IMLebanon

“أطروحة” بعبدا إلى الإليزيه: “مرافعة مطوّلة” تصلح لـ”غينيس”!

اللبنانيون يتلمّسون طريق الانهيار الشامل بين دهاليز العتمة وسراديب شحّ المحروقات والأدوية والمواد الأولية، والمنطقة تسير على شفير حرب شاملة على وقع تعاظم الهواجس الوطنية من خطر أي انزلاقات عسكرية قد تهدم ما تبقى من الهيكل اللبناني المتداعي فوق رؤوس الجميع إذا ما قرر “البعض أن يتورط مباشرةً أو عبر أطراف رديفة في ما يجري في فلسطين” عبر الجبهة اللبنانية الجنوبية حسبما جاء في تحذير البطريرك الماروني بشارة الراعي أمس… كل تلك الكوابيس التي تؤرق اللبنانيين وتتهدد حياتهم وكيانهم، لا تقضّ مضاجع الطبقة الحاكمة التي ما زالت مستغرقة في لعبة المحاصصة وتناتش الكراسي الوزارية، على وقع “المصاهرة” القسرية التي يفرضها العهد بين مصالح الناس ومصالح رئيس “التيار الوطني الحر” جبران باسيل.

ولدرء خطر إخضاع باسيل لعقوبات فرنسية وأوروبية، تحت مضبطة “التعطيل والفساد” التي وضعتها الإدارة الفرنسية على سكة الإعداد والتنفيذ، بادر رئيس الجمهورية ميشال عون في عطلة العيد إلى مراسلة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في محاولة يائسة أخيرة، لاستدراج باريس إلى التخندق إلى جانب العهد وتياره تحت راية معركة “تحصيل حقوق المسيحيين”، حسبما جاء في أحد جوانب “الأطروحة العونية إلى الإليزيه”، وفق ما وصفتها مصادر رفيعة اطلعت على مضمونها، ورأت فيها “مرافعة دفاعية مطوّلة تصلح لدخول كتاب “غينيس” للأرقام القياسية، بوصفها الرسالة الأطول في تاريخ الرسائل المتبادلة بين الرؤساء والتي عادةً ما تكون مقتضبة وتحمل بين سطورها رسائل هادفة”.

فغداة تلمّس “الحزم” الذي أبداه وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان أمام عون ومغادرته لبنان على وعد بإجراءات عقابية صارمة تطال معرقلي المبادرة الفرنسية، كشفت المصادر لـ”نداء الوطن” عن أنّ الفريق الرئاسي سارع إلى إعداد رسالة خطية من رئيس الجمهورية إلى الرئيس الفرنسي تشرح الموقف العوني من مسار تأليف الحكومة، وتضمنت “سرداً مطولاً لمسار الأحداث والتطورات منذ انفجار المرفأ واستقالة حكومة الرئيس حسان دياب، مروراً بالأسباب التي دفعت رئيس الجمهورية الى الاستمهال في الدعوة الى الاستشارات النيابية الملزمة وتوجيهه رسالة مباشرة الى النواب لحضهم على عدم تكليف الرئيس سعد الحريري باعتبار عون كان يعلم استعصاء التأليف بعد التكليف نتيجة الممارسات التي عانى منها على مدار سنوات عهده الأربع إبان حكومة الحريري”.

وتوضح المصادر أنّ “من بين النقاط المركزية التي شددت عليها الرسالة العونية، اشتكى رئيس الجمهورية لماكرون كيف أنّ “الطبقة السياسية الحاكمة منذ التسعينات تسعى إلى تقويض آخر ما تبقى من صلاحيات للرئاسة الأولى في دستور الطائف عبر إجهاض عملية الشراكة في التأليف بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلف، مع التركيز على غياب المكوّنات المسيحية الأساسية عن تسمية الحريري الأمر الذي يحمّل رئيس الجمهورية مسؤولية حفظ التوازنات الميثاقية والشراكة الحقيقية في الحكم، الأمر الذي لا يريده الرئيس المكلف والقوى الداعمة له، كما جاء في رسالة عون الذي لم يفته كذلك التصويب على مجلس النواب من خلال اتهام الأكثرية النيابية التي سمّت الحريري، بالشراكة معه في تمييع فرص التأليف وفي تحمّل المسؤولية إزاء عدم دفعه إلى اتباع الأصول الدستورية التي توجب عليه التفاهم مع رئيس الجمهورية”.

وتضمنت رسالة عون المطوّلة أيضاً “استعراضاً للصعوبات التي تعترض العملية الإصلاحية وأبرزها عملية التدقيق المحاسبي الجنائي”، لتنتهي كما كشفت المصادر إلى “إبداء رئيس الجمهورية أمام الرئيس ماكرون استعداده للتعاون مع أي تحرك فرنسي من شأنه أن يلزم كل الأطراف بالتزام الدستور في عملية التأليف وإلزامهم بتعهداتهم التي قطعوها في قصر الصنوبر، لجهة المضي في العملية الاصلاحية وفق الخطة الإنقاذية الفرنسية”.

ومن باريس، نقلت الزميلة رندة تقي الدين عن مصدر فرنسي رفيع متابع للملف اللبناني تأكيده لـ”نداء الوطن”، أنّ الإدارة الفرنسية تعمل عبر ديبلوماسييها على تجنيب لبنان خطر اتساع رقعة الحرب الدائرة بين إسرائيل والفلسطينيين، مشدداً على أنّ “فرنسا قلقة جداً من الأوضاع في المنطقة ومن احتمال أن يكون لها تأثير على الأراضي اللبنانية”.

وفي هذا السياق، كشف المسؤول الفرنسي عن أن الرئيس ماكرون سيبحث مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي الملف اللبناني خلال الزيارة التي يقوم بها السيسي إلى فرنسا اليوم وغداً، للمشاركة في مؤتمر باريس لدعم المرحلة الانتقالية في السودان، وقمة تمويل الاقتصاديات الأفريقية، مؤكداً أنّ “الموقف الفرنسي مع مصر متطابق بالنسبة لضرورة تشكيل الحكومة”.

وحول كيفية التطابق الفرنسي في الموقف الحكومي مع القاهرة التي تدعم طرح الحريري وتؤيد عدم التنازل لشروط باسيل، اكتفى المسؤول الفرنسي بالقول: “سبق وأعلنت فرنسا أنّ لكل من المسؤولين مسؤولية في الفشل في تشكيل الحكومة، والرئاسة الفرنسية ما زالت على اتصال مع الأطراف اللبنانية من أجل تشكيل الحكومة، والاتصالات مستمرة”.