IMLebanon

عقوبات الصف الثاني

كتب طوني فرنسيس في نداء الوطن:

لم يُعرَف حتى اليوم نوع الأنياب التي ستُبرِزها فرنسا لتلقين حزب المعرقلين لمبادرتها في لبنان دروساً في الوفاء بالوعود والامتثال لمقتضيات الإصلاح بدءاً من استيلاد حكومته.

كان الرئيس ماكرون في بداية تحركه اللبناني حريصاً على ابداء رفضه لمنطق العقوبات، وخلال زيارته الثانية للبنان مطلع ايلول الماضي قدّم عرضاً غاضباً امام الشاشات ضد الصحافي الفرنسي جورج مالبرونو لأنه تحدث عن احتمال فرض تدابير ما ضد بعض الفاعليات اللبنانية “المرموقة “، وكرر حديثه عن عدم اللجوء الى هذا الاسلوب في تلك الفترة، إلا انه بعد أن أيقن ان الوعود التي تلقاها ذهبت مع الريح، وحتى من دون رياح، ألغى زيارة ثالثة الى لبنان، بمساعدة كورونا، وبدأ الحديث الفرنسي عن سياسيين خونة وطبقة معرقلين يقودون بلادهم الى الإنهيار والزوال، وواكبه وأعقبه تلويحٌ بعقوبات لم يُعْلَنْ فحواها حتى اللحظة، ولم يفصح عنها الوزير لودريان في تفقده الأخير للنخبة المُشيدة بالمبادرة الفرنسية الكريمة.

يعرف الفرنسيون ونحن نعرف انهم يعرفون، ويعرفون ان اللبنانيين يعرفون ما يعرفونه هم، على قول النائب سليم سعادة. ومعرفتهم بالشأن اللبناني تعود الى عهد الأمير بشير على الأقل، وتقارير قناصلهم مليئة بالتفاصيل. وفي الازمنة الحديثة لديهم نواب ووزراء يحملون جنسيتهم، ومعهم رجال اعمال وسماسرة، ومن هؤلاء جميعاً نخبة من كتبة التقارير الأمنية لجهاز حماية الاراضي. ويعرف الفرنسيون كدولة رائدة في الاتحاد الاوروبي وكقوة عظمى وعضو دائم في مجلس الأمن الدولي، من هو الفاسد ومن يعرقل الإصلاح، فهؤلاء نوع من الناس يضع امواله في مصارفها ويتحرك عبر اراضيها ويقيم علاقاته الدولية عبرها نحو سويسرا أو لوكسمبورغ أو حتى الجزر العذراء…

كل هؤلاء في متناول الفرنسيين الذين اعتمدوا “كلام شرف” من التقوهم وفجعوا بهم. وعندما تتحدث باريس اليوم عن عقوبات فهي قادرة على تحديد الهدف والوجهة ولا تحتاج دليلاً. غير ان الحديث المنسوب الى مسؤوليها عن عقوبات على الصف الثاني ستثير الضحك والقهقهة. ربما لا يعرف الفرنسيون ان ليس في لبنان صف ثان. هناك صف اول لا يوجعه الا التصدي له مباشرة. أما الصف الثاني فهو مجموعة من الأزلام، او كلاب الحدائق والقصور، تنبح حتى يطل صاحب القصر، فيسكتها ويرحب بضيفه.

صحيح ان المبادرة الفرنسية تلقت طعنة قوية، لكن الحديث عن معاقبة الصف الثاني سيجعل موتها محتماً.