IMLebanon

السياحة في صيف 2021… عندما يُنظر للانهيار كعامل إيجابي

كتب خالد أبو شقرا في نداء الوطن:

مهما “شدّت وقدّت” المؤسسات السياحية في أيام صيف 2021 “العجاف”، فلن تصل إلى ربع ما حققته في أيام “السِمان”، وتحديداً في العامين 2010 و2011 عندما تخطت عائداتها 10 مليارات دولار سنوياً.

الرهان على الإنهيار لجذب بعض الدولارات من السياح والمغتربين هو المرادف للإفلاس، وليس دليلاً على صحة الإقتصاد. فالقطاع السياحي يشتري حاجاته على سعر 13 ألف ليرة، ويبيع خدماته في المقابل على سعر 6 آلاف ليرة للدولار الواحد. فيظهر بمظهر المتعافي فيما هو “يأكل من لحمه الحي”، بحسب نقيب المؤسسات السياحية البحرية جان بيروتي. فـ”يؤمن الصمود مرحلياً للإقتصاد، وليس النهوض به كما من المفترض به أن يفعل”.

الأولوية للاستمرار

المجادلة بدفع المؤسسات السياحية نصف أكلافها، أو حتى أكثر، بالليرة اللبنانية على سعر صرف 1515 هو “محض تنظير”، بحسب أرباب هذه المؤسسات. وباستثناء الرسوم البلدية وبعض المعاملات، وجزء من رواتب العمال، فان مختلف الأكلاف أصبحت تدفع على سعر صرف السوق الموازية. فالكهرباء تؤمن بنسبة 80 في المئة من المولدات الخاصة، أو الإشتراكات التي تحدد سعر الكيلواط/ ساعة بأكثر من 1000 ليرة. والمياه تُشترى من الصهاريج، حتى أن الضريبة على القيمة المضافة TVA تعمل المالية على تقاضيها بحسب سعر السوق. أمام هذا الواقع يرى بيروتي أن “أسعار الخدمات السياحية ليست منخفضة، بل ان أصحاب المؤسسات يتحمّلون الفرق بالأسعار بغرض الإستمرار فقط، مع الأمل بتحسن الأوضاع”.

وقد جاء قرار وزارة السياحة باعتماد fresh dollars لتقاضي تعرفة الفنادق من الأجانب، كحل يعوّض على القطاع بعض الخسائر. مع العلم أن النسبة الأكبر من السياح هم من المغتربين الذين يحملون الهويات اللبنانية، والحجوزات في المطاعم والفنادق تعتمد بشكل أساسي على السياحة الداخلية. الأمر الذي قد يفوّت على الفنادق الإستفادة الكبيرة من هذا القرار، الذي سبق واعتمدته كل من تركيا ومصر والأردن واليونان وغيرها الكثير من الدول. تشابه الواقع الذي يعيشه لبنان مع مجموعة الدول التي مرت بأزمات مشابه في الشكل، يختلف عنها في المضمون بحسب بيروتي بـ”غياب الجرأة باتخاذ القرار والحكمة في النهوض والإلتفاف حول مشروع الوطن. فنحن مجموعة أوطان على أرض واحدة. وهذا ما يثير الخوف والريبة من أن تكون الإنطلاقة من القطاع السياحي لمعالجة الإقتصاد من دون خطة واضحة كـ “ضربة سيف في الماء”، لا تحدث أي فرق يذكر.

تهاوي الأسعار

كل الوقائع تشير إلى أن النشاط الذي تشهده المناطق اللبنانية، يتركز على السياحة الداخلية لسببين رئيسيين:

– تعويض المواطنين عن فترة الحجر الطويلة بسبب جائحة كورونا.

– تراجع أسعار الخدمات. حيث انخفض معدل أسعار فندق 5 نجوم في الليلة الواحدة من 350 دولاراً إلى ما بين 100 و120 دولاراً. وفندق 4 نجوم من 150و 200 دولار، إلى 40 و60 دولاراً. فيما تراجع سعر فندق 3 نجوم إلى 20 دولاراً.

إلى متى؟

النعمة التي يعيشها السياح بانخفاض الأكلاف بنسبة تتراوح بين 80 و90 في المئة، يقابلها سؤال أساسي: إلى متى ستبقى الأسعار متهاوية؟ خصوصاً أن العديد من الخدمات أصبحت تسعر بالدولار حصراً؛ ومنها على سبيل المثال: الغرف الفندقية للأجانب. إيجار السيارات. تذاكر شركات الطيران، من ضمنها شركة الطيران الوطنية الميدل إيست MEA. ومن وجهة نظر بيروتي فان الأصح أن يطرح بالشكل التالي: “إلى أي متى سنستطيع الصمود”. فعلى الرغم من طلب دفع بعض الخدمات بالدولار النقدي، فان كلفة الصيانة تبقى أكبر. فالسيارة التي تؤجر بـ 20 دولاراً يومياً، تكلف الضعف صيانة وبدل استهلاك. كذلك الأمر بالنسبة إلى الغرف الفندقية، وما تتطلبه من خدمة وصيانة، تسعر كلها على سعر صرف السوق. و”إذا كان الرجوع إلى الاسعار القديمة ليس مطروحاً حالياً”، بحسب بيروتي. فـ”ان اسئناف الإقتصاد نشاطه وتشكيل حكومة وبدء المعالجات ستحسن الوضع تدريجياً”.

الإشغال والحجوزات

شهدت نسبة الإشغال الفندقي في الأطراف إرتفاعاً ملحوظاً وصل إلى نسبة 60 في المئة، فيما بقيت نسبة الإشغال في العاصمة منخفضة جداً. كما أن بيروت ما زالت متأثرة بانعكاسات انفجار المرفأ وإقفال أهم 10 فنادق، مثل “فينسيا”، “لوغراي”، “مونرو”، “البريستول”… والكثير من المطاعم والمؤسسات السياحية. هذا وما زالت الأسواق السياحية الأثرية في وسط بيروت مثل الحمامات وغيرها مقفلة بحجة أمنية.

نزف اليد العاملة مستمر

بالإضافة إلى كل ما تقدم، يبقى نزف العمالة الماهرة وتعاظم ظاهرة الهجرة من أخطر ما يهدد السياحة في لبنان. فالمؤسسات السياحية تخسر نتيجة الأزمة استثمارها طويل الأمد في اليد العاملة الفندقية. حيث تحول العمل في الخارج، برواتب أقل مما كانت تعطى في الماضي، إلى الخيار الأول بالنسبة إلى النادل، والطهاة ومختلف مقدمي الخدمات الفندقية.

هذه السلطة السياسية التي نعيش اليوم في ظلالها «قتلتنا وما زالت تمثل في جثثنا»، يقول بيروتي. أما الحل فهو باستبدالها حفاظاً على ما بقي من قدرة على الصمود والإستمرار».