IMLebanon

بشير فرصة لبنان الضائعة

كتبت نوال نصر في “نداء الوطن”:

حين يكون الميت شهيداً، والشهيد حلماً، والحلم أملاً، بحجم بطل، يبقى حياً فينا ما حيينا. بشير حيّ فينا. بشير حيّ فينا. بشير حيّ فينا… وماذا بعد؟ ما الذي يُبقي على شهيد حيّ بعد مضيّ أربعة عقود على “تفجيره”؟ لماذا يبقى البشير “حصرمة” في عيون والحلم السرمدي في عيون أخرى؟ ولماذا، في كلِ مرة، نسمع فيها جملة “الرئيس القوي” لا يتقدم في بالنا إلا اسمه: فخامة الرئيس بشير بيار الجميل؟

مع نسمات أيلول و”ورقو الأصفر” تحت الشبابيك “بيصير يبكينا شتي أيلول”… فهل “نكفكف” الدموع ونُجدد العهد أم نعلن الإستسلام؟ فلنبحث مجدداً في سرّ البشير الذي يستمر قادراً، عاماً بعد عام، على منح كثير من اللبنانيين أوكسيجين صمود.

ظنّ كثيرون لحظة استشهد البشير، يوم عيد الصليب، أن “ظهورهم” قد “انكسرت” لكن، البشير- المعلم، علّمهم أن يكونوا أقوياء أوفياء صادقين يقعون ويقفون… وهذا ما كان. وقعوا ووقفوا مرات ومرات، في بلاد أشبه بالرمال المتحركة، واستمروا أقوياء. إستمرّ من أحبوا بشير وعرفوه أقوياء أقوياء… فما سرّ المعلم البشير وتلاميذه؟

رفاق البشير

أنطوان نجم، إدمون رزق، سجعان قزي، جوزف الهاشم عرفوه جداً. وها هو أنطوان نجم يكرر: “لو كان بشير حياً لما حصل ما وصلنا إليه اليوم”. هو بشيريٌ حتى النخاع ويتهدج صوته في كلِ مرة يذكر فيها اسمه فهو “خلص” بشير ذات يوم وعاد بشير و”خلصه” يوم الإنفجار، منذ 39 عاماً في مثل هذا اليوم، حين اتصل به وقال له “عندك شغل كتير يا أنطون فبلا ما تجي ع بيت الكتائب”. إنكبّ أنطوان نجم يومها على إعداد برنامج عمل “فخامة البشير” الى أن خرق دوي الإنفجار السماء فساد الظلام. إستشهد هو وساد الحزن والسواد الهائلانن البلاد. سوادٌ قاتم قاتل شديد. في كل حال، “لو بقي بشير على قيد الحياة لكنا تعرفنا على لبنان آخر”. قال أنطوان نجم.

في 21 يوماً

سؤالٌ طرح بدل المرة مرات… واليوم، في ظلِّ كل الظلام المحيط بنا يعود ويبرز: هل كنا بالفعل في لبنان آخر لو استمر بشير على قيد الحياة؟

سجعان قزي يرى في هذا السؤال: “مشروعية” لأن “كتار” أتوا الى لبنان بكمٍّ من الوعود وانتهى الأمر بهم الى ركود، في حين استطاع البشير في 21 يوما أمضاها رئيساً إحداث التغيير. ومن استطاع تغيير المجتمع قبل الدولة، في 21 يوما وقبل استلامه السلطة، كان سيتمكن حتما من إحداث التغيير المنشود. إستطاع بشير، بما يملك من طلّة وكلمة وثقة بالنفس وكاريزما، أن يُحدث تغييراً في عادات المجتمع” يضيف قزي “كنت واثقا أن بشير كان سينجح لو تسلّم الحكم لأن أعداءه لو كانوا واثقين من فشله لما تخلصوا منه باغتياله. خافوه لأنه عرف كيف يروّض المجتمع الدولي. كان يملك سطوة على المفاوض الدولي والعربي. كانوا يأتون إليه بأفكار ويعودون بأفكار أخرى. كان البشير قادراً دائماً على تحويل الخصوم الى أصدقاء، بدليل انه بعدما كان يُسمى بأمير حرب أصبح الرجل الذي يُراهن عليه. والشعب الذي غضب يوم انتخب رئيساً نزل وشارك في مأتمه حزيناً غداة اغتياله. خلق بشير في اختصار حالة إستثنائية في لبنان أكدت على قدرة هذا الرئيس الشاب، لو لم ينل منه الأشرار، على النجاح”.

