IMLebanon

الدولة “تتخلّص” من مشروع الباص السريع

كتبت رلى إبراهيم في الأخبار:

يحدث أن تُولي الدول، كلّ الدول – الفقيرة منها والأكثر ثراءً – أهمية كبرى واهتماماً استثنائياً بالنقل العام. هذا هو «الشي التاني» الذي يعوّض على الطبقات التي تتقاضى الحدّ الأدنى للأجور أو أقل، تكلفة غلاء المحروقات والسيارات. لكن لبنان الذي جنح أهله بسرعة إلى ما دون خط الفقر، قرّر في عزّ الأزمة الاقتصادية والانهيار التام وارتفاع سعر صرف الدولار وما تلاه من رفع للدعم وارتفاع في سعر صفيحة البنزين، مكافحة هذا الانهيار بالإطاحة بمشروع للباص السريع يؤمّن تنقلاً آمناً للسكان ومنخفض الكلفة، عوضاً عن الإسراع بتنفيذه. وذلك من أجل تأمين الأموال لبطاقة تمويلية ليست سوى أضحوكة وجرعة مسكّنات لعدد قليل من العائلات المتضررة من الانهيار.

«يلي ما رح يقدر يدفع حق التنكة ما يستعمل سيارته، يستعمل شي تاني»… الـ«شي تاني» الذي كان يفترض أن يقصده وزير الطاقة ريمون غجر في المؤتمر الذي تحدث فيه عن ارتفاع سعر صفيحة البنزين ليلامس الـ 200 ألف بعد رفع الدعم، هو مجموعة حافلات تربط بين المناطق وتوصل الأشخاص إلى مكان توجههم، أو أي وسيلة نقل عام تقوم بهذه المهمة. لكن للسخرية، البطاقة التمويلية المُعدّة ليكون جزءٌ منها بمثابة تعويض عن غلاء صفيحة البنزين، أرادها صانعو المشروع أن تُموّل من القرض المخصص لإنشاء الباص السريع! بمعنى أوضح، بدل مضاعفة خيارات السكان بواسطة حلول تسهّل تنقلهم وتوفر عليهم تكلفة النقل، تريد حكومة تصريف الأعمال الإطاحة بالأمل الوحيد عبر حرمانهم من مشروع تم الإعداد له، وجرى تأمين تمويله من البنك الدولي بقيمة 300 مليون دولار، وهو بالمناسبة القرض الأول من نوعه المخصص لمصلحة النقل العام. المعادلة أصعب من أن يصدقها عاقل، أو أن يبحث عن سبب ولو كان تافهاً، دفع بمعدّي مشروع البطاقة التمويلية إلى الانقضاض على ما يفترض أن يكون أولوية في ظل هذا الانهيار، خصوصاً أن قانون الموافقة على اتفاقية القرض قد جرى إقراره في مجلس النواب في تموز 2019. ولشرح أهمية المشروع، تكفي الإشارة إلى أنه لو كان ثمة نقل عام في لبنان لما كانت أزمة المحروقات المستفحلة، ولما تكبّد الناس عناء الانتظار لساعات في الطوابير. إنما ليس الأمر غريباً في هذه البلاد، إذا ما جرى النظر إليه من زاوية أن الانهيار ليس مجرد نتيجة لسياسة مالية واقتصادية فاشلة أوصلت البلد إلى الخواء والإفلاس، بل الأساس فيه هو الإمعان في تدمير مؤسسات الدولة وسرقة إيراداتها والحؤول دون تطويرها اجتماعياً وتنموياً. من هذا المنطلق، قامت السلطة الحاكمة بمهامّها وأكثر من خلال تعطيلها لكل المشاريع الإنمائية وتنفيذها بشكل خاطئ أو جزئي، ومن ثم العمل اليوم على الإطاحة بأي مشاريع جديدة ممكن لها أن تؤسس (ولو بعد سنوات)، لشبكة نقل جدّية كان يجب أن تنشأ قبل 30 عاماً.

