IMLebanon

لبنان ودّع المونسنيور توفيق بو هدير 

ودّعت الكنيسة المارونية المونسنيور توفيق بو هدير رئيس مكتب راعوية الشبيبة في البطريركية المارونية وشقيق الإعلامي ماجد بو هدير في مأتم حاشد اقيم في كنيسة مار الياس – أنطلياس بحضور النائب ابراهيم كنعان ممثلا رئيس الجمهورية العماد ميشال عون والذي منحه باسمه وسام الاستحقاق الوطني اللبناني البرونزي. كما حضرت السيدة جويس الجميل ممثلة الرئيس امين الجميل ورئيس حزب الكتائب النائب المستقيل سامي الجميل ، النائب المستقيل نعمت افرام ، وشخصيات رسمية وسياسية واعلامية وروحية.

ترأس الصلاة الجنائزية لراحة نفسه النائب البطريركي المطران بيتر كرم ممثلا البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي عاونه لفيف من المطارنة والكهنة بمشاركة ممثلين عن بطاركة الطوائف المسيحية، وخدمت الجناز جوقة “يسوع فرحي”بمشاركة حشد كبير من الشبيبة.

الرقيم البطريركي

وبعد تلاوة الانجيل المقدس تلا الخوري طوني الحاج موسى كاهن رعية بصاليم مسقط رأس الراحل، الرقيم البطريركي وجاء فيه: “كالصاعقة وقع على القلوب خبر وفاة المونسنيور توفيق في ختام يوم من النشاطات كسائر الأيّام، كان آخرها عند المساء تمثيلنا في جامعة الروح القدس الكسليك في ندوةٍ أعجبته ورأى فيها إمكانية توظيف عددٍ من الشبيبة، وعبر عن ذلك في رسالة إلكترونية لأحد المقربين إليه، وهو في الندوة”.

وأضاف: “كان همه الشبيبة التي “أحبها حتى النهاية” (يو 13: 1)، فلقب بـ “أبونا الشبيبة”. إنها ترى نفسها اليوم مكسورة الظهر، وكخراف فقدت راعيها، وتمتزج دموعها بالصلاة. الشبيبة هنا تتحلّق حول جثمانه الطاهر، وقلوبها مرتفعة إلى فوق تتخيله في مجد السماء، ينعم بالرؤية السعيدة، هو الذي عاش الفرح وزرعه في القلوب. كلهم هنا: معاونوه في مكتب راعوية الشبيبة ومكاتب الدائرة البطريركية، ولجنة الإغاثة البطريركية “الكرمة”، ومتابعو برنامج التنمية البشرية والتمكين في المركز البطريركي مار سركيس وباخوس ريفون، وتجمع يسوع فرحي. إنهم يتطلعون إلى المستقبل الغامض المؤلم بعد غياب قائدهم ورائدهم، صاحب القلب الغني بالحب والعطاء، والفكر الخلاق، والإرادة الصلبة في النشاط من دون كلل. يقفون حيارى مذهولين، ونحن مثلهم لا نصدق أن المونسنيور توفيق لن يكون موجودا حسيا بيننا. لكننا نؤمن أنه حيّ بالمسيح، ويشفع بنا من سمائه”.

وتابع: “وما القول عن والدته الثكلى التي كانت ترى فيه سند إيمانها وعزاء حياتها ومحط آمالها. لا أحد يستطيع تصور مرارة سيف الألم الذي يجتاز قلبها. إنها كأم يسوع عند أقدام الصليب، تسمع ابنها توفيق يقول لها مشيرا إلى الشبيبة: “هؤلاء هم أبناؤك” (راجع يو 19: 26)”. وقال: “العزيز المونسنيور توفيق ولد في بصاليم المتن العزيزة والجريحة في العمق. على يد الوالدين المرحوم ميشال وماغي اللذين عرفناهما عن كسب تربى أحسن تربية مسيحية مبنية على الإيمان والصلاة والقيم الخلقية والإنسانية، مع شقيقيه: الإعلامي ماجد وباسم. وشدته إليهما روابط المحبة والمودة الأخوية، وبخاصة إلى العزيز ماجد وعائلته فكانا يتعاونان في كل شيء، وكرفيقين وصديقين يتشاوران في كل الأمور. وأخلص العاطفة والإحترام لجدته البالغة مئة سنة، ولأعمامه وعماته وخالاته وعائلاتهم، وهم بادلوه هذه العاطفة”.

وأردف: “في هذا الجو العائلي والمؤمن والمصلي سمع الشاب توفيق النداء الإلهي إلى الكهنوت وهو في الخامسة والعشرين من العمر، وكان قد أكمل اختصاصه الجامعي في إدارة الأعمال وبدأ العمل في أحد المصارف. قبلناه في أبرشية جبيل، وأرسلناه إلى المدرسة الإكليريكية البطريركية في غزير، ومن بعدها واصل دروسه الفلسفية واللاهوتية في كلية اللاهوت الحبرية في جامعة الروح القدس، ونال شهادة الإجازة في اللاهوت. وفيما كان يتابع دروس السنوات اللاهوتية الثلاث، انتسبت والدته إلى أحد المعاهد اللاهوتية لترافق ابنها في العلوم الإلهية، وتصغي إلى مواعظه، وتعرب له عن مشاعرها ومشوراتها”.

وقال: وما إن سيم كاهنا في 30 أيلول 2000، ذكرى دخوله الإكليريكية، حتى باشر خدمته الكهنوتية بغيرة وجهوزية وحب على مدى إحدى وعشرين سنة غنية بالعاطاءات، محافظا على شعاره الكهنوتي المأخوذ من شفيعته المحببة على قلبه القديسة تريز الطفل يسوع: “بالحب أعطي كل شيء، وأعطي ذاتي. هكذا فعل في مهمته كمرشد لشبيبة أبرشية جبيل سنة 2001. فكانت لقاءات الشبيبة في الرعايا، ولقاء الخميس الأسبوعي على سنسول ميناء جبيل، وجمعية شباب الرجاء. وكذلك في خدمته لكل من رعايا حصرايل والمنصف وعين كفاع وغبالين ومستيتا ومار زخيا عمشيت. ثمّ كمدير لوقفية بيت الكاهن معاد، وقيم عام لأبرشية جبيل، ومرشد لكثير من المنظمات مثل العمل الرعوي الجامعي وكشافة لبنان ومطعم المحبة”.

واستطرد: “وإذ تفرغ للعمل الرسولي الإجتماعي، عيناه منسقا لمكتب راعوية الشبيبة في الدائرة البطريركية، ومديرا للمركز البطريركي للتنمية البشرية والتمكين في ريفون. وخصه الله بموهبة تنظيم الجماعات الشبابيّة في مناسبات فريدة نذكر منها: زيارة ذخائر القديسة تريز في العام 2002، وزيارة قداسة البابا بندكتوس السادس عشر عام 2012، والأيام العالمية للشبيبة المارونية عام 2017، واالقاء المسكوني العالمي للشبيبة مع جماعة Taizé عام 2019، و”كلنا بيروت” لدعم المتضررين من انفجار بيروت في 4 آب 2020. وتعاون مع مؤسسة Youcat فأشرف على إصدارها باللغة العربية فكانت Youcat التعليم المسيحي للشبيبة، وYoucat سر الإعتراف، وDocat تعليم الكنيسة الإجتماعي للشبيبة. وأحب من كلّ قلبه الفقراء والمعوقين، فكانت سيارته مليئة دائما بالمساعدات والهدايا للصغار وللكبار، يوزعها حيثما وجد مباشرةً أو بواسطة الغير، والإبتسامة العريضة المحبة على وجهه الوضاء”.

وقال: “كان المرحوم المونسنيور توفيق على سباق مع الزمن، ينام قليلا ويعمل طويلا، وفي عقله وقلبه مشاريع ومشاريع للشبيبة. فأنجز في الأحدى وعشرين سنة من حياته الكهنوتية ما يعجز عن صنعه سواه في عشرات السنين، إن قدر. فتتم فيه الكلمة الإلهية في سفر الحكمة: (بلغ الكمال في أيام قليلة، فاستوفى سنين كثيرة. كانت نفسه مرضية عند الرب، ولذلك أخرجه سريعا من بين الشرور” (حكمة 4: 13-14). وكما إعتاد أن يسمع كلام الله ويعمل به، كذلك قال في آخر لحظة: (تكلم يا رب! فها أنذا – لو 1: 38؛ 1 صموئيل 3: 15). دعوة العبور إلى بيت الآب كانت الكلمة الأخيرة التي سمعها، فعمل بها”.

وختم :”بالرجاء نرافقه جميعا بهذه الصلاة، ونوفد إليكم سيادة أخينا المطران بيتر كرم نائبنا البطريركي السامي الإحترام، ليرئسها باسمنا ويعرب لكم عن تعازينا الأبوية الحارة. تغمد الله روحه بوافر رحمته، وسكب على قلوبكم بلسم العزاء، وعوض على الكنيسة والأبرشية بكهنة قديسين. المسيح قام”.

الوسام

وبعد الصلاة منح النائب ابراهيم كنعان باسم رئيس الجمهورية المونسنيور الراحل وسام الاستحقاق الوطني اللبناني البرونزي وقال: “بكثير من الألم الذي يوازي الذهول، نجتمع اليوم، لوداع المونسنيور توفيق بو هدير. ولا يسعني إلا أن استذكر في قساوة اللحظة، تلك العبارة – النذر الواردة في سفر الرؤيا: “وهوت من الماء نجمة كبيرة”.

أقول “النذر”، لأن من جمعنا ما أراد لحياته الأرضية بيننا الا أن نكون نذرا من نور، يدل الى رحابة السماء، التي شاءها موطنه الأصلي، تاركا في نفوسنا الكثير من لوعة الفراق الأرضي. وفي ذلك النور الذي زرعه في عتمة وطننا، حمل الينا فرح الإيمان الحقيقي، ذلك الذي مرتكزه صخر، ومبتغاه الثبات في القيامة. ما عرفه احد في حزن. وهو المدرك ان التحدي ليس في مواجهة الصعاب، وهي جمة، بل في تأكيد الغلبة عليها، باسم من قال: “تعالوا الي ايها المتعبون، وانا اريحكم”. وما أكثر المتعبين، الذين اتوا اليه، فعلمهم ان رجل الله الحقيقي ليس هو المنارة، ولا هو الميناء، بل القائم من الموت، العابر بنا الى الحياة الأبدية”.

وأضاف: “ايها الفقيد الغالي، يا من زرعت في شبيبة لبنان الرسوخ على قمم التجلي: من ساحة الصرح البطريركي في بكركي، يوم اللقاء التاريخي مع قداسة الحبر الاعظم البابا بنديكتوس السادس عشر، الى ساحة الكوليزيه في روما يومذاك الجمعة العظيمة، حيث تلا ممثلو شبيبة لبنان امام قداسة البابا فرنسيس الصلوات الخاصة بدرب الصليب التي وضعوها للمناسبة، ومن وادي قنوبين يوم تحلق حولك شباب لبنان المغترب، لتعرفهم على جذور انتمائهم وهويتهم، الى قلب كل شاب وصبية من لبنان والشرق الاوسط، الذين رأوا فيك المثال الأحق، فأصغوا اليك معلنين فرح ايمانهم بكنيستهم وبلبنان”.

وختم: “ايها الفقيد الغالي، يا من اخترت الرحيل بسكون ال “نعم” المطلق للرب، في ذكرى اعلان شفيعتك القديسة تريزيا الطفل يسوع، معلمة للكنيسة، لقد شرفني فخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، فكلفني ان امثله في احتفال المرافقة المهيب هذا، وان اضع على نعشك، باسمه، وسام الاستحقاق الوطني اللبناني البرونزي. وباسمه، اتقدم من عائلتك الصغرى، وعائلتك الكنسية الاكبر، ومن شبيبة لبنان والشرق الاوسط عائلتك الكبرى التي شئتها هكذا، بأحر التعازي. كن ايها الفقيد الغالي، من فوق، نورا للبنان وكنيسته، فيبقى حضورنا بيننا بقاء ايماننا بلبنان – الرسالة، على ما اراده القديس البابا يوحنا بولس الثاني، مثالك الأعلى”.

بعد ذلك تقبلت العائلة التعازي في صالون الكنيسة ثم نقل الجثمان الى مثواه الاخير في بلدة بصاليم حيث وري الثرى في مدافن العائلة.