الفرصة الضائعة ما رأي إدمون رزق؟

يكفي أن يسمع إدمون رزق باسم البشير لتتقدم في عينيه وعقله وقلبه كثير من الذكريات “فبشير كان مثالاً لأصالة الإنتماء وكان صاحب مشروع وطني إنساني، يدمج بين الإنسان الوطني والإنتماء الإنساني، وصاحب مشروع حضاري للبنان، آمن بالتعددية لكنه رفض الإزدواجية، أي أن يُبطن غير ما يقول. وكان شفافاً وواضحاً وملتزما من دون عصبية. بشير هو فرصة لبنان الضائعة. إنه النموذج المطلوب للمستقبل”.

بشير فرصة ضاعت. فهل نتوقف عن الحلم؟ هل نوضب أمتعتنا ونغادر؟ هل نقول “على لبنان السلام” ونرحل الى بلادٍ توقظنا من الأحلام؟

ثمة سرّ في إدمون رزق (87 عاماً) في قدرته على بثّ العنفوان في رؤوس سامعيه. هو يقول “نموذج البشير هو المطلوب للمستقبل” ويستطرد “بكل أسف، تعاقب بعد بشير على الرئاسة في لبنان نمط من “المسترئسين” الذين لم يرأسوا أبدا لافتقارهم الى الجدارة، ما عطّل الموقع الأول وأضاع على لبنان أربعة عقود من عمر الوطن وناسه نتيجة لاغتيال الجمهورية مع بشير”. يتريث رزق قليلاً ثم يقول بصوتٍ مرتفع “اسمعوا جيداً، كل العهود المتعاقبة لم تكن جديرة بخلافة بشير ولا أستثني أحداً أبدا”.

يوضاس ثانٍ وثالث…

نعود الى قزي لسؤاله عما قاله رزق فيجيب “ما نراه اليوم في لبنان يُسيء الى مشروع بشير والى قضية بشير الذي منذ اغتيل لم يستطع أحد “تعبئة” مكانه “فلا أحد يُشبه بشير ويا ليت أتانا بشير ثان وثالث ورابع لكن ما حصل أننا وجدنا يوضاس ثان وثالث ورابع” ويعود قزي الى 1982 “حيث حلّت صور بشير في غرف البيوت حتى في طرابلس والجنوب أكثر من المناطق الشرقية فالإلتفاف حوله بعد مماته اشتدّ. بشير أصبح مثلاً ومثالاً، وهو الذي لم يحتج ليقول للناس ما يفعلونه. كان يكفي ان ينظروا كيف يريد أن يحكم ويدير شؤون الأمة ويتعاطى مع الإدارة ليعودوا الى وظائفهم العامة. كان بشير يتحلى بمشروع إجتماعي أخلاقي ويملك كل المعطيات المشجعة لتحقيق ذلك. لو قُدر له ان يحكم لكانت الأمور اختلفت تماما”.

بشير حي فينا

“بشير حيّ فينا” عبارة عشنا فيها وبها من بعده ويقول قزي “أنا من أطلق هذه العبارة يوم كتبت خطاباً ألقاه فادي افرام وأنهيته بعبارة “بشير حيّ فينا”. ويستطرد “أعتقد أن القوات اللبنانية هي الجهة الوحيدة القادرة اليوم على لعب دوره فعلياً لأن لا حزب منظماً متراصاً عنده شعبية ويملك مفهوم القضية اللبنانية سواها اليوم، وذلك في الوقت الذي أراد حزب الكتائب لعب دور “الديموقراطي الإجتماعي”.

ماذا عن بشير في مفهوم جوزف الهاشم أمس واليوم؟

يقول الهاشم “ممارسات رؤساء الجمهورية الذين تعاقبوا بعد بشير تشي في شكل واضح ان وجوده كان ضرورة لاستمرار الدولة اللبنانية كقيمة إنسانية حضارية ديموقراطية. فكل من أتوا وراءه “دمروا الدولة” فشعر المسيحيون أن جميع هؤلاء، ممن يدعون تمثيل المسيحيين، لم يضمنوا وجودهم. فحين يصبح من يدعي المسؤولية مرتهنا للخارج لا يعود لبنان لبنان” ويستطرد بالقول “أهمية بشير هو إصراره على مساحة 10452 كيلومتراً مربعاً، ليس الجغرافية بل الإنسانية، فالأرض لا قيمة لها إذا لم تحترم قيمة الإنسان فيها. وأهميته أيضا الحرص على لبنان التاريخي والديموقراطي والحضارة وحقوق الإنسان”.

آمن بشير دائما، بحسب الهاشم، على “أن الحكم هيبة ونزاهة، أما الآن فلا هيبة للحكم ولا نزاهة، فالحكم متورط في الفساد مثله مثل الآخرين، وحين يفقد “الحاكم” هيبته لا يعود حاكماً”.

فلنعد الى إدمون رزق ونسمعه وهو يُخبر ما أنهى به جوزف الهاشم: “الحكم اليوم سرقة لا هيبة. أصبح همّ “الرئاسة” اليوم الإسترئاس والوجاهة”. عرف رزق بشير “فتى يتمتع بصفات الفروسية والأصالة” ويقول “كنت أتوسم ببشير النجابة والشجاعة وخصوصاً الإنتماء الوطني والأخلاقي. كان رجل أخلاق ووطنية وثقافة إنسانية. كان يحمل مشروعا نهضوياً لكن، بكل أسف، إنتهى بعده المشروع. لم يحمل أحد بعده هذا المشروع. كل همّ من تعاقبوا بعده على السلطة وليس الخدمة من خلال السلطة. لذا أنا أتهم جميع من تعاقبوا أنهم خانوا أمانة الوطن وكانوا دون المستوى الأخلاقي والوطني والمعرفي. كانوا مجرد اشخاص يحتلون مراكز دون أن يؤدوا مهمة”.

متشدّد لا متعصّب

بشير كان متشدداً في وطنيته وليس متعصباً في مذهبيته، بحسب رزق، “وكان يؤمن بالشراكة خلافاً لكل من حاولوا تشويه صورته. كان بشير الفرصة الضائعة. وكل من خلفوه لم يكونوا مؤهلين لذلك وليس لديهم أي ملامح من بشير. ونحن اليوم بحاجة ماسة الى بشير آخر”.

لكن، هناك من تعاقبوا وراءه يدعون أنكم أنتم “أهل الطائف” جردتموهم من صلاحيات الرئيس؟ يجيب رزق “لا يزال إتفاق الطائف هو الحلّ الوحيد للحالة اللبنانية وهو لا يحتاج لا الى تعديل ولا الى تبديل. المطلوب فقط تنفيذه من خلال تنفيذ الدستور الذي تم تعديله بموجب الإتفاق. وكل العلل التي عانينا منها من معارضي الطائف لا تزال مزدوجة بين سوء النية و”جهالة” من تولوا المسؤولية لذا أتهمهم مباشرة بأنهم إما جهلة او سيّئو النية” ويستطرد “كان لدينا الأمل من خلال إتفاق الطائف خصوصا لجهة صياغة المادة 95 من الدستور هو تجاوز الحالة الطائفية والوصول الى حكم حضاري بمعزل عن الطائفية والمذهبية لكن، بكل أسف، المادة 95 لم تطبق. في كل حال، يملك رئيس الجمهورية كل الصلاحيات اللازمة إذا كان جديرا بالرئاسة لأن الرئاسة هي قيادة وأبوة وليست مجرد نصوص وممارسة تحتاج الى معرفة. وبكل أسف لم نحصل على هذا النموذج من الرؤساء. لذا المطلوب اليوم البدء بوضع الأشخاص المناسبين في المواقع المناسبة”.

بشير مات، إغتيل، لكنه “حيّ في كثيرين”… رئيس الجمهورية ليس من يملك أكبر كتلة نيابية وأكثر عدد من الوزراء. الرئيس كميل شمعون لم يكن يملك كتلة من هذا النوع. وهذا الرئيس- الرئيس يوم التقى بيار الجميل قال له: “إبنك بشير يتمتع بالجوهر الأصيل”.