البحث عن مصادر تمويل للبطاقة التمويلية، وبعد عصف أفكار بين اللجنة الوزارية المكلفة مناقشة رفع الدعم، رسا على استخدام قرض مشروع الباص السريع. جرى ذلك بعد جسّ نبض وفد من البنك الدولي حول إمكانية الاستفادة من قروض لم تُنفذ بعد، فأبدى البنك تجاوبه مع الموضوع على أن يعود إلى إدارته وأن يتم ذلك بطلب واضح من الحكومة اللبنانية. على الأثر، دخل وزير المال غازي وزني إلى جلسة اللجنة الفرعية المنبثقة عن اللجان النيابية المشتركة المكلفة درس مشروع قانون البطاقة التمويلية ليبشّر الحاضرين بتوفر 300 مليون دولار، وهي قيمة القرض المقدم من البنك الدولي لإنشاء مشروع الباص السريع. لكن، حتى مع إقرار البطاقة في اللجان المشتركة يوم أمس، ما زالت الموافقة على استعمال هذه القيمة غير محسومة وتحتاج إلى مسار كامل يبدأ بمفاوضة يجب أن يجريها وزير المال مع البنك الدولي بحيث يطلب فيها تعديل وجهة صرف قرض الباص السريع. وإذا ما حصل على الموافقة الأولية، يتوجب عليه بعدها إرسال هذا التعديل كمشروع قانون إلى مجلس النواب لإبرام العقد. علماً أن مشروع القانون الذي سيصدر عن رئيس الحكومة حسان دياب اليوم حول الدعم المالي عبر «البطاقة التمويلية»، لا يؤكد أن التمويل سيحصل من هذا القرض ولكنه يضعه كخيار وارد.

الأساس في ذلك كله، لا يكمن في مدى قابلية هذا التعديل للتحقق وبأن البنك الدولي لا يختلف عن الحكومة من ناحية إسقاطه لمشاريع إنمائية ملحّة، بل في قرار الحكومة بالاشتراك مع مجلس النواب في تمويل بطاقة التعويض عن الانهيار بأموال مشروع كان سيحدّ من تبعات هذا الانهيار لو نُفّذ، والإمعان في قتل أي أمل بتنفيذه. علماً أن تبرير مصادر حكومية بأن القرض لم يدخل حيز التنفيذ، لذلك اتُّخذ القرار بتأجيله واستخدام أمواله «في بطاقة دعم للمواطنين»، ليس دقيقاً. اذ يشير رئيس إدارة التخطيط والبرمجة في مجلس الإنماء والإعمار، ابراهيم شحرور، في جواب على سؤال «الأخبار»، إلى أن «المجلس بدأ إعداد الدراسات لهذا المشروع الذي سيشمل بيروت الكبرى على أن يُنفذ خط BRT من جهة المدخل الشمالي لبيروت، أي مسار خاص مختلف عن مسار السيارات العادية. والمشروع عبارة عن توفير باصات عامة داخل بيروت ممكن أن تصل إلى عاليه والمتن الشمالي وفي مرحلة لاحقة إلى الجنوب. لكن يبدو أن الحكومة تعتبر هذا الموضوع من خارج أولوياتها اليوم». أما في شأن ما يقال عن استخدام أموال القرض، فيوضح شحرور أن «المشروع مشترك بين القطاعين العام والخاص. وربما ثمة إعادة نظر في المشروع بما يعني دور الدولة، أي تقليصه واستعمال الوفر الذي سيبلغ نحو 100 مليون دولار من أصل 295 مليوناً». القرض الذي أُقر في تموز 2019 لم يجر العمل فيه بذريعة انتفاضة 17 تشرين وما تلاها، لكن تنفيذه، بحسب شحرور «يحتاج إلى نحو ثلاث سنوات ريثما يتم الانتهاء من تجهيز البنى التحتية وإعداد الآليات التقنية والتنفيذية والإدارية. والأهم أنه بحاجة إلى قرار سياسي كبير والتزام بتحقيقه».

اليوم، بشحطة قلم، ومن دون الرجوع إلى الناس أو مناقشة موضوع بهذه الأهمية، قررت الحكومة ومجلس النواب إلغاء مشروع حيوي وضروري اجتماعياً واقتصادياً وإنمائياً بدل الإسراع به للتخفيف من وطأة غلاء المحروقات وتخفيض كمية الاستيراد وكلفة التنقل على السكان. وللصدفة كان هذا المشروع تحديداً محور مؤتمر «نحو نقل منظم في لبنان» الذي نظمته نقابة المهندسين في لبنان في أواخر عام 2017، حيث تم النقاش بتفاصيله وما سيحققه مع ممثلين عن البنك الدولي والمديرية العام للنقل البحري والبري وكل المتخصصين في هذا المجال. فوفقاً لدراسات البنك الدولي، من المتوقَّع أن يوفر المشروع مليونَي يوم عمل في وظائف البناء لمحدودي الدخل من اللبنانيين والسوريين. ويُمثِّل المرحلة الأولى من برنامج وطني طموح للنقل العام، ويجتذب نحو 300 ألف راكب يومياً، إضافة إلى خفض مدة الانتقال بين بيروت وضواحيها الشمالية إلى النصف. فالتقديرات تشير إلى دخول أكثر من 700 ألف سيارة إلى العاصمة يومياً. والكلفة التي يمكن للحافلات السريعة توفيرها على هذه السيارات إذا ما احتُسِبَت كمية البنزين التي تحرقها 700 سيارة وصرفها ما يعادل صفيحة ثمنها اليوم 45 ألف ليرة لبنانية. أولوية المشروع هي للخط الساحلي من بيروت إلى طبرجا (باعتباره الأكثر اكتظاظاً) ومن ثم إلى جبيل وطرابلس، وفي مرحلة لاحقة على الخط الساحلي من بيروت إلى صيدا، ثم على الخط الشرقي لتغطية كلّ مخارج بيروت.

تحقيق هذا المشروع، بما قد يحمله من شوائب، له من المنافع الاجتماعية والبيئية ما لا يُقارن مع المشروع الذي تسعى الحكومة إلى الإطاحة به لأجلها. فهو سيؤمن شبكة نقل حديثة وآمنة لانتقال النساء والشباب وذوي الاحتياجات الخاصة، ما سيوفر عليهم تداعيات غلاء المحروقات بشكل كبير؛ فضلاً عن شراء حافلات جديدة ونظيفة تسير في مسارات مُحدَّدة بعيداً عن مستخدمي المركبات الخاصة، ما يؤدي إلى تقليل التكدُّس والازدحام وانبعاثات غازات الاحتباس الحراري بدرجة كبيرة، والمساعدة على تحسين جودة الهواء. والتنقل سيتم عبر 120 حافلة تسير على مسافة 40 كيلومتراً من المسارات المُخصَّصة للنقل السريع من الضواحي الشمالية إلى قلب بيروت. بالإضافة إلى 250 حافلة على الطرق الفرعية بين المحطات الرئيسية والمناطق النائية.

«الطريف» هنا، أنه سبق لمجلس الوزراء أن وافق على شراء 250 حافلة للنقل المشترك وتخصيص الاعتمادات اللازمة لها كما أشار رئيس مصلحة سكك الحديد والنقل المشترك، زياد نصر، في مؤتمر نقابة المهندسين. أُطلقت المناقصات وتعذر الاستمرار بها لأن الاموال لم تُحوّل، فجرى البحث عن طريقة أخرى للتمويل تمثلت بطلب قرض من البنك الدولي الذي طلب أن يتم بشراكة مع القطاع الخاص. هذه الشراكة ستؤمّن لهذا القطاع استثمارات تُراوح بين 50 و80 مليون دولار لتمويل شراء حافلات النقل السريع وتشغيلها. وسيتولَّى المشغّلون تشغيل وصيانة شبكة النقل السريع بالحافلات وكذلك الحافلات التابعة لها العاملة على الطرق الفرعية. أما «الفرحة الأكبر» في هذا المجال، فهي استنباط مهمة لمصلحة سكك الحديد والنقل المشترك عبر تكليفها مراقبة وإدارة هذه العقود مع المشغّلين من القطاع الخاص لمدة لا تقلّ عن 10 سنوات.

ما سبق، لم يأخذ عناء التفكير في تداعيات إسقاط مشروع مماثل في عزّ الانهيار وفقدان أدنى مقوّمات العيش والتنقل، بل شكّل عاملاً محفّزاً للسلطتين التنفيذية والتشريعية للإسراع بالإطاحة به وإهدار أمواله على بطاقة تمويلية لا تتعدّى كونها أضحوكة وجرعة مسكّنات لجزء صغير من المتضررين من الانهيار.