عطلة عيد الفطر، سيحدد مسار الحكومة والوضع للفترة المتبقية من عهد الرئيس ميشال عون، في ضوء الموقف الذي سيتخذه الحريري، والذي على ما يبدو أنه ذاهب إلى الاعتذار إذا لم تنجح محاولة أخيرة سيقوم بها الرئيس نبيه بري بالتنسيق مع حزب الله.

جملة عوامل وظروف تضافرت وحاصرت الحريري لتضعه بين خيارات «السيئ والأسوأ»: الغطاء الفرنسي رفع عن حكومته حتى لو شكلت، وهذا ما عناه تقصّد وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان وضع الملف الحكومي جانبا وعدم الإتيان على ذكره في لقاءاته الرسمية والسياسية.

والموقف الخليجي يزداد وضوحا في أن حكومة جديدة في لبنان لا يشترط أن تكون برئاسة الحريري، وأن الملف اللبناني ليس على جدول أولوياته لهذه المرحلة، والتقارب الخليجي ـ السوري الذي يشكل مجال إحراج جديد للحريري ويضيق عليه الخناق العربي، ثم المفاوضات غير المباشرة بين أميركا وإيران، والتي انبثق عنها حوار إقليمي ـ إيراني مؤشر إلى تبدل في مشهد المنطقة وأجوائها.

ومجمل هذه «التطورات ـ التحولات» الخارجية بدأت أصداؤها تتردد على الساحة اللبنانية، مع علامات «انتعاش سياسي»، للنائب جبران باسيل الذي يعتبر أن زيارته إلى روسيا كانت كافية لكسر الحظر الدولي المفروض عليه، والذي يراهن على الانتقال من مرحلة العقوبات أيام الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب إلى مرحلة رفع العقوبات مع الرئيس الجديد جو بايدن. ووسط كل ذلك يشعر الحريري بأن المعطيات الداخلية غير مشجعة له.

فعلى المستوى السياسي يعاني من عدم وجود حلفاء فعليين وسند داخلي قوي: وليد جنبلاط يدعوه بإلحاح إلى «تسوية»، أي إلى تقديم تنازلات.. وسمير جعجع خارج الحكومة وغير معني بكل البحث الدائر.. وبري الحليف والسند الأساسي لكن الذي لا يملك التأثير والنفوذ الكافيين هذه المرة.

وعلى المستوى الاقتصادي والمالي، حصل تفاقم في الأزمة وتسارع في خطى الانهيار.. ومع اقتراب رفع الدعم في ظل غياب البدائل وتوقف كل أشكال الدعم الخارجي، فإن الانفجار الاجتماعي بمضاعفات أمنية حاصل في وجه الحريري وحكومته إذا شكلت.

لا شيء في المعطيات القائمة والتطورات الحاصلة يشجع الحريري على الاستمرار في مغامرة الحكومة الجديدة.

وقد بات متيقنا أن عليه الخيار بين السيئ والأسوأ.

ولكن المقربين منه يحتارون في التحديد والتقييم: هناك من يعتبر أن التأليف بشروط الغير هو الأسوأ، وهناك من يعتبر أن الاعتذار والانسحاب هو الأسوأ.

وفي الواقع، فإن «خيار الاعتذار» المتقدم حاليا هو قيد البحث وموضوع في الميزان السياسي وحسابات الربح والخسارة وموزع عند فريق الحريري بين رأيين واتجاهين:

٭ الأول يعتبر أن عودة الحريري إلى رئاسة الحكومة يبقى الخيار الأنسب رغم كلفته ومخاطره، لأن الحريري أمام فرصة سانحة لن تتكرر في هذا العهد، ويمكن أن لا تتوافر بعده، وتحديدا بعد الانتخابات النيابية في ربيع 2022، والتي تعلن النهاية الفعلية للعهد الذي ينتهي رسميا في أكتوبر من العام نفسه.

إضافة إلى أن الاعتذار سيكون بمنزلة انتكاسة وخسارة سياسية للحريري الذي سبق له أن ربط بين اعتذاره واستقالة الرئيس عون، وهذا ما لم يتحقق وبالتالي يعطي عون وباسيل انتصارا سياسيا مجانيا في ختام معركة «لي الذراع».

٭ الثاني يعتبر أن الاعتذار هو الخيار الأسلم والأفضل، لأن ما يعد خسارة للحريري وربحا لعون صحيح على مدى قصير وسريع، وحيث لا يلبث عون أن يجد نفسه وجها لوجه أمام حالة انهيار مريع، فيما يجد الحريري نفسه خارج «المعمعة والمسؤولية».

وسيكون موقفه بقلب الطاولة الحكومية سبيلا إلى شد «العصب السني» من حوله وتعزيز رصيده الشعبي والسياسي، والدخول من موقع مريح إلى مرحلة الانتخابات النيابية المفصلية التي ستحدد مستقبل المعادلة والخارطة السياسية النيابية الجديدة، وهوية الرئيس الجديد ومن سيحكم لبنان لسنوات مقبلة.