IMLebanon

تمخّضت بعبدا و”أخواتها” فولدت إعتذار الحريري!

كتب علي الأمين في “نداء الوطن”:

…وأخيراً، وبعد 9 أشهر من الحمل الحكومي الصعب و”خارج رحم” الوطن والمواطن، يصحّ القول “عون على بدء”، بعدما تمخّضت الإتصالات فولدت أزمات جديدة، بعد اتجاه الرئيس المكلف سعد الحريري الى الإعتذار، إثر تقديمه امس تشكيلة “رفع عتب بعبدا وأخواتها”، وبالنيابة والأصالة الى رئيس الجمهورية ميشال عون، لا تسمن ولا ولا تغني من جوع الى حلول.

اللبنانيون لا يتوقعون أفضل من ذلك، فزمن المعجزات وتحديداً الحكومية قد ولّى، لتقطع الواقعات اللبنانية والإقليمية الشك باليقين بأن لا حكومة على المدى المنظور انما من يحزنون، بالرغم من تفاؤل الربع الساعة الأخير الذي يلوح من مصر بعد زيارة الحريري إليها قبيل توجّهه الى بعبدا، والتي أراد الحريري ان يحصّن خطوة إنسحابه من مصر، كونها تحوّلت الى الوسيط العربي المعتدل الواقعي بين الجميع، في ظل إقفال الأبواب الأخرى، وبأقل أضرار شخصية وسياسية ممكنة.

وسواء بقي الحريري متمسّكاً بتكليفه تشكيل الحكومة، أو اعتذر، فإنّ التدهور الجهنمي مستمر ومن دون ادنى محاولة للجم الانهيار أو الحدّ منه، ولم يكن استمرار الحريري وإصراره على تشكيل الحكومة بعد التنازلات التي قدمها لـ”حزب الله” وحلفائه، بأن سلمهما قرار الحكومة المزمعة، من دون ان يتشبث بالثلث المعطل، ومن دون ان يخلّ بثلثي أعضاء الحكومة، الذين يضمن “حزب الله” ولاءهما في القضايا الاستراتيجية في الحدّ الأدنى، ورضي الحريري بأن يكون في الثلث المتبقي وزيران ملكيان. ورغم كل ذلك رفض رئيس الجمهورية هكذا حكومة ويبدو مستمراً في رفضه، على رغم ان مصدراً دبلوماسياً مصرياً لا يزال يحتمل ويتأمل، توقيع رئيس الجمهورية مرسوم تشكيل الحكومة التي قدمها الحريري الى عون مؤلفة من 24 وزيراً.

مصر لم تطلب من الرئيس الحريري عدم الاعتذار عن التكليف، بل تمنت عليه البقاء طالما هناك فرصة لتشكيل الحكومة، وهذان امران مختلفان، وأولوية السياسة المصرية على هذا الصعيد هي تأليف الحكومة، لا البقاء في دائرة التعطيل الحكومي. الموقف المصري هذا، كما يعبّر عنه المصدر الدبلوماسي، يرجح ذهاب الرئيس الحريري نحو الاعتذار اذا ما كان قرار الأخير يستند الى نصائح مصرية، أما اذا كان القرار تحكمه اعتبارات سياسية، لها علاقة بالمواجهة مع رئيس الجمهورية ومع صهره رئيس “التيار الوطني الحر” جبران باسيل، فإن الحريري أيضاً بات مقتنعاً بحسب ما ينقل مقربون منه، ان هذه المواجهة باتت اضرارها كبيرة على البلد وعلى دوره السياسي مستقبلاً، وبالتالي بات اكثر تقبّلاً لخيار الاعتذار.

ما تقدّم هو عرض لما هو بادٍ على السطح وليس مخفياً في الجوهر، لا يقلّل المصدر الدبلوماسي المصري من شأن الأسباب المتصلة بالنفور السياسي بين أفرقاء السلطة، ولا سيما رئيسي الجمهورية والحكومة المكلف، ويؤكد انها مشكلة فعلية وتعطل تشكيل الحكومة، ويضيف اليها عوامل خارجية تحاشى التفصيل فيها، غير أن ذلك لا يخفي حقيقة قاتلة في إدارة الشأن العام في الدولة اللبنانية. والمقصود هو هذا الإصرار لدى المنظومة وعلى رأسها “حزب الله” على دفع الدولة الى مزيد من الانهيار، من الخطأ وصفه عجزاً، بقدر ما هو سلوك سياسي ومالي غايته حماية نظام التهريب بين لبنان وسوريا، واستنزاف الاحتياطي المالي في مصرف لبنان من اجل انعاش مافيات السلطة المتحالفة في لبنان وسوريا، بانتظار تبلور المواقف الإقليمية والدولية بشأن العلاقة مع ايران. وظيفة حكومة الرئيس حسان دياب المستقيلة هي حماية نظام الفوضى، فهي مستقيلة ولا تمارس تصريف الأعمال الا بالحدود الدنيا، وتتيح لأطراف المنظومة ان تخفف من تحمّل تبعات هذه السياسة التدميرية.

ولم يكن الرئيس الحريري غائباً عن هذا المسار، وهو كان يدرك أنه ممنوع عليه الاعتذار، لأن في ذلك اعلان المواجهة مع “حزب الله”، الذي كان سبق وسلّمه رقبته، كما يقال في الدارج من الكلام، فـ”حزب الله” يسعى بكل قوته الى تأجيل تأليف الحكومة، لغايات عدة منها تأجيل المواجهة معها، باعتبار أن اي حكومة تباشر في الحدّ الأدنى من الاصلاح، ستصطدم بسلطة “حزب الله” على المعابر وفي المؤسسات ومفاصل الدولة التي تخضع له، ومنها مصرف لبنان، وهو ما سمح بتخفيف حملات الممانعة والمقاومة ضد “حاكم المال” و”حكم المصرف”، وبات على استعداد لصرف كل الاحتياطي المركزي هدراً على الدعم المشبوه، والذي يجمع كل المختصين على ان سياسة الدعم هي عنوان ملطف للنهب المنتظم لأموال المودعين.

إعتذار الحريري ينطوي على اعلان مواجهة، ليس مع الرئيس نبيه بري، بل مع “حزب الله” مباشرة. كما أن الاعتذار عن التكليف والتأليف، لا يمكن ان يعلم به اللبنانيون قبل بعض الرعاة الدوليين، بل ان الاستقالة المرجّحة بحسب أكثر من مصدر على صلة بالحريري، تعني في المعيار الدولي والإقليمي، تصعيداً للمواجهة وتأجيلاً بعيداً لموعد الحكومة الجديدة، والأهم هو أن اللبنانيين سيتحمّلون سياسة عضّ الأصابع، بين إصرار “حزب الله” على أن ما يجري في لبنان لا يؤثر عليه، بل يصيب اللبنانيين، وبين اتجاه إقليمي دولي يعتقد أن مزيداً من التأزم والانهيار سيساعد على تقبل “حزب الله” والمنظومة الحاكمة على وجه العموم الشروط الإصلاحية، والتي في جوهرها تقتضي تقزيم نظام مصالح المنظومة الحاكمة، الذي يوفر النفوذ والقوة والاستمرارية لهذه المنظومة.

إن غداً لناظره قريب، اعتذار الحريري ثمرة نضجت كثيراً ولامسها الاهتراء ومهدّدة بالتلف اذا لم تقطف، التردد في الاعتذار ينذر بالأسوأ للبنان وللحريري نفسه. فهل أعذر من أنذر أو إعتذر؟!