IMLebanon

لبنان سيروح ويبقى الرئيس

جاء في “العرب” اللندنية:

ثار تلميح الرئيس اللبناني ميشال عون إلى بقائه في السلطة بعد نهاية عهدته الرئاسية موجة من الجدل وصلت إلى حد السخرية، في وقت تواجه فيه البلاد أزمات مستفحلة تهدد بانهياره.

وتساءلت أوساط سياسية لبنانية هل أن مشكلة لبنان في التجديد لعون أم في البحث عن حلول لأزماته المستفحلة، والتي إن تواصلت ستؤدي إلى تلاشيه؟

وقالت تلك الأوساط إن تلميحات عون، التي جاءت في وقت تعاني فيه البلاد من أزمة اقتصادية حادة ارتفعت بسببها نسبة البطالة وزجت باللبنانيين في بوتقة الفقر والجوع، تعكس انشغال رئيس الجمهورية بتحصين نفسه بدل إنقاذ البلاد من أزمة كان جزءا منها.

وقال عون على هامش زيارة غير معلنة المدة بدأها الاثنين إلى العاصمة القطرية الدوحة والتقى خلالها أمير البلاد الشيخ تميم بن حمد آل ثاني “لن أبقى في قصر بعبدا بعد انتهاء ولايتي الرئاسية، ولكن إذا قرر مجلس النواب بقائي فسأبقى”، لكنه استدرك قائلا “لا يمكن حصول فراغ رئاسي بعد انتهاء ولايتي، لأن الحكومة قادرة على تسلم المسؤولية حتى إذا كانت في مرحلة تصريف الأعمال”.

وفي 2016 انتخب البرلمان عون رئيسا لينهي فراغا رئاسيا استمر 29 شهرا. وفي نهاية تشريت الأول الماضي أقر البرلمان قانونا ينص على تبكير موعد الانتخابات إلى السابع والعشرين من آذار 2022 بدلا من الثامن من مايو من العام ذاته.

ويعاني لبنان منذ عامين أسوأ أزمة اقتصادية في تاريخه، مع انهيار حاد للعملة الوطنية وشح في الأدوية والوقود وسلع أساسية أخرى، بالإضافة إلى هبوط حاد في قدرة المواطنين الشرائية.

وجعلت الأزمة الاقتصادية التي تفجرت في عام 2019 أكثر من ثلاثة أرباع السكان يعيشون تحت خط الفقر وانخفضت قيمة العملة المحلية بأكثر من 90 في المئة.

وتراجعت الليرة اللبنانية إلى أكثر من 25 ألفا مقابل الدولار الأسبوع الماضي، بعدما كان سعر صرفها 1500 ليرة للدولار عام 2019.

وتم خفض الدعم عن جميع السلع تقريبا ومنها الوقود والأدوية، مما أدى إلى ارتفاع الأسعار بالتزامن مع انهيار الخدمات الأساسية مثل الرعاية الصحية.

ولم يطرأ أي تقدم يذكر منذ تعيين حكومة رئيس الوزراء نجيب ميقاتي في أيلول الماضي بعد ما يربو على عام من الجمود السياسي الذي أدى إلى تفاقم الأزمة.

وتشهد حكومة ميقاتي حالة من الجمود منذ أن اندلع خلاف بشأن المحقق العدلي في انفجار مرفأ بيروت العام الماضي خلال اجتماع لمجلس الوزراء يوم الثاني عشر من تشرين الأول. ولم يجتمع مجلس الوزراء منذ ذلك الحين.

ويتحمل عون وحليفه حزب الله مسؤولية عدم انعقاد مجلس الوزراء منذ أكثر من شهر بوضع الشروط المسبقة، إلا أن الرئيس اللبناني يقفز على كل هذه المعطيات ليروج لتمديد عهدته حرصا على استقرار البلاد وعدم ذهابه باتجاه الفراغ.

ويقول مراقبون إنه في  حال تواصلت الأوضاع السياسية والاجتماعية كما هي عليه لن يجد عون “شعبا ليحكمه”.

وفقد اللبنانيون الأمل في إمكانية إحداث تغيير في الانتخابات التشريعية القادمة، في وقت يحافظ فيه تحالف عون – حزب الله على تماسكه وصموده، رغم التداعيات الكارثية للأزمات المتلاحقة والضغوط الدولية لإجراء إصلاحات من شأنها إنعاش الاقتصاد مقابل دعم البلاد مالياً.

وحافظ التحالف أيضا على قدرته على تحريك الشارع، وهو ما أظهرته توترات شهدتها بيروت مؤخرا خلال تظاهرة لمناصري حزب الله وحركة أمل اعتراضاً على مسار التحقيق في انفجار المرفأ انتهت بمقتل سبعة أشخاص غالبيتهم من عناصر الحزبين.

وقالت الباحثة والأستاذة الجامعية ريما ماجد “واهم من يعتقد أن الدورة الانتخابية ستغير النظام” في بلد يتحكم بالسلطة فيه “من يملك السلاح والمال والميليشيات”، في إشارة إلى حزب الله حليف عون.

وعن الأزمة الراهنة مع دول خليجية، في مقدمتها السعودية، قال عون إنه “من الظلم تحميل الشعب اللبناني مسؤولية ما قاله مواطن واحد، والعمل جارٍ على حل الأزمة”.

وسحبت الرياض سفيرها في بيروت في التاسع والعشرين من تشرين الأول الماضي، وطلبت من السفير اللبناني لديها مغادرة المملكة، ثم تبعتها الإمارات والبحرين والكويت واليمن.

وبهذه الإجراءات عبرت تلك الدول عن رفضها لتصريحات أدلى بها وزير الإعلام اللبناني جورج قرداحي، وقال فيها إن الحوثيين في اليمن يدافعون عن أنفسهم في مواجهة هجمات السعودية.

وتؤكد أوساط سياسية خليجية أن استقالة قرداحي المدعوم من حزب الله أولى خطوات فتح قنوات الوساطة مع السعودية لتجاوز الأزمة.

ويحاول عون أن يتمايز في مواقفه بشأن الأزمة مع السعودية عن حليفه الرئيسي حزب الله المعادي للرياض، إلا أن مراقبين يؤكدون أن الرئيس اللبناني مكبّل ولا يمتلك حلولا لتجاوز الأزمة التي يدفع اللبنانيون ثمنها باهظا.

وأنفقت السعودية ودول الخليج العربية الأخرى في ما مضى المليارات من الدولارات لمساعدة لبنان، ومازالت تقدم فرص عمل وتُعتبر ملاذا للكثير من المغتربين اللبنانيين وعددهم ضخم. لكن هذه العلاقة توترت منذ سنوات نتيجة تنامي نفوذ جماعة حزب الله.

وتحذّر هذه الأوساط من ترك حزب الله يقود مسالك هذه الأزمة، راسما خطوطا حمراء أمام إقالة قرداحي أو استقالته، ورافعا سقف المواجهة مع السعودية.

واعتبرت أن استغراق لبنان الرسمي في قياس منسوب التوافق المطلوب حيال أي خطوة بحق وزير الإعلام، عوض بدء تدارك الموقف وإدارة الأزمة بما يتلاءم مع جوهرها المتصل بإحكام حزب الله سيطرته على مفاصل القرار، لن يؤدي إلا إلى المزيد من تعقيد هذه الأزمة التي تسير بلبنان إلى العزلة.