IMLebanon

سُنة لبنان تائهون بعد تخلي السعودية عنهم

جاء في “العرب” اللندنية:

يبدو المكون السني في لبنان المتضرر الأكبر من إدارة السعودية ظهرها للبنان، إذ يحرم انكفاء الرياض سنة لبنان من الغطاء المالي والديني والأيديولوجي الذي وفرته لهم المملكة تقليديا، وهو ما يضعفهم سياسيا.

قالت مصادر سياسية لبنانية إنه بإدارة السعودية ظهرها للبنان تكون قد تخلت عن السُنة الذين يعيشون على وقع أزمة، على غرار بلدهم، ويكافحون لإيجاد زعيم لهم، في خطوة تعتبر فرصة لتركيا التي تسعى جاهدة لفرض وصايتها على المكون السني خدمة لأجنداتها الإقليمية.

وقال وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان “توصلنا إلى نتيجة مفادها أن التعامل مع لبنان وحكومته الحالية ليس مثمرا ولا مفيدا، بسبب استمرار سيطرة حزب الله على الساحة السياسية”.

وجاء تصريح فيصل بن فرحان هذا في الوقت الذي قررت الرياض وحلفاؤها الخليجيون اتخاذ إجراءات عقابية ضد لبنان، بما في ذلك استدعاء السفراء وطرد دبلوماسيين لبنانيين من أراضيها، احتجاجا على تصريحات لوزير الإعلام اللبناني الحالي جورج قرداحي، اعتبر فيها أن التدخل السعودي في حرب اليمن “عبثي”.

وبالنسبة للرياض، فإن لبنان الآن “قضية خاسرة” قادتها، ولاسيما السنة، قدموا تنازلات أكثر من اللازم في مواجهة حزب الله المدعوم من إيران.

ودعمت السعودية رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق ورئيس تيار المستقبل سعد الحريري في مواجهة حزب الله، إلا أن علاقة الرجل بالرياض قد توترت منذ فترة، إذ لم يف الأخير بتعهداته تجاه المملكة.

إضعاف تيار المستقبل وقادته السياسيين يغذي شعورا متزايدا بالتجاهل والضعف بين المجتمع السني في لبنان

ويقول مراقبون إن الفراغ القيادي السني في لبنان سيستمر لفترة طويلة، معتبرين أنه لا يبدو أن هناك مرشحا جديا قادرا على خلافة الحريري: لا شقيقه، الذي عاد مؤخرا إلى لبنان للدفاع عن خط متشدد ضد حزب الله، ولا نجيب ميقاتي رئيس الوزراء الحالي.

ويغذي إضعاف تيار المستقبل وقادته شعورا متزايدا بالتجاهل والضعف بين المجتمع السني في لبنان، وهو أمر أكثر خطورة لأنه يتعلق بحوالي 35 في المئة من السكان (50 في المئة إذا أضفنا اللاجئين السوريين الذين يعيشون على الأراضي اللبنانية، معظمهم من السنة)، ويأتي ذلك في سياق تزايد البؤس والفقر في البلد منذ الأزمة الاقتصادية لعام 2019.

ويقول المحلل السياسي سامر حجار “لا توجد شخصية جديدة تتمتع بالدعم السعودي الضروري لوجودها السياسي”.

ويرى محللون أن لا مبالاة الرياض تجاه بيروت تحرم سنة لبنان من الغطاء المالي والديني والأيديولوجي الذي وفرته لهم المملكة تقليديا، ما يدفع قوى أخرى خاصة تركيا إلى ملء هذا الفراغ.

وتسعى تركيا إلى استثمار الانكفاء السعودي عن الساحة اللبنانية من أجل تقوية نفوذها في البلاد خدمة لأجنداتها. ويبدو المكون السني الذي لم يعد يلقى اهتماما من الرياض أيسر الطرق لتعزيز الحضور التركي.

ويترك الابتعاد السعودي، بسبب معارضة الرياض لحزب الله، في لبنان المجال لتوسع الدور التركي، حيث تقدم أنقرة نفسها كـ”حامية للسنة”، وهو دور ارتبط بالسعودية خلال العقود الماضية.

وباتت أنقرة تستثمر بشكل جلي الانكفاء السعودي عن المشهد اللبناني، خصوصا بعد حادثة مرفأ بيروت العام الماضي وعدم مبالاة الرياض بالتطورات السياسية هناك، للتبشير عبر أذرعها المحلية بالنموذج التركي وقدرته على إحداث التوازن الداخلي بين الطوائف اللبنانية.

وتعتبر مصادر سياسية تتابع التحرك التركي في لبنان أن رهان أنقرة في الوقت الحاضر هو على ملء الفراغ العربي في البلد، انطلاقا من اللعب على ورقة الطائفية عبر أذرعها الخيرية والإسلامية.

وتوظف تركيا عدّة آليات لاختراق المجتمع السنّي في لبنان، عبر توظيف الجماعة الإسلامية والمساعدات الإنسانية، مستغلّة الوضع الاقتصادي الصعب وفتور الدور العربي حيال لبنان.

وفتح الفراغ الذي أحدثه غياب العرب الفاعل وخاصة السعودية عن التواجد في الساحة السنية، الباب أمام اللاعبين على المستوى المذهبي للإيحاء بأنهم البديل الراعي، وهذا ما دفع البعض إلى الاستفادة من الاندفاعة التركية نحو توسيع النفوذ.

ويعيش المكون السني في لبنان فراغا سياسيا ما يجعله جاهزا للاستعمال، فطرابلس والشمال يمكنهما أن يشكلا حاضنة خصبة للمشروع التركي.

ولا يبدو التدخل التركي في لبنان محصورا في الشمال، حيث تشير مصادر إلى محاولة توسيعه باتجاه مدينة صيدا جنوب لبنان عبر مساهمة أنقرة في تمويل بناء مستشفى متخصص في معالجة الحروق، غير أن هذه المحاولة لم تتوسّع كثيرا كما هي الحال بالنسبة لشمال لبنان.

وتمكنت تركيا من احتضان عدد من الشخصيات الإسلامية في الشمال، بعد أن لمست تلك الشخصيات تراجعا سعوديا عن الاهتمام بلبنان، بالتوازي مع الدعم التركي المستمر.

وتعول أنقرة الآن على هذه الشخصيات للتبشير بالنموذج التركي وما يمكن أن تحققه الطائفة السنية من وراء ولائها لأنقرة.

واستفادت أنقرة كثيرا من الخلافات داخل المرجعيات الإسلامية السنية في لبنان وتشتتها، حيث وجدت في هذا الأمر جسرا لمحاولة تشكيل حالة سياسية جديدة.

ويعتبر السياسيون السنة في لبنان أن تركيا تسعى لاختراق واسع في لبنان و”تمثيل الطائفة” من خلال مشروع رعاية الجمعيات الإسلامية والاهتمام بترميم الأبنية القديمة، مع تركيز خاص على تلك التي تذكّر بالحقبة العثمانية.

وتشير مصادر سياسية إلى أن الاندفاعة التركية تجاه لبنان مؤخرا تعكس رغبة القيادة التركية، الممثلة في رجب طيب أردوغان، في مواجهة النفوذ السعودي المتآكل في “حرب قيادة العالم السنّي